منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عجوز عاشقة (قصة قصيرة)

عبد الفتاح بلخوار

3

أحب أمي، وكم تكون سعادتي وأنا ممسك بيديها، تكلمني وأكلمها، أكون طائرا حرا طليقا حين أكون بصحبتها، أخرج معها فأكون عصاها التي تتوكأ عليها، يا لفرحتي التي لا توصف، و تغدو عيني عيناها التي ترى بهما من حولها، فلا أخبرها في طريقنا إلا ما يفرحها، ويسعد قلبها.

كم أكون سعيدا، حين نلاقي في طريقنا إحدى صديقاتها، فأعاملهن مثلما أعاملها، فأرى في عينيها غبطة وافتخارا، أصنع ما أصنع تقربا وزلفى، تفهم أمي مقصدي فتكافئني بالدعوات الصالحات، لست أنسى أبدا ما حييت، يوم التقينا بالحاجة “الضاوية”، امرأة في عقدها الثامن، انحنى ظهرها بفعل الزمان وقساوته، هي من أقرب صديقاتها لقلبها، رأيتها من بعيد تخطو بخطواتها المتثاقلات، في يدها اليمنى عكازها الخشبي القديم، كومة عظام لا لحم يكسوها، ولكنها قوية العزيمة، صامدة صابرة أمام تقلبات الدنيا وغدرها، تعرفها أمي قبل مولدي بكثير، ومنذ أن وعيت عرفتها امرأة مكافحة، تكسب قوتها من دور الدباغة، عملها شاق لا يستطيعه الرجال بله النساء، لم أرها أبدا في مجالسها الكثيرة مع الوالدة وصديقاتها، تتكلم في ما لا يفيد، فإما ناصحة أو مذكرة بالآخرة أو صامتة، اسمها الضاوية وهي فعلا كذلك، نور يشع من وجهها الأسمر وراثة، زاده اسمرارا حر كسب القوت، الذي يلفح وجهها كل يوم.

همست في أذن الوالدة، ها هي ذي الحاجة الضاوية قادمة، ترغبين في رؤيتها؟ تهلل وجهها وانشرح صدرها، وتقابلا بعناق حار، ودمعات تفر من العيون، وكلمات ترحيب معظمهن غير مفهوم، اقشعر جلدي تأثرا، وكأني أمام حبيبين يستقبل أحدهما الآخر بعد سفر طويل، أو وداع لم يكن بعده أمل في اللقاء، أمسكت رأس الحاجة أقبله، و لمحت في عينيها حزنا لم تستطع رغم فرحة لقائها بالوالدة أن تخفيه، حزنا عميقا عظيما يسيطر على فؤادها، و انطلقت و فكري يقودني أتساءل عن سببه، هل لفقد عزيز، أو لمرض قريب، أو لحال عارض يزول إن شاء الله؟…

لم تترك لي الحاجة وقتا لأتيه في بحر من التساؤلات، بل أجابتني وكأنها تقرأ أفكاري، وبصوتها الرخيم الصحراوي، الذي لم يتغير رغم مكثها الطويل في “البهجة”، و مخالطتها أهلها، استطاعت أن تحتفظ بلسانها فلم يتأثر ولم يتغير، قالت لي و الدمع يفر من عينيها، لا تستطيع منعه ولا تريد هي ذلك كما ظننت وأحسست: قل لي ماذا أفعل يا بني؟

أحسست بجبل  يوضع فوق كاهلي، الحاجة تطلب نصحي هذا أمر عظيم، وأيقنت صدق حدسي، حين قلت أن حزنا كبيرا يسيطر عليها، و أن هما عظيما يجثم على صدرها لا تستطيع معه التقاط أنفاسها، هوني عليك يا أماه، هكذا أنطقني حالها و أحسست إحساسها و كأنما أصابتني العدوى من حزنها، لا أعرف السبب و لكن حزنها كما حزني عميق.

المزيد من المشاركات
1 من 29

ردت علي المسكينة، والبكاء يغالبها، فتختلط الكلمات بالشهقات والزفرات، أمي تربت على كتفيها، تعانقها و تواسيها، و تحثها على الكلام، قالت و يا هول ما قالت: أدركني يا بني هجرني النوم، و لم أعد أستسيغ طعاما و لا شرابا، صمتت برهة من الزمن، استجمعت قواها و قالت بخجل باد على محياها: أسبوع يا بني على التمام والكمال، ضاع من عمري، أيام طوال مرت علي وكأنها سنوات، تنهدت المسكينة ثم قالت: أسبوع كامل لم أصل فيه على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، قل لي ماذا أفعل؟ بربك أنجدني، أسبوع كامل..

ما أصعب أن يغيب الحبيب عن حبيبه ثانية من عمره، ورحم الله من قال وتشتاق لكم عيني وأنتم سوادها، أحسست بشيء مما تحس به، وغزاني ما غزاها من الحزن والألم، ولكن ما سبب انقطاعك عن وصال الحبيب صلى الله عليه و سلم؟ سألتها و أنا أحاول منع دموعي، غير أني ذهلت  لما علمت أن العذال أوقعوا بينها وبين حبيبها، وأوغلوا صدرها، وأقنعوها أن السبحة التي صحبتها أجيالا، ربما قبل أن يولد هذا الواشي حرام، وأن صلاتها على المصطفى صلى الله عليه وسلم  إن هي استعملتها لا تصل، و أن عمرها ضاع هباء،  يا للحزن العظيم حين يحس الحبيب أن محبوبه لا يسمعه حين يكلمه، ولا تسلك في أذنيه كل كلمات الإعجاب، التي أسرها له أو أبداها أمام الناس، ويا للصدمة الكبيرة حين يكون حبيبه بجانبه، ولكنه لا يحظى منه بالوصال…

جاء العاذل الحاسد الحاقد، فأوغر صدر الحاجة ضد سبحتها، رفيقة دربها و مذكرتها و مؤنستها في حالك الليالي، دلس عليها ووسوس، فسرق منها سبعة أيام لا صلة لها فيها بالحبيب، إلا حزنا على فراق لا تتمنى أن يكون طويلا، وكم كان فرحها كبيرا حين قلت لها: هوني عليك، و لا تستمعي لكلام الجهال، قساة القلوب الذين يفرقون بين المرء وربه ونبيه صلى الله عليه و سلم، فقد استعمل السبحة أقوام قبلك، كانوا هداة للخلق، لا تحزني سيدتي فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.

تهللت أساريرها وأمسكت يدي تقبلها، وتحمد الله وتدعو لي كما بشرتها بالبشرى دنيا وأخرى، وأنا غارق في عرقي خجلا من هذه السيدة العظيمة الذاكرة لله، العاشقة لخير خلق الله، وأتعجب من ذاك الذي نفث سمه، ثم غاب لا يلوي على شيء، وترك هذه المسكينة تتلظى بلظى الغفلة عن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أسبوعا كاملا، ودعنا الحاجة وانصرفت أنا والوالدة لم ننبس بعدها ببنت شفة، غارقين في صمت جميل.

3 تعليقات
  1. Taha يقول

    لا فض فوك سلمت أناملك

  2. مولاي رشيد غلابي يقول

    جميل جدا هذا الانتقال بمعنى العشق من عشق الصور إلى العشق المطلق، إلى العشق الإلهي الموصول المفتول بالعشق المحمدي النبوي. يستغرب القارئ في البداية كيف لها أن تكون عجوزا وعاشقة؟! ويتملكه الفضول لاكتشاف حقائق هذه القصة المثيرة، ثم يكتشف مع أحداث القصة أنه عشق لا ككل عشق، فيوبخ نفسه ويقول ما أغبنك، ما عرفت من العشق إلا أدناه! فهلا أصابك طيف مما أصاب العجوز العاشقة، لعرفت إذن معنى العشق حقيقة. أدب رفيع مبنى ومعنى ورسالة. رزق الله قلمك الهداية والسداد، والحلاوة والطلاوة والبيان.

  3. عبده يقول

    لا تزال صورتها بين عيني رحمها الله تعالى رحمة واسعة وهي تحمل على رأسها سلة كبيرة مملوءة صوفا بعد أن غسلته ونشفته في “الماسي”
    الحاجة الضاوية رحمها الله كانت كما قلت أخي عاشقة لجناب المصطفى صلى الله عليه وسلم لا تفارق السباحة يدها بالبيت إلا قليلا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.