منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التروك النبوية وحجيتها

عمر أداوي

0

إن مسألة الِاستدلال بالترك، أي اِستدلال من ينْكِر فعلا ما بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله. لاتنهض بها حجة.

قال السرخسي رحمه الله: الفعل قسمان: أخذ، وترك. ثم أحد قسمي أفعاله وهو الترك لا يوجب الاِتّباع علينا إلا بدليل)[1]، والترك يعرفه بعضهم بالسنة التّركية، لكنّ الترك يشترط له شرطان ليكون سنة. هما: وجود المقتضي، وانتفاء المانع.

فإذا لم يوجد المقتضي لذلك الفعل فلا يكون الترك سنة، كترك الأذان للعيدين فإن المقتضي موجود وهو الإعلام للعيدين ومع ذلك ترك النبي صلى الله عليه وسلم الأذان للعيدين فالترك هنا يدل على أنه سنّة وأمّا مثال: الترك مع عدم وجود المقتضي، فكترك النبي صلى الله عليه وسلم جمع القرآن، فلا يكون الترك هنا سنة، لأن المقتضي لم يكن موجوداً، ولذلك جمعه عمر بن الخطاب لما دعت الحاجة إليه.

فإنْ وٌجِد المقتضي لذلك ولم ينتف المانع لم يدل على أن ترك ذلك سنة، كتركه صلى الله عليه وسلم القيام مع أصحابه في رمضان، فإن المقتضي كان موجوداً، لكنْ كان هناك مانع موجود وهو خشيته صلى الله عليه وسلم أن يفرض عليهم القيام.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والترك الراتب سنة كما أن الفعل الراتب: سنة، بخلاف ما كان تركه لعدم مقتض، أو فوات شرط، أو وجود مانع، وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلت الشريعة على فعله حينئذ، كجمع القرآن في الصحف، وجمع الناس على إمام واحد في التراويح، وأسماء النقلة للعلم، وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين، وبحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به، وإنما تركه النبي صلى الله عليه وسلم لفوات شرط أو وجود مانع). [2]

المزيد من المشاركات
1 من 38

وأحب هنا أن أنقل كلاما بليغا للإمام ابن القيم، تلميذ ابن تيمية رحمهما الله. قال رحمه الله: صح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: والله لأنا أقربكم صلاة برسول الله صلى الله عليه و سلم. فكان أبو هريرة رضي الله عنه يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح، بعدما يقول: سمع الله لمن حمده فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار.

ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم فعل ذلك، ثم تركه. فأحب أبو هريرة رضي الله عنه أن يعلمهم أن مثل هذا القنوت سنة وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم فعله وهذا رد على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقا عند النوازل وغيرها ويقولون: هو منسوخ وفعله بدعة. فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين من استحبه عند النوازل وغيرها. وهم أسعد بالحديث من الطائفتين. فإنهم يقنتون حيث قنت رسول الله صلى الله عليه و سلم، ويتركونه حيث تركه فيقتدون به في فعله وتركه ويقولون: فعله سنة وتركه سنة ومع هذا فلا ينكرون على من داوم عليه ولا يكرهون فعله ولا يرونه بدعة ولا فاعله مخالفا للسنة. كما لا ينكرون على من أنكره عند النوازل، ولا يرون تركه بدعة، ولا تاركه مخالفا للسنة. بل من قنت فقد أحسن ومن تركه فقد أحسن. وركن الاعتدال محل الدعاء والثناء. وقد جمعهما النبي صلى الله عليه و سلم فيه ودعاء القنوت دعاء وثناء. فهو أولى بهذا المحل وإذا جهر به الإمام أحيانا ليعلم المأمومين فلا بأس بذلك. فقد جهر عمر بالاستفتاح ليٌعلِم المأمومين وجهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلمهم أنها سنة. ومن هذا أيضا جهرٌ الإمام بالتأمين وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يعنّف فيه من فعله ولا من تركه وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه وكالخلاف في أنواع التشهدات وأنواع الأذان والإقامة وأنواع النسك من الإفراد والقران والتمتع وليس مقصودنا إلا ذكر هديه صلى الله عليه و سلم الذي كان يفعله هو فإنه قبلة القصد وإليه التوجه في هذا الكتاب[3] وعليه مدار التفتيش والطلب. وهذا شيء، والجائز الذي لا يٌنْكَر فعله وتركه شيء. فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز ولما لا يجوز وإنما مقصودنا فيه هدي النبي صلى الله عليه و سلم الذي كان يختاره لنفسه فإنه أكمل الهدي وأفضله فإذا قلنا: لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر ولا الجهر بالبسملة لم يدل ذلك على كراهيته ولا أنه بدعة ولكن هديه صلى الله عليه و سلم أكمل الهدي وأفضله والله المستعان. [4]

قلت: فإذا قال المخالف أو المعترض: ليس من هديه صلى الله عليه وسلم إهداء ثواب القرآن للميت، ولا الختمة له. ولا من هديه القراءة على القبر. قلنا: ذلك لايدل على الكراهة ولا على أنه بدعة.

وقد ردّ سعيد بن لب رحمه الله على من أنكر الدعاء عقب الصلاة قائلا: (غاية ما يستند إليه منكر الدعاء أدبار الصلوات، أنّ اِلتزامه على ذلك الوجه، لم يكن من عمل السلف، وعلى تقدير صحة هذا النقل، فالترك ليس بموجب لحكم في ذلك المتروك، إلا جواز الترك، وانتفاء الحرج فيه، وأما تحريم أو لصوق كراهية بالمتروك فلا، ولاسيما فيما له أصل جملي متقرّر من الشرع كالدعاء). [5]

ومثل كلامه قاله الغماري نفسه. [6]

قلت: وقد استعمل الإمام اِبن حزم رحمه الله هذه القاعدة، وهي عدم دلالة الترك على التحريم، في مواضع من المحلَّى. وبيَّن أن الترك إذا لم يصحبه نهي عن المتروك، لايدل على التحريم ولا على الكراهة.

فإذا تقرر هذاوعٌلِم. فإنه لو عدّدنا أمورا لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بها الصحابة رضوان الله عليهم، أو عملوا بها، لطال الكلام.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

فعلى سبيل المثال: جمع القرآن وذلك لحديث زيد بن ثابت الأنصاري، رضي الله عنه، وكان ممن يكتب الوحي قال أرسل إليّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني فقال: إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بالناس وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني فيه، حتى شرح الله لذلك صدري. ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم. فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، ولا نتهمك. كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبّع القرآن فاجمعه قال زيد: فوالله لو كلّفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ ممّا أمرني به من جمع القرآن. فقلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم. فقال أبو بكر: هو والله خير. فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر. فقمت، فتتبّعت القرآن أجمعه من الرقاع، والأكتاف، والعسب، وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيرِه، {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم} إلى آخرهما. وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر، حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر)[7].

ومن ذلك الاِجتماع على صلاة التراويح، لحديث عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القارىء أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد. فإذا الناس أوزاع متفرقون. يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. فجمعهم على أبيّ بن كعب. قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم. فقال عمر: نعمت البدعة هذه. والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون- يعني آخر الليل-وكان الناس يقومون أوله)[8].

وتثليث الأذان (عمل سيدنا عثمان رضي الله عنه)فعن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر إذا خرج الإمام، و إذا أقيمت الصلاة. فلما كان عثمان رضي الله عنه زاد النداء الثالث على الزوراء[9].

وكذلك التسميع وراء الإمام لما ذكره الإمام البيهقي رحمه الله في باب من أسمع الناس تكبير الإمام والبخاري في باب: باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم.

قال: أخبرنا أبو سعيد قال: حدثنا أبو العباس قال: أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: “ولا أعلم التسميع في التكبير، والسلام في الصلاة إلا مٌحْدثا، ولا أراه قبيحا مهما أحدث. إذا كبر الناس. ثم قال: والمحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مخالفا كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا. فهذه البدعة الضلالة. والثانية ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة. وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه يعني: أنها محدثة لم تكن وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى. قال أحمد: قد روينا في حديث مرض النبي صلى الله عليه وسلم وصلاتهم خلفه. قال: وأبو بكر يٌسمِع الناس تكبيره، فصار هذا أصلا لما أحدث في الجمعة)[10].

والله أعلى وأعلم وهو الهادي لأقول السبل سبحانه جل وعلا


[1] – أصول السرخسي ج2ص88 دار الكتاب العلمية بيروت لبنان الطبعة الاولى 1414 هـ- 1993 م.

[2] – مجموع الفتاوى “26/172”

[3] – يقصد كتابه: زاد المعاد في هدي خير العباد.

[4] – زاد المعاد في هدي خير العباد ابن القيم مؤسسة الرسالة – مكتبة المنار الإسلامية – بيروت – الكويت الطبعة الرابعة عشر، 1407 – 1986تحقيق: شعيب الأرناؤوط – عبد القادر الأرناؤوط.

[5] – نقله الغماري رحمه الله في حسن التفهم والدرك لمسألة الترك لعبد الله بن الصديق الغماري ص141.

[6] – حسن التفهم والدرك لمسألة الترك لعبد الله بن الصديق الغماري ص140-141.

[7]– صحيح البخاري حديث4679 ج6ص89.

[8]– موطأ مالك ج1ص 114رواية يحيى الليثي، صحيح البخاري حديث 2010ج3ص58.

[9]– سنن الترمذي رقم516 دار إحياء التراث العربي بيروت تحقيق: أحمد محمد شاكر قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح وقال الألباني: صحيح.

[10]– معرفة السنن والآثار للبيهقي حديث1818 ج4ص408.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.