منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إعادة بناء الخطاب النقدي العربي القديم في التدريس الجامعي

إعادة بناء الخطاب النقدي العربي القديم في التدريس الجامعي/ د. كاظم فاخر حاجم الخفاجي

0

إعادة بناء الخطاب النقدي العربي القديم في التدريس الجامعي

د. كاظم فاخر حاجم الخفاجي

جامعة ذي قار – كلية الآداب – قسم اللغة العربية –العراق

 

إذا كانت الهرمينوطيقا تعني تفسير النصوص القديمة وتأويلها، فإن مانعنيه بإعادة الخطاب، هو الإقرار ضمناً بجوهرية هذا الخطاب، وجدواه حتى في ظل آخر منجزات المدارس النقدية الحديثة وتصنيفاتها، ومن هنا أضحت مسألة إعادة البناء ضرورية على طريق ترسيخ أسس هذا الخطاب في التدريس الجامعي، إلا أن هذه المهمة لم تعد سهلة، لأن الخطاب النقدي العربي القديم بات موزعاً بين علوم ومعارف شتى، فهو مبثوث في كتب النقد والبلاغة والتفسير والدراسات القرآنية والفلسفة وغيرها كثير، وهذا مايتطلب إخضاع الخطاب لتقطيع نظري جديد بحسب مقولات النظرية النقدية المعاصرة كما صاغها النقد البنيوي وما تلاه من حركات، وهنا تبدو العملية التعليمية أشبه بملء حقول فارغة، إذ تشكّل هذه الحقول الهيكل النظري الجديد الذي يملأ بمقولات النقد العربي القديم، إلاّ أنه يمكن القول، أن التفكير النقدي – في التحليل الأخير – ليس شيئا أكثر من النظر في المقدمات وإصدار الحكم عليها بمقتضى قانون العقل، دون النظر للأحكام السابقة المتعارف عليها. إنه – في تعريف لأحد الباحثين – عملية ذهنية يؤديها الإنسان عندما يطلب إليه الحكم على قضية أو مناقشة موضوع أو إجراء تقويم. إنه الحكم على صحة رأي أو اعتقاد وفعاليته عن طريق تحليل المعلومات وفرزها واختبارها بهدف التمييز بين الأفكار الإيجابية والسلبية.

الأمر الذي يمكّن الطالب الجامعي من الخروج بقناعات راسخة إزاء جملة من القضايا النقدية المعاصرة، وبذلك ستكون البداية بما أنجزه الفلاسفة العرب في حقل الدراسات التي تدخل ضمن ما يسمّى بــلغة النقد الحديث بـ ” الشعرية ( Poetics) “، لنرى عن كثب ريادية ما حققوه في هذا المضمار عبر مقارنته بالمنجز النقدي الحديث، فالفارابي أشار صراحة إلى النظام المهيمن للقيم الشعرية، والرسائل اللفظية التي تخلو من أدبية الأدب لا يمكن أن تكون رسائل شعرية إلا اذا استخدمت الأدبية بكمية تكون لها الهيمنة على باقي خواص الرسالة اللفظية الأخرى، كما أنه يركز على الخصائص الجوهرية التي تميز لغة الشعر من اللغة الاعتيادية، لأنها تمثل الصياغة الجمالية الخاصة والمؤثرة للغة في الشعر التي بمقدورها أن تنقل القول من مستوى الاعتيادية إلى مستوى الشعرية…..

وتتجلى الميزة الأساسية لهذا الخطاب فيما بلغه في نهاية القرن الرابع الهجري، في استحكام الأسس النقدية على منهج سليم، فيما تميز به من طابع خاص في أسلوبه ونقده إلى جانب تأثره بالثقافات الأجنبية الأخرى.

وبما أن هذا الخطاب مرهون بمقارنته بما يماثله في الخطاب النقدي الحديث، فإن هذا المبدأ سيحدد طريق الكشف عن جملة خواص ريادية أخرى تشكّل بنى دائمة بإمكانها أن تتلائم وتتكيف مع المنجز النقدي الحديث.

وأخيراً يمكننا القول في هذا المستخلص، التذكر دائماً أن أية خبرة أو ممارسة تعليمية لا يمكن إدراك أهميتها ما لم تتفاعل مع البنية التي تكون جزءا منها، واعتمادا على ذلك يستطيع الدارس أن يحدد مدى الابتكار والأصالة في الخطاب النقدي العربي القديم، ويستطيع كذلك تحديد القيمة الجمالية لهذا الخطاب تماشياً مع الحكمة التي تقول ” لا ينتفع بالماء الساخن في قرارة الأرض ما لم يسح، ولا بالذهب في معدنه ما لم يستخرج، ولا بالعلم مادام مكتوباً مالم يفض “…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.