منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القصد التشريعي؛ مقتضاه، نماذجه،

0

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. بعد تحرير القول في مفهوم القصد الكوني ونماذجه ومقتضاه، نفصل قدر الإمكان في مفهوم القصد التشريعي ومقتضاه وأهم نماذجه.

أولا: معنى القصد التشريعي:

القصد من التشريع هو محبة الصلاح والخير للخلق، والأخذ بيدهم إلى بر الخلاص من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، قال صاحب معارج القبول: “الإرادة والقضاء والأمر الشرعي هو المستلزم لمحبة الله ورضاه، فلا يأمر إلا بما يحبه ويرضاه، ولا ينهى إلا عما يكرهه ويأباه”[1]. وانطلاقا مما أكده الإمام الشاطبي من كون: “القاعدة المقررة أن الشرائع إنما جيء بها لمصالح العباد، فالأمر والنهي والتخيير جميعا راجعة إلى حظ المكلف ومصالحه، لأن الله غني عن الحظوظ منزه عن الأغراض”[2]، نستطيع أن نخلص إلى أن القصد التشريعي إنما يعني المصلحة التي تعود على الخلق بالخير في الدنيا والآخرة.

معنى ذلك أن قصد الشارع من التشريع، إذا تم رعيه والسير على ِوزانه فإن المصلحة تكون حليفة المكلف ومن حظه، جاء في الموافقات: “معلوم أن الشريعة وضعت لمصلحة الخلق بإطلاق…فكل ما شرع لجلب مصلحة أو دفع مفسدة”[3].

إلا أن الملفت للنظر عدم اقتصار الشاطبي على ربط القصد التشريعي بفكرة المصالح فحسب –وهي فكرة جوهرية وحاضرة بقوة– حيث وجدناه يوسع من مدلول المقاصد-بخلاف غيره- ليشمل القصد من التشريع أبوابا كثيرة تشكل من مجموعها أداة لفهم النصوص الشرعية من جهة، ثم لاكتساب القدرة على الاجتهاد المواكب للمستجدات المتسارعة. لا يتسع المقام لذكر تلك المسائل كلها، ومن أراد الاطلاع عليها يرجع إلى مظانها من كتاب الموافقات أو من البحوث التي تناولت مسألة المقاصد بالتحليل، كصنيع الدكتور الريسوني والدكتور الأنصاري وغيرهم كثير.

المزيد من المشاركات
1 من 44

ثانيا: نماذج القصد التشريعي:

1- الإرادة الشرعية[4]: ومنها قوله عز وجل: {يُريدُ اللهُ بِكُم اليُسْرَ وَلا يُريدُ بِكمُ العُسْر}[5]. وقوله تعالى: { واللهُ يُريدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُم}[6], فلو كانت هذه الإرادة كونية لما حصل العسر لأحد منا ولو وقعت التوبة من جميع المكلفين”[7].

2- الأمر الشرعي[8]: كقوله عز وجل: {إِنَّ اللهَ يأمُرُ بِالعَدْلِ والإحسَان}[9]، وقوله عز وجل: {إنَّ اللهَ يأمُركُم أنْ تُؤَدَّوا الأمَاناتِ إلى أهْلها}[10].

3- القضاء الشرعي[11]: وهو ما قضى الله به شرعا على عباده كي يستجيبوا له ومن ذلك قول عز من قائل: {قَضَى رَبُّك ألاَّ تَعْبُدوا إلا إيَّاه}[12] ؛معنى “أمر وشرع ولو كان قضاء كونيا لما عبد غير الله”[13].

4- الكتابة الشرعية[14]: في كتاب الله تعالى نجد كثيرا من الأحكام شرعها المولى عز وجل بلفظ  “الكتابة” من ذلك تشريع  الصيام قال الله عز وجل: {كُتِبَ عليْكُمُ الصيَّامُ}[15]. وشبيه به فرض القتال قال الله تعالى: {كُتِبَ عليْكم القِتالُ}[16]. وفي القصاص قال الله تعالى: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِم فِيهَا أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}[17]. وهي كما يظهر كلها آيات في معنى القصد التشريعي.

5- التحريم الشرعي[18]: كقوله عز وجل: {حُرِّمتْ علَيْكم أُمَّهاتُكُم}[19]، وقوله تعالى: {وأَحلَّ اللهُ البَيْعَ وحَرَّم الرِّبَا}[20].

6- الإذن الشرعي[21]: ومن ذلك قوله تعالى: {قل أَرَأَيْتُم ما أنْزَلَ اللهُ لكُم منْ ِرزْقٍ فجَعَلْتُم مِنْهُ حَراماً وحلالاً, قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُم أَمْ علَى اللهِ تَفْتَرُونَ}[22]، وقوله: {أَمْ لَهُم شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُم منَ الدِّين مَا لَم يَأْذَن بِهِ اللهُ}[23].

مقالات أخرى للكاتب

7- الجعل الشرعي[24]: كقوله تعالى: {ما جَعَلَ اللهُ منْ بَحِيرةٍ ولا سَائِبةٍ ولا وَصِيلَةٍ ولاَ حَامٍ}[25], وقوله عز وجل: {جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيَامًا لِلنَّاس}[26].

8- الكلمات الدينية[27]: وهي كقوله تعالى: {وإنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْركِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ}[28]، المراد به القرآن. وقوله صلى الله عليه وسلم في النساء: {واسْتحْلَلتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ}[29] أي بإباحته ودينه[30].

9- البعث الشرعي[31]: كقوله عز وجل:{ هو الذي بَعَثَ في الأُمِّيين رسُولا منْهم}[32].

10- الإرسال الشرعي[33]: كقول الله عز وجل: {هوَ الذِي أرْسلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى ودِين الحَقِّ}[34]، وقال عز من قائل: {إنَّا أَرْسَلنَا إلِيْكم رسُولا شَاهدًا عليْكم}[35].

11- الإيتاء الشرعي[36]: كقوله تعالى: {ومَا أتَاكُم الرَّسولُ فَخذُوهُ}[37]. وقد نبه ابن القيم رحمه الله تعالى على لطيفة جليلة جاء فيها:”أنبياؤه ورسله حظهم من هذه الأمور، الديني منها، وأعداؤه واقفون مع القدر الكوني فحيث مال مالوا معه، فدينهم دين القدر ودين الرسل وأتباعهم دين الأمر، فهم يدينون بأمره ويؤمنون بقدره”[38].

رابعا: مقتضى القصد التشريعي:

إن القصد التشريعي يقتضي من المأمور بالخطاب السير وفق ما قرره الشارع من أحكام تراعي مصالح العباد في الدنيا والآخرة ، وهو ما يعطي للمجتهد إمكانية الإحاطة بجل القضايا المتجددة. لأنه كما عُلم في أصول الفقه أن نصوص الشرع متناهية بالنظر إلى الوقائع المخصوصة التي حصلت إبان رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء في الغياتي: “لا يخفى على من شدا طرفا من التحقيق أن مآخذ الشريعة متناهية مضبوطة محصورة وقواعدها معدودة محدودة، فإن مرجعها إلى الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم،  والآي المشتملة على الأحكام وبيان الحلال والحرام معلومة والأخبار المتعلقة بالتكاليف في الشريعة متناهية”[39]. قال ابن رشد ت 595هـ: (الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية, والنصوص والأفعال والإقرارات متناهية, ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى)[40].

فلم يبق أمام الناظر إلا استثمار القصد التشريعي واعتماد مقتضاه وذلك بالالتفات إلى المعاني والمصالح فإن؛ “المجتهد إنما يتسع مجال اجتهاده بإجراء العلل والالتفات إليها، ولولا ذلك لم يستقم له إجراء الأحكام على ِوفق المصالح إلا بنص أو إجماع “[41].

الباحث في وقائع الناس لا يقف عند ظواهر النصوص بل يغوص معللا قصد الشارع، وموسعا من مجال حاكميته على التصرفات العادية، إذ “أصل العادات الالتفات إلى المعاني” والتعبدية بوجه، ف”قد علم أن العبادات وضعت لمصالح العباد في الدنيا أو في الآخرة على الجملة وإن لم يعلم ذلك على التفصيل”[42]، كما قال الإمام الشاطبي.

وقال أيضا:” فإذا بلغ الإنسان مبلغا فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها، فقد حصل له وصف هو السبب في تنزله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله”[43].

[1] – معارج القبول. ج: 1 / ص:156.

[2] – الموافقات. ج: 1 / ص: 105.

[3] – الموافقات ج/2 ص:23.

[4] – شفاء العليل . الصفحة: 280.

[5] –  سورة البقرة الآية 184.

[6] – سورة النساء الآية 27.

[7] – شفاء العليل . الصفحة: 280.

[8] – نفسه ص:281.

[9]– سورة النحل الآية 90

[10]– سورة النساء الآية 57

[11] – شفاء العليل . الصفحة: 280.

[12] – سورة الإسراء الآية 23

[13] – شفاء العليل . الصفحة: 280.

[14] – نفسه. الصفحة:281.

[15] – سورة البقرة الآية 182.

[16] – سورة البقرة الآية 214.

[17] – سورة المائدة الآية 47.

[18] –  شفاء العليل . الصفحة: 282.

[19] – سورة النساء الآية 23.

[20] – سورة البقرة الآية 274.

[21] – شفاء العليل . الصفحة: 282.

[22] – سورة يونس الآية 59.

[23] – سورة الشورى الآية 19.

[24] – شفاء العليل . الصفحة:282.

[25] – سورة المائدة الآية 105.

[26] – سورة المائدة الآية 99.

[27] – شفاء العليل ص: 282.

[28] –  سورة التوبة الآية 6.

[29] – صحيح مسلم باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم ج 2 ص:  889, رقم 1218.

وصحيح ابن حبان باب الوعيد على ترك الصلاة ج/ 4 ص: 311. برقم 1457.

وسنن أبي داود باب حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ج/ 2 ص: 185, برقم 1903.

وسنن ابن ماجه ج/ 2 ص: 1025. برقم 3074.

[30] – ينظر شفاء العليل الصفحة: 282.

[31] – نفسه  الصفحة: 282.

[32] – سورة الجمعة الآية 2.

[33] – شفاء العليل. الصفحة:282.

[34] – سورة التوبة الآية 33.

[35] – سورة المزمل الآية 14.

[36] – شفاء العليل. الصفحة: 282.

[37] – سورة الحشر الآية 7.

[38] – شفاء العليل. الصفحة: 283.

[39]– غياث الأمم في التياث الظلم؛ “الغياثي”. لأبي المعالي الجويني, تحقيق د.مصطفى حلمي ود.فؤاد عبد المنعم أحمد, دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع الإسكندرية 1979م. الصفحة: 296.

[40]– “بداية المجتهد ونهاية المقتصد. تحقيق الشيخ علي محمد معوض و الشيخ عادل أحمد عبد الموجود, دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى 1996م. ج/1 ص:326.

ينظر كذلك البحر المحيط ج/1ص:12 للزركشي محمد بن بهادر الشافعي ت799هـ, تحرير الشيخ عبد القادر عبد الله العاني, راجعه د.عمر سليمان الأشقر, وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الطبعة الثانية دار الصفوة للطباعة والنشر الغردقة.

[41] – الموافقات ج/1 ص:146.

[42]– الموافقات   ج/1 ص: 147.

[43] – نفسه  ج/4 ص: 76-77.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.