منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دخول عمرو بن العاص إلى مصر .. فَتْحٌ لا احتلالٌ (1) مخالفة المعلوم من العقل بالضرورة

دخول عمرو بن العاص إلى مصر .. فَتْحٌ لا احتلالٌ (1) مخالفة المعلوم من العقل بالضرورة/ فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى

0

دخول عمرو بن العاص إلى مصر .. فَتْحٌ لا احتلالٌ (1)

مخالفة المعلوم من العقل بالضرورة

فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى

 

الذي سمعتُه في فتح عمرو بن العاص لمصر، وأنه احتلالٌ، من الخطأ المَحْض، وكان سيبويه يُحِبُّ زَرْعَ الحقائق في القلوب، واخترع مثالاً لما سمَّاه «الخطأ المَحْض»، وهو قول الذي قال: «سأشرب ماء البحر أمس»، وإنك لا تجد مجنونًا ولا أحمقَ يمكن أن يُصدِّق قول الذي قال:

«سأشرب ماء البحر أمس»، كذلك لا تجد مجنونًا ولا أحمقَ يمكن أن يُصدِّق أن عمرو بن العاص احتل مصر؛ لأن مصر لما دخلها عمرو كانت محتلة للروم، وكذلك كانت الشام وكان شمال إفريقيا، وكانت الروم إحدى قوتين غالبتين في الأرض، وفي القرآن سورة اسمها سورة «الروم»، افتتحها ربنا بقوله تعالى: «غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ»، وكان هذا من وجوه الإعجاز التي هي إخبارٌ بالغيب، وكان أول عَملٍ لعمرو بن العاص هو تدمير سيطرة الروم على مصر، وكان الروم يُكْرِهُون المصريين على مذهبهم، وطاردوا البطريك بنيامين، راعي الكنيسة المصرية، وهرب منهم، ولمَّا دخل عمرو بن العاص مصر ودمَّر احتلال الروم لمصر أمَّن البطريك بنيامين وأعاده إلى الكنيسة، وقرَّبه منه، وكان يستشيره في كثير من أحوال مصر، وكانت قوة عمرو العسكرية لا عمل لها إلا إبعاد الذين يحولون بين الناس وبين ما يختارون من دين، ولم يُقْهَر مصريٌّ واحدٌ على الدخول في دين الله؛ لأن الله حرَّم ذلك، وقال: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»، وأنه – سبحانه وتعالى – لا يَقبل إيمانَ المُكْرَه، يعني أن المُكْرَه يُردُّ إيمانه وفي الوقت نفسه يعاقِب ربُّنا من أكرهه على الإيمان بالله، وراجِعْ هذه يا سيدنا؛ لأن الاختيار الحُرَّ هو أصل الإيمان، وأن الإلزام بالإيمان ليس حرامًا في شريعة الإسلام، وإنما هو حرامٌ مع أول نبيٍّ بعثه الله على هذه الأرض، وهو نوح – عليه السلام – الذي بلَّغ قومَه قول ربه: «أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ»، راجِعْ همزة الاستفهام الذي معناه النفيُ في قوله: «أَنُلْزِمُكُمُوهَا»، وأن الإلزام بالآيات البيِّنات التي هي رحمةٌ من الله مما لا يكون ولا ينبغي أن يكون، ولمَّا حطَّم عمرو بن العاص جبروت الروم تركهم وما يختارون فدخلوا في دين الله أفواجًا، وانضموا إلى جيش عمرو بن العاص، وتحرَّكوا معه جهة الغرب وفتحوا ليبيا ووقفوا عند طرابلس، وذلك بأمر من عمر بن الخطاب الذي أوقف حركة الفتح الإسلامي حتى يتأكد من قوة الدولة وسيطرتها على هذه المساحات التي كانت تتسع كل يوم، وأنا لم أفهم ماذا يراد بتسمية الفتح الإسلامي «احتلالاً» والذي سمَّاه «فتحًا» هو الله، وأنزل سورة اسمها سورة «الفتح»، والمقصود فتح الطريق لمن يختار الإسلام دينًا، وإزالة عوائق الطواغيت الذين يصدُّون الناس عن سبيل الله؟

ومنذ شهور قليلة قال قائلٌ إن المسلمين احتلوا القسطنطينية (عاصمة الدولة البيزنطية)، وقد سمَّاه بعض المؤرخين المسلمين: «فتح الفتوح»، وكان من جنوده سيدُنا أبو أيوبٍ الأنصاريُّ، ومات ودُفِنَ هناك، ولا يزال قبرُه.

قلتُ: لا أعرف السرَّ المقصود من تسمية الفتح «احتلالاً»: هل المقصود هو أن يستيقظ أهلُ هذه البلاد الذين ناموا أربعة عشر قرنًا على هذا الاحتلال، وأن يُخرجوا المحتل من بلادهم؟! وإذا كان أهل البلاد هم الذين أسلموا واندمجوا في المحتلين فلن نجد أحدًا يُخرج أحدًا، وإذا كان عمرو بن العاص احتل مصر فلا بد أن يُقال إن سعد بن أبي وقاص احتل الفُرْس، وإن مُسْلم بن قتيبة احتل ما وراء النهر، ثم إنك لن تجد أحدًا احتل شرق آسيا كإندونيسيا؛ لأنها دخلها الإسلام من غير أن تدخلها جيوشٌ، وإنما عرفوا الإسلام من المسلمين الذين خالطوهم فدخلوا فيه.

وإذا تحقَّق الفَرْضُ المفروض، وهو أن يُخْرِج أهلُ البلاد المحتلين المسلمين، فمن سيبقى في بلاد ما وراء النهر؟ ومن سيبقى في فارس؟ ومن سيبقى في الشام؟ ومن سيبقى في مصر؟ ومن سيبقى في شمال غرب إفريقيا؟ لا أقول: «هذا من أضغاث الأحلام»؛ لأن الذي قال هذا أسمع منه كلامًا طيبًا عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأسمع منه آيات قرآنية دالَّة دلالة صريحة على إيمان الرجل، ثم إنه لا يجوز لأحد أن يَتَّهِم من يشهد الشهادتين في دينه، وأكثر من هذا يا سيدنا لا يجوز لأحد أن يحكم بأن عُصاة المسلمين في النار، ولا بأن الصالحين من المسلمين في الجنة؛ لأن هذا متروك لقضاء الله فيهم، واسمع كلام الإمام علي – كرم الله وجهه-: «لا تُنْزِلوا المُطيعين الجنة ولا المذنبين الموحِّدين في النار حتى يَقْضِيَ الله فيهم بأمره. لا تأمنوا على خير هذه الأمة عذاب الله؛ فإنه يقول: (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)، ولا تُقنطوا شرَّ هذه الأمة من رحمة الله؛ فإنه يقول: (لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)».

والذي يجعل القولَ بأن عمرو بن العاص احتلَّ مصر أخسَّ عندي من قول الكذَّاب الذي افترض سيبويه له كذبًا لا ينازعه فيه منازع، وهو قوله: «سأشرب ماء البحر أمس»، هو أن الذي وصف فتح مصر بـ«الاحتلال» بعضُ المستشرقين المعروفين بعداوتهم لدين الله، وأن بعضًا آخر من المستشرقين المعروفين بحيادهم العلمي وصفوا حقيقته، وأنه «فَتْحٌ»، وأن المصريين لما كشف عمرو بن العاص عنهم الضغوط التي كان يمارسها عليهم الروم اختاروا الدخول في دين الله، ورأوا فيه الفطرة الإنسانية الحقَّة، وأن كلَّ أمرٍ أمرهم الله به هو من حَسَن الأخلاق والسلوك، وأن كل ما نهاهم الله عنه من سيئ الأخلاق والسلوك، أقول: أدرك بعض المستشرقين ذلك فكتبوه، ونقل المؤرخون المسلمون في كتبهم كلام المستشرقين أعداء الإسلام، وأن الفتح احتلالٌ وتأسيس إمبراطورية عربية، وبحثٌ عن الخِصْب والثروة والخروج من حياة الفَقْر والجَدْب في الصحراء، ونقلوا أيضًا كلام المنصفين من المستشرقين، وهذا كثيرٌ في كتب التاريخ، وآخر ما قرأتُه في هذه الكتب دراسة العالم الجليل المرحوم عبد الشافي عيد اللطيف، وهذا يعني أن صاحبنا الذي قال إن عمرو بن العاص احتلَّ مصر لم يجتهد هو، وإنما قلَّد ألدَّ أعداء دين الأمة، والمستشرقون يكتبون لأقوامهم، وسيدُنا المُحلِّل السياسي والإعلامي البارع ينقل لقومه كلام أعدائهم في تاريخهم، وهذه هي البلوى، ثم تلاحظ أن القول بأن الفتح الإسلامي كان احتلالاً لهذه البلاد المفتوحة طعنٌ صريحٌ وواضحٌ في وطنية أصحاب هذه البلاد؛ لأنهم تركوا المحتل أربعة عشر قرنًا ونصف قرن ولم تَقُمْ فيهم حركةٌ وطنيةٌ واحدةٌ تطالب بتحرير الأوطان، وطَرْد المسلم المحتل، والأشنعُ والأنكى أنهم دخلوا في المسلمين المحتلين، وصاروا هم أيضًا مع المحتل، وهذه خيانة ثانية للأوطان، وهكذا كلما أمعنت النظر في الكلام التافه استخرجت تفاهات تلو تفاهات، وأنا أعجب من الذين يتكلمون في الجهل المبين برباطة جأش وفَضْل ثقة، ولم يراجعوا شيئًا، مع أن كُتبًا تخصصت في الفتوح الإسلامية وكانت عناوينها كلها تشترك في لفظ «الفتح»، مثل: «فتوح الشام» للواقدي المتوفى سنة 207هـ، و«فتوح الشام» لمحمد بن عبد الله الأزدي المتوفى سنة 231هـ، و«فتوح مصر والمغرب» لابن عبد الحكم المتوفى سنة 257هـ، و«فتوح البلدان» للبلاذري المتوفى سنة 279هـ، و«كتاب الفتوح» للكوفي المتوفى سنة 320هـ، فضلاً عن كتابات التاريخ للطبري و«البداية والنهاية» لابن كثير، وكتاب «الكامل» لابن الأثير.. إلى آخره، وكلُّ هذا متروك، والذي نقرؤه ونُحدِّث به أجيالنا كتاباتُ المُتعصِّبين من المستشرقين.

قلتُ إن إذاعةَ القول بأن عمرو بن العاص احتلَّ مصر قد سبقه القول بأن المسلمين احتلوا القسطنطينية، وإن الذي قال هذا أراد أن يُمرِّره في سياق الخلاف الذي كان بيننا وبين الأتراك، وأعني الخلاف الذي كان بين السادة الساسة، وليس بين الشعوب؛ لأنه من جوهر العقيدة الإسلامية أن المسلم أخو المسلم، ولأن المليار وسبعة أعشار المليار المسلم على هذا الكوكب إخوة، وأنهم كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعت له سائر الأعضاء بالسَّهَر والحُمَّى، وهذا دِينٌ، ولا يستطيع أحدٌ أن يحذف منه حرفًا واحدًا، والذي لا يُعْجِبُه هذا يذهب إلى الذي يُعْجِبُه، ولا نَعُدُّ منا إلا من كان مؤمنًا بهذا، والذين يزايدون على هذا المبدأ الرَّاسخ في دين الله ويقولون إن حُبَّك لكل أوطان المسلمين يُضْعِف حُبَّك لوطنك، وإن حُبَّك لكل أهل الشهادتين يُضْعِف حُبَّك لأهل وطنك، أقول: الذين يزايدون بهذا مشكلتهم أنهم لم يذوقوه، ولو ذاقوه لأيقنوا أن حُبَّك لكل أوطان أهل الإسلام يَزيد حُبَّك لوطنك، وأن حُبَّك للمليار وسبعة أعشار المليار من أهل الشهاديتن يَزيد حُبَّك لأبناء وطنك، ويجب أن يعلم الكل أن هذا التماسك بين أهل الشهادتين مما يحرص أعداؤهم على نَقْضه وهَدْمه؛ لأنهم يعلمون أنهم حين يعادون بلدًا مسلمًا إنما يعادون المليار وسبعة أعشار المليار، وهذا مما يَحْسِبُ له رجال السياسة ألف حساب، ولذلك تجد دعوة المصريين إلى ألا يلتفتوا إلى غيرهم، وإنما يجب أن يغلقوا عليهم باب مصر، ولا ينظروا لغير مصر، ولا يسمعوا صوتًا صادرًا عن غير مصر، أقول: هذه الدعوة الباطلة تُرضي إسرائيل كل الرضا، وتتبنَّى أصحابها، ولو بطُرق غير مباشرة، والله – سبحانه وتعالى – الذي ألَّف بين قلوبنا، ولو أنفقت ما في الأرض فلن تؤلف بينهم، أكرمنا – سبحانه – وجعل هذه الدعوات تدخل من أذن وتخرج من أذن، وكأنها لم تُقَلْ، وهناك من يُعيد الآن الكلمة القديمة: «مصر للمصريين»، وقلنا يومها: «نعم»؛ لأن مصر كانت تحت الاحتلال الإنجليزي؛ فهي لنا وليست لمن يحتلها، ولما أرادوا بها أن مصر للمصريين وليست للعرب ولا للمسلمين قال لهم التاريخ: «لا»، وقال لهم الواقع: «لا»، ثم ما لبثت الكنانة أن كانت المِنْبرَ الأعلى لدُعاة القومية العربية، والوحدة العربية، وقلنا: «نعم»؛ لأنها هي الخطوة الأولى الضرورية للوحدة الإسلامية، ثم إن التاريخ قال للذين يحاولون أن يزرعوا في نفوس الجيل الجديد أن مصر للمصريين؛ قال لهم: «لا»، وذكَّرهم بـ«حطين»، وأن جيش الإسلام الأول الذي هو جيش مصر هو الذي حرَّر أرضنا من الصليبيين، وأن قائده صلاح الدين الأيوبي، وهو كردي، ولم نكن نفكر في أنه كردي، وإنما هو – عند جيشنا وعندنا كلِّنا – قائدٌ مسلمٌ مُخْلِصٌ لأرض المسلمين، وقال لهم التاريخ أيضًا: «لا»، وذكَّرهم بـ«عين جالوت» التي كانت صخرة تحطَّم عليها غرورُ المغول الهَمَج الذي عاثوا في البلاد فسادًا، وأسقطوا الخلافة الإسلامية التي كانت لا تزال في بني العباس بن عبد المطلب بن هاشم، وكان قائد جيش الإسلام في أرض الكنانة هو الأمير قطز، ومن ورائه الظاهر بيبرس، وهكذا كنا جسدًا واحدًا ذراعه مصري ورأسه كردي أو مملوك، والمهم أن الكلَّ مسلم، لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى، كما قال لنا سيدنا المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.