منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 الغربة 

 الغربة / د. اسامة حماد

0

 الغربة 

د. اسامة حماد

ليست “الغربة” أن تقصى بعيدا عن وطنك وقومك، ولا أن تضرب في وهاد الأرض ونجادها بغير صديق أو رفيق، ولا أن تَنْسَلَّ بنفسك في قاصية من العالم رغبة في لزوم نفسك، وهجران غيرك، ولكن “الغربة” أن تنفرد بعقلك السابح في بحور المعارف وسط جهلاء، وأن تهيم بخيالك الناصع في أفلاك العلوم، في جموع من الهمل والدهماء، يحجبك عنهم ذكاؤك المتقد، وبصيرتك النافذة، وقلبك الكبير، ويحجبهم عنك عقولهم الغبية، وقلوبهم الدنية، ونفوسهم الوضيعة !!

“غربة الأوطان” زاد للعقول، ونماء للفِكَر، واتساع في الثقافة، وتجاوب مع سنة الحياة في نسقها العتيد، ولله در الشافعي رحمه الله حينما نظم ذلك في قصيدته الشهيرة:
“ما في المَقامِ لِذي عَقلٍ وَذي أَدَبِ

مِن راحَةٍ فَدَعِ الأَوطانَ وَاِغتَرِبِ

سافِر تَجِد عِوَضاً عَمَّن تُفارِقُهُ

وَاِنصَب فَإِنَّ لَذيذَ العَيشِ في النَصَبِ

إِنّي رَأَيتُ وُقوفَ الماءِ يُفسِدُهُ

إِن ساحَ طابَ وَإِن لَم يَجرِ لَم يَطِبِ

وَالأُسدُ لَولا فِراقُ الأَرضِ مااِفتَرَسَت

وَالسَهمُ لَولا فِراقُ القَوسِ لَم يُصِبِ

وَالشَمسُ لَو وَقَفَت في الفُلكِ دائِمَةً

لَمَلَّها الناسُ مِن عُجمٍ وَمِن عَرَبِ

وَالتِبرُ كَالتُربِ مُلقىً في أَماكِنِهِ

وَالعودُ في أَرضِهِ نَوعٌ مِنَ الحَطَبِ

فَإِن تَغَرَّبَ هَذا عَزَّ مَطلَبُهُ

وَإِن تَغَرَّبَ ذاكَ عَزَّ كَالذَهَبِ”

*. *. *. *.

“الغربة” نار كاوية، حينما تستبد بنارها في قلبِ تقيٍ أو وليٍ أو عارف، يجوز بنفسه الصافية وقلبه الوضيئ طباق السموات، ويتخطى بهمته العالية وشرفه الممدود حدود الممكنات، ليتصل بعوالم تعجر الأفهام عن إداركها، وتنحسر العقول دون غاياتها، ليعود إلى الحياة بعلوم السماء، وللناس بعلوم الأرض، وللمؤمنين بعلوم الشريعة، ثم يجد التهمة لصيقة بعقله، والريبة مُصَوَّبَةً لقلبه من الأخساء الأدنياء، ومن الوضعاء الأذلاء !!

“الغربة” وحش كاسر يفتك بذي عقل ثائر على الخطأ وسط مقلدين جهلة، ومتعصبين حمقى، ومنتعفين جبناء !!

والمتخالفون في مشاربهم، والمتضاربون في أفهامهم، والمتناقضون في سجاياهم، يجدون من لذعات النفور، وكيَّاتِ الوحشة عندما يجمع بينهم ظرف عارض أو يضمهم قضاء محتوم ما يخف بجواره قيد الحديد، وما تتضاءل دونه أغلال الزنازين !!

“الغربة” عذاب يلحق بالنفس والعقل والروح، ويودي بالإنسان ويفصله عن حقيقته، ويفقده الشعور بالأمان، ويقطع وشائج القربى بين الأهل والصحاب، ويجعل الإنسان على جمر متقد لا تنطفئ جذوته، ولا تخبو وقدته !!

هناك “غربة” خفيفة تُحْتَمَلُ شرورها، وهناك غربة ثقيلة لا تُحْتَمَلُ شرورها، ولا تؤمن بوائقها، ولا تَحْسَنُ عواقبها :

“التعارف” هو ما قصدت إليه الآية الكريمة وعزت بخلق الإنسان إليه:
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”

والتعارف والتآلف والانسجام أسباب مؤدية للحب والمودة والاحترام، وهو معنى يزيل الشعور بالاغتراب، ويمحو دواعيه، ويستأصل جرثومته من الحياة !!

و”المتعارفون” ليس للغربة وأوجاعها من سبيل إلى نفوسهم، لأنهم مستسلمون لله في دينهم، ومؤمنون به في تعارفهم، ومتوكلون عليه في أخلاقهم !!

أما “الغربة” فهي سم زعاف ينفي أسباب التعارف، ويمحق أصول التآلف، ويحرق موجبات التفاؤل !!

“غربة الروح” سلخ لها من عوالم الأنس التي خلقت لتكون مرفأ لسفينة الحياة التي تقل على متنها أطيافَ متباينة من البشر، وتعرية للنفس من أسباب أمنها واطمئنانها، ووحشة تصيب العقل وتزج به في رمضاء قاحلة تفر من تصحرها الوحوش الغضاب، وتلتاع من جدبها الطيور الكواسر !!

و”غربة” النفس سجن يحصرها دون أشواقها، ويحجبها دون غاياتها، ويقطعها عن سرها الذي يذيقها طعم الحياة !!

أما “غربة” الجسد فهي انتقال من مكان لمكان، وتحول من طبيعة لطبيعة، وليس مَنْ تحول مِنْ مكان لمكان، ولا مَنْ رحل عن أرض ليحل سواها بمغترب، حينما يصادق من يشبه عقله وفكره، ويوافق طبعه دينه وخلقه، فطبيعة الجسد تأتلف مع ما تجانس معه، ودار في مداره، وسبح في تياره !!

ألا تجد أن المحب مستعد لامتطاء صهوات المنايا، والمخاطرة بالمهج الغوالي في سبيل الوصول لمحبوبه مهما تكبد من عناء، وذاق من شقاء، وليس ذلك إلا لطلب الأنس بحبيبه، والرغبة في التلذذ بوصال من تشتاقه النفس، وتحن إليه الروح، وتسعد بطيفه العيون ؟!!

“الغربة” سد منيع يحول بين الأفهام، وقيد غليظ يحجب الوفاق، وداع مستبد يجلب الشقاق، وعقبة كأداء تحول دون أسباب الوفاق !!

“الغربة” أن تقدس الحق وسط جحدة كافرين، وأن تخلص له عند عتاة مجرمين، وأن تذود عنه أمام خونة فاجرين !!
“الغربة” سجن حصين لا يَفْتَكُّ من قبضته من قَضَىٰ عليه قدره بالعيش مع من يخالف طبيعة عقله وفكره، ويناقض سياسة روحه وأشواقه، بل هو جحيم يُصْلِيْ النفس سعيرا لا يساويه الحرق والشنق، ولا يماثله عذاب الفقد والحرمان !!

و”الغربة” حق مكتوب على أرباب المكارم، وضريبة محتومة على رواد الفضائل، يعيشونها في مجتمعات بئيسة تجحد الحق وتتنكر له، وتشمئذ من المعروف وتكفر به !!

والمتدينون المتشبثون بدينهم غرباء هذا الزمان، تُكَادُ لهم المكائد، وتُدَبَرُ لهم المؤامرات، ويَتَرَبَصُ بهم عدوهم الدوائرَ !!

قال المعصوم “صلى الله عليه وسلم”:
“بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء” فقيل:
يا رسول الله! من الغرباء؟ قال:
الذين يصلحون إذا فسد الناس”

وما تجلى معنى الغربة في أجلى صوره كما تجلى في النبي محمد “صلى الله عليه وسلم” عندما بعث في أمة مظلمة وهو النور، وأرسل في قوم قساة وهو الرحمة، ونبئ في عالم تفور فيه نزغات الإثم والفجور، وهو آية البر والمرحمة، وتتقد فيه نيران الحقد والحسد، وهو الصفح الكامل والعفو الشامل، وتضطرم فيه أفاعي الوقاحة والشناعة، وهو الحياء الكامل والبحر المحيط !!

ولا تجلت قدرته “صلى الله عليه وسلم” بأعظم من تجليها ساعة سلَّطَ شعاعَ شمس فضائله على ظلمات القلوب المتنافرة، وقتامة النفوس المتخالفة، حتى أحالها قلوبا مشرقة، ونفوسا متآلفة، فتحولت صحراء الجزيرة إلى واحة أنس وأمان، وساحة غنيمة ووئام، وسيظل وجوب أداء الشكر والعرفان، والوفاء بفريضة الحب والامتنان لهذا النبي الكريم منوطا في عنق كل
الأنام إلى آخر الزمان !!

لقد أزال “الغربة” وشع من نوره “صلى الله عليه وسلم” هداية شرحت الصدور وألفت بين القلوب :
“وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”

*. *. *. *

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.