منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدخل لدراسة الفكر السياسي للامام عبد السلام ياسين

مدخل لدراسة الفكر السياسي للامام عبد السلام ياسين / عبد الفتاح باوسار

0

مدخل لدراسة الفكر السياسي للامام عبد السلام ياسين
بقلم: عبد الفتاح باوسار

تقديم:

في هذا التقديم نطرح سؤالا حول حقيقة انتماء كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين رحمة الله إلى الحقل السياسي، سواء على مستوى التنظير أو الممارسة، وكذا على مستوى الخريطة السياسية المغربية والعربية الاسلامية، ذلك أن العديد من الباحثين في علم السياسة يجدون صعوبة في الاقتناع بهذا الانتماء، وذلك عطفا على ما يعتبرونه طابعا صوفيا لهذه الكتابات من جهة، وقدحا في كل خطاب يمتح بشكل أو بآخر من المرجعية الدينية والإسلامية بشكل خاص من جهة ثانية.
لكن المتمعن في نصوص هذا المفكر سيجد أنها، ورغم تفردها بأسلوب خاص فإنها تبقى – والكلام هنا لـ د. محمد شقير1 صاحب كتاب الفكر السياسي المغربي المعاصر- نصوصا سياسية مكتملة، لعدة اعتبارات من أهمها:
– تمحور هذه النصوص حول مشروع سياسي متكامل يطمح إلى تغيير الأوضاع السائدة على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي.
– تضمن هذه النصوص لأفكار سياسة حول النظام السياسي المغربي القائم سواء من خلال طبيعة السلطة أو مشروعيتها، وكذا حول طبيعة النخب السياسية المغربية من حيث خطابها وسلوكها وثقافتها السياسية.
– مناقشة هذه النصوص لمفاهيم سياسية مثل الدمقراطية، والشرعية واللائكية وحقوق الانسان، إلى غير ذلك من المفاهيم المتداولة 2 ضمن القاموس السياسي بشكل عام.
في نفس السياق، أشار ‘عبد الإله باحي’ إلى أن عبد السلام ياسين قد زاوج في فكره وممارسته بين المنهاج الصوفي و المنهاج الجهادي ، وقد أورد نصا للشيخ ياسين يقول فيه:” أن المنهاج الصوفي قد يحتاج الى تكميل لكي يطابق المنهاج الجهادي، لكنه بربانيته يدلك على منبع الارادة وأصل الحركية الايمانية…” 3.
ليس هذا فحسب بل لقد كان الأستاذ ياسين واعيا تمام الوعي بهذا التفرد في الطرح السياسي، وهو ما سماه د. محمد ضريف الباحث في الفكر السياسي والحركات الاسلامية بــ: البعد التركيبي للإسلام السياسي، وذلك لأنه يحاول الجمع بين “الاسلام السياسي الاستيعابي المرتكز على مفهوم الدعوة، وضرورة سلوك النهج التربوي، والاسلام السياسي الإقصائي القائم على مفهوم الجهاد” 4. بحيث اعتبر هذا الأمر ربطا للعلم بالعمل من جهة، ثم تمثلا حقيقيا لسلوك الصحابة الكرام الذين كانوا قادة ربانيين، ‘رهبانا بالليل فرسانا بالنهار’، من جهة أخرى.
لا تقف خصوصية البناء الفكري السياسي لدى الاستاذ عبد السلام ياسين عند اللغة والاسلوب، وما يستتبع ذلك على مستوى الممارسة والتنزيل، بل لقد تميز بعدة خصائص جعلته من رواد الفكر السياسي الاسلامي المعاصر، فماهي أهم خصائص هذا الفكر؟ وكيف استطاع من خلالها الدخول إلى هذا المعترك من بابه الواسع؟.

من خصائص الفكر السياسي للأستاذ عبد السلام ياسين

1- الوصل بين الدين و السياسة
لا يسع القارئ الناظر في مجموع كتابات الاستاذ عبد السلام ياسين إلا أن يقف عند إسهاماته الكبرى في الاجابة عن إشكالات معرفية كلاسيكية ومعاصرة سجلها لنا الدرس الفلسفي، والفلسفي السياسي بشكل خاص، على رأسها سؤال التعارض بين الدين والسياسة، فقد “استحضر عبد السلام ياسين الصراع الفكري الذي خاضته المعتزلة ضد الفقهاء الموالين للسلطة، للوقوف على لب الانكسار التاريخي الذي حدث، وهو خصام السلطان والقرآن وانفصال الدعوة عن الدولة وبداية تشكل الحكم العاض، أي الاستبدادي الذي قرب الفقهاء الموالين واستبعد المعارضين..”.5
استحضر كل ذلك وهو يعيد السياسة والحكم إلى حضيرة الرأي والجدل الفقهي الذي اختار النأي بنفسه بعيدا، درءا للفتنة بداية، وتسليما بالواقع المفروض من طرف سلاطين التاريخ الاسلامي وسطا، ثم تماهيا مع ‘الحداثة’ والنموذج الأوروبي المسيحي في فصل الدين عن الدولة، حالا.
ذلك أن ” السياسة كما الاقتصاد كما هي قضايا الفلسفة والفكر المترامية، ورغم تشعبها، هي عند الامام ياسين لا تعدوا كونها مداخل للظهور القرآني وقنوات للبلاغ القرآني” 6، بل إن ” التعرض للسياسة وخوضها بوعي متعال، يتجاوز عتبة الخيار لدى الإمام ياسين، ليكون الواجب الوقتي الذي لا ينفصل عن الواجب الأخروي المتمثل في معرفة الله”7
شكلت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الأربعة، ثم حديثه صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة “8 ، فيصلا لدى الأستاذ ياسين في ترابط أمر الدنيا بالدين في الاسلام ولدى المسلمين، قال: ” الذي ينفرد به الإسلام هو الشهادة التاريخية، المتمثلة في السيرة النبوية وفي الخلافة الرشيدة، ثم بعدُ في ومضات تاريخية هنا وهناك، بأن القرآن قابل للتطبيق، وبأن دولة القرآن ليست مثالا حالما تمخضت عنه الفلسفة الأرضية كما تمخضت عن المذاهب الفكرية “9.
هكذا كان مبدأ الوصل بين السياسة والدين أولى خصائص هذا الفكر ومحور اشتغاله، لكن قطعا ليس الوحيد فيه.

المزيد من المشاركات
1 من 166

2- الأصالة و التجديد
إن مفهوم “الزحف” الذي جعله الأستاذ ياسين الركن الثالث بعد التربية والتنظيم في نظرية المنهاج النبوي، وقال أنه “يستهدف الاصلاح السياسي باستلهام سنن الله في التغيير”، لن يكون إلا ذلك العلم الذي سيمكننا من “الانتقال الرصين والصادق بعلم وإيمان عبر كل وسائل الجهاد و الاجتهاد لتحقيق النهوض والقومة والريادة والقيادة و الحكم” 10، علم ” ذو محجة لاحبة وهدف معلن، ومرونة ضرورية، وثمن معلوم” يضيف الأستاذ ياسين.
قلتُ: إنه بالضبط السياسة والعملية السياسية كما نفهمها ونمارسها في الوقت الحاضر.
لقد راهن الأستاذ ياسين على ربط ‘الزحف’ أو لنقل عملية التغيير والاصلاح السياسي، بالتربية كمؤطر خارجي بداية، وبالفهم المتجدد للتاريخ الانساني المعرفي والحركي في بنيته الداخلية ثانيا، ثم بالوحي، قرآنا وسنة، كمرجعية لهذا وذاك ثالثا.
فــ “تجديد الفهم لما يجري حولنا في العالم لا يكون إلا باستنباط نظريتنا جميعا عن المعرفة والوجود والتغيير”. تجديد يمر حتما، يوضح رحمة الله عليه، عبر: ” إدماننا على القرآن الكريم ثقافة ومعرفة وأفقا إدراكيا، وجعله النظارات التي نبصر بها العوالم من حولنا والإطار المرجعي لقيمنا”11، “فمن القرآن الكريم ننطلق وإليه ننتهي، به تطب القلوب، وبه تهذب الأخلاق، وفي مدرسته تطبع كل العلوم لتأخذ صبغة الله، وتجند لخدمة دين الله”12 .
ورب سائل يسأل 13: لماذا القرآن في هذا السياق العالمي بالذات؟ لأنه ببساطة وبكل تجرد هو الذي يمنحنا الجواب عن سؤال تخلفنا وضياعنا اليوم في السوق العالمية ، فالأمر يتوقف من خلال القرآن الكريم على إحياء الارادة الجهادية فينا كما يشرح الاستاذ ياسين. إذ لا يكفي أن نعرف ما ينخر في ذاتنا وقوانا الداخلية، وإن كانت المعرفة بالمرض مقدمة ضرورية للعلاج14.
إن إصرار الاستاذ ياسين على جعل اجتهاده في ضوء الكتاب والسنة هو ما أكسب فكره الأصالة. ليكون سعيه إلى فهمها انطلاقا من واقع المسلمين، مع استحضار مجموعة من التجارب الإنسانية في الشرق والغرب ، ثم استنباط أدوات وطريق العلاج من خلال الكتاب والسنة، مرة أخرى، هو التجديد، قال: “إننا مسلمون فرديون مفتونون وإننا في حاجة إلى تجديد يبصر المسلمين الفرديين بمنهاج العمل بعد أن يجدد لهم إيمانا”. ليستطرد قائلا: “ليس التجديد تغيير الثابت من شرع الله، فإن أحكام الكتاب والسنة ماضية إلى يوم القيامة… لا نرتاب أن الاجتهاد ضروري لتكييف حياة العصر مع شرع الله”15.

3- ربط السياسة بالأخلاق
عمل الاستاذ عبد السلام ياسين حثيثا، بالحال والمقال، على تخليص السياسة من الشوائب الميكيافلية، وربطها بأخلاق الوحي والنبوة، بدء بالنصيحة السياسية 16، والحوار17، والمقاومة العلنية، ثم الوضوح في الخطاب والعمل، وصولا إلى الرحمة بالمخالف، ونبذ العنف والاستقواء بالخارج وغيرها. فكيف كان ذلك؟.
انتقد الامام ياسين لغة السياسة قبل أي شيء، وذلك على مستويين: حمولتها الدلالية باعتبارها وليدة أنساق فكرية وتاريخية مغايرة، ثم خلوها- بالتبع- من كل قيمة إلا قيمة المصلحة الدنيوية، إذ “لغة السياسة كما يتناولها الاسلام، مختلفة عن النسق اللغوي الذي تمتح منه السياسات العلمانية الحديثة، التي لا تعرف من المصلحة إلا بعدها الدنيوي الشخصي الضيق”18 قال: ” تلوثت الألفاظ والمصطلحات، وتداخلت المفاهيم، واشتبكت المعاني بمادية الثقافة الدوابية الأرضية المحيطة الغازية. فأنت تتحدث عن الشريعة كافلة المصلحة. وكلمة مصلحة في عرف العصر الدارج لا رائحة فيها ولا في شيء مما ينطق أو يكتب في حضن الجدل الحضاري التنموي الثقافي للآخرة “19.
إن النظر إلى المصلحة الإنسانية في بعديها الدنيوي والأخروي مجتمعين مع تقديم البعد الأخروي فيها عن الدنيوي، بل وتوجيهه له لدى هذا العالم الجليل أثمر تأسيسا جديدا على مستوى الممارسة السياسية يتمحور حول الأخلاق قال: ” حقٌّ آخر أساسيٌّ للإنسان في أن يعيش في مجتمع فاضل تحكمه قوانين أخلاقية، لأن حق الإنسان الأول الأسمى، وهو انتقاله من بهيميته إلى إنسانيته، لا يناله الإنسان إن كان المجتمع فاسدا، تعيث فيه حرية الغرائز البهيمية”20. إنه نظر يتأسس على أن أسمى حقوق الإنسان أن يعيش في بيئة سمتها التخلق بالمكارم ليستمد منها ما به يصلح حاله و مآله.
إن القارئ للإمام ياسين” يجد في فهمه للسياسة هذا التوجه المقاصدي في رعاية المصلحة على طريقة الاصوليين، فبحثه في كتبه يمكننا أن نقول عنه باطمئنان أنه نظر مصلحي يتميز بطابع التوفيق والتدقيق الذي يستهدف منه صاحبه أن يقدم حلولا لمعضلات الانسان المعاصر في عالم اليوم، تفتش عن مصالحه الحقيقية وليست المزيفة أو الوهمية بميزان القرآن، والإمام ياسين في نظره المصلحي نجده يعمق الصلة بين مفهوم السياسة كما يجب أن تكون ومفهوم الأخلاق حتى تنضبط لديه المصلحة بضابط الاستقامة والفائدة والشمول، وحتى يتخلص الإنسان في السياسة من اتباع الهوى وهو مقصد أخلاقي بامتياز ، فمقصود الشريعة في النهاية كما يقول الشاطبي: إبعاد المكلف عن اتباع هواه”21.
يمكن القول في ختام هذه الفقرة بأن الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله استطاع تقديم تجديدا نظريا وتطبيقا عمليا فريدا في الفكر الإسلامي والإنساني المعاصر لقضية السياسة والأخلاق (ندعوا كل فاضل إلى التنقيب أكثر وأعمق لإبرازه خدمة للإنسانية) متجاوزا ‘الحتمية الكونية’ لمفهوم الحداثة السياسية الغربية المطلقة للدين الهاجرة للأخلاق، يقول في هذا الصدد: “لقد سلكت أوربا العجوز طريقا طويلا لتجاوز عصرها الوسيط وتمر إلى عهد الحداثة، لكن لا حق لها في أن تنكر علينا سلوك سبيل آخر”22
على سبيل الختم
بعد كل ما سبق يسوغ لنا القول: إن كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين قد ساهمت في تشكيل بناءات الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، ليس فقط لأنه طرح فيها قضايا محورية داخل هذا الحقل الفكري من مثل طبيعة السلطة وشرعيتها، والدولة والحكم، والشورى والدمقراطية، والعلمانية واللائكية وغيرها من العناوين الكبرى في هذا الحقل، بل لأنها ساءلت وانتقدت منطلقات هذه العناوين، وأليات تنزيلها على أرض الواقع، وأعادت ربطها بالوحي والغيب أولا، وأسقطت عنها أراء كانت قد باتت من مسلماتها من قبيل استغنائها عن الأخلاق بعد ذلك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.