منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نبذة عن كتابي “حكايات أندلسية”

أحمد بن محمد الشرقاوي/ نبذة عن كتابي "حكايات أندلسية"

0

نبذة عن كتابي “حكايات أندلسية”

أحمد بن محمد الشرقاوي

ملخص

اشتمل هذا الكتاب على أكثر من مئة وثلاثين حكايةٍ ممتعة ومتنوعة، كتبتها بلغةٍ رصينةٍ، وأسلوبٍ مشوِّقٍ، وضمّنتها كثيرا من المعلومات التاريخية والجغرافية للديار الأندلسية، فضلا عن الأحوال السياسية والحياة الاجتماعية والاقتصادية لتلك البلاد، جمعتُها من مئات المراجع الأندلسية القديمة والحديثة، في شتّى الفنون.

بدأت فكرة هذا العمل منذ عشرين سنة، عندما قرأتُ نفح الطيب في غصن أندلس الرطيب للمقري التلمساني، أثناء اشتغالي بعمل موسوعةٍ حول حياة العلماء، أجمع فيها حكاياتهم ومآثرهم ومأثوراتهم ونوادرهم، كنت قد قطعتُ شوطا كبيرا في جرد كتب التراجم والأعلام، حيث لم تجر العادة إلا لزيارتها لِمَامًا، لنقل ترجمة، أو تحقيق اسم أو كنية أو لقب، مع كثرة ما فيها من فوائد، فقرأتُ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ت 463، وطبقات الحنابلة لأبي يعلى ت 526، وسير أعلام النبلاء للذهبي ت 748، وطبقات الشافعية للسبكي ت 771، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي 795، والدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة لابن حجر 852ه، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع لشمس الدين السخاوي 902، والبدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، للشوكاني 1350، ثم تطورت الفكرة إلى العكوف على المراجع الأندلسية عندما قرأت نفح الطيب، فكان منطلقي إلى غيره من مراجع أندلسية مثل الإحاطة في أخبار غرناطة، والذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، وغيرها.

المزيد من المشاركات
1 من 31

فانصرفتُ عن فكرتي الأولى إلى قراءة كل ما يمتُّ لتراثنا الأندلسي بصلة، أقرأ وأنتخب وأصوغُ، غيرَ مكتفٍ بنقلِ القصَّة كما وردتْ، بل أعيدُ كتابتَها من جديد، بأسلوبٍ مبسَّط، وربما أقتبس بعض العبارات من النصِّ الأصلي، ثم أعيدُ بناء الحكاية وإتمامَها، بإضافة ما يلزمُ من تعريف بأشخاص وبلدان، ووصف لعصور وبيئات وأماكن ومعالم، لتخرجَ الحكايةُ في النهاية، بصورة نامقةٍ رائقة.

تلك الحكايات المتناثرة لو نظمت في سلك واحد لتمثلت لنا قصة الأندلس، أو حكاية الأندلس منذ فتحها حتى سقوط آخر معاقلها، بل من بعد السقوط حتى يومنا هذا، فالحكاية لم تنته بعد.

مقدمة

إن حبي الجمَّ للأندلس وشوقي العارم إلى آثار الأجداد، وشغفي بجمال ذلك الفردوس، مما نشأ وترعرع بين أضلعي، وأزهر في قلبي، وتمكّن في فؤادي، حتى صرتُ نَهِمًا لقراءة كلِّ ما هو أندلسي، وإن اكتشفت لاحقا، مشاركة الكثير والكثير ممن يذوبون شوقا إلى هذا الماضي الجميل، ويحنُّون لتلك الذكريات الحُلْوة، حتى من غير العرب والمسلمين.

ورغم مرور خمسة قرون على سقوط آخر حصون الأندلس ومعاقلها، لكن بقي عشق كل ما هو أندلسي في القلوب، إلى حد تسمية الأحياء والشوارع والنوادي والمدارس والمساجد، والمطاعم والحدائق والنوادي بأسماء أندلسية، قرطبة، أشبيلية، جيان، غرناطة، شاطبة، طليطلة، مالقة؛ المرية، إحياء لذكرى هذا الفردوس المفقود، فضلا عن محاكاة العمارة الأندلسية، والزخارف في بناء القصور والدور والمساجد.

كما انتقلت تلك العاطفة إلى أمريكا الجنوبية حيث هاجر الأسبان ومنهم أندلسيون”موريسكيون” فانتشرت الأسماء الأندلسية، في مدن الأرجنتين والبرازيل وبيرو وبوليفيا وفنزويلا وغيرها، وانتقل الطراز المعماري والزخارف الأندلسية إلى تلك البلاد البعيدة.

على أن هذا الشوق قديم قدم الأندلس، فقد كان أدباء المشارقة شغوفين بكل ما هو أندلسي، يتلهفون على كل ما يكتب بالأندلس، وربما يقرؤونه قبل أن يقرأه القارئ الأندلسي، فإذا اجتمع أدباء المشرق مع الأندلسيين كان الحديث أندلسيًّا خالصًا.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

لما انصرف الأديب الأندلسي أبو الوليد ابن عبَّاد الخطيب من الحج، ونزلَ بمصر، اجتمع مع أبي الطيب المتنبي في مسجد عمرو بن العاص بالقاهرة، فدار بينهما حوارٌ أدبيٌّ، ومن ضمن ما قال المتنبي لمحاوره: أنشدني لمليح الأندلس، يعني الأديب أحمد ابن عبد ربه، فأنشده:

يا لؤلؤاً يسبي العقول أنيقا … ورَشًا بتعذيب القلوب رفيقا

ما إن رأيتَ ولا سمعتَ بمثله … دُرًّا يعودُ من الحياءِ عقيقًا

وإذا نظرتَ إلى محاسنِ وجهِه … أبصرتَ وجهَكَ في سناهُ غريقًا

فَلَمَّا أكمل إنشاده استعاده مِنْهُ المتنبي ، وَقَالَ: يَا ابْن عبد ربه! لقد تَأْتِيك الْعرَاق حبوا! ([1])

وكانت أبيات شعراء الأندلس التي تصف جمالها ومحاسنها تطير إلى المشرق فتلهب القلوب شوقا وغراما بتلك الربوع.

ولله درّ ابن خفاجة الأندلسي؛ حيث يقول:

إن للجنّة بالأندلس … مجتلى مرأى وريّا نفسِ

فسنا صبحتها من شنبٍ … ودجى ظلمتها من لعسِ

فإذا ما هبّت الريح صبًا … صحتُ واشوقي إلى الأندلسِ

وقول ابن هانئ:

يا أهل أندلس لله دركم      ماء وظل وأشجار وأنهار

وتلك الأبيات التي قالتها حمدة أو حمدونة الأندلسية ثم ادّعاها بعض شعراء الشام، فانتحلها لنفسه، وهي من أروع ما قيل في الروضة والمقيل:

وَقَانَا لَفْحَةَ الرَّمْضَاءِ وَادٍ … سَقَاهُ مُضَاعَفُ الْغَيْثِ الْعَميمِ

نَزَلْنَا دَوْحَهُ فَحَنَا عَلَيْنَا … حُنُوَّ الْمُرْضِعَاتِ عَلَى الْفَطِيمِ

وَأَرْشَفَنَا عَلَى ظَمَأٍ زُلاَلاً … ألَذَّ مِنَ الْمُدَامَة لِلنَّدِيمِ

يَرُوعُ حَصَاهُ حَالِيَةَ الْعَذَارَى … فَتَلْمَسُ جَانِبَ الْعِقْدِ النَّظيمِ ([2])

ولعلَّ قصة العقد الفريد أبلغ دليل على عشق المشارقة لكل ما هو أندلسي وترقُّبهم للمسيرة الأدبية في تلك الروابي الخضراء، حتى قال الأديب ابن الربيب في رسالته لأبى المغيرة ابن حزم الأندلسي، يغبطُ أهل الأندلس :”إنّي فكّرت في بلدكم أهل الأندلس، إذ كان قرارةَ كلِّ فضل، ومقصدَ كل طرفة، ومورد كلّ تحفة، إن بارت تجارة أو صناعة فإليكم تجلب، وإن كسدت بضاعةٌ فعندكم تنفق، مع كثرة علمائه، ووفور أدبائه، وجلالة ملوكه، ومحبتهم للعلم وأهله، ورفعهم من رفعه أدبه…” وكان مما قاله ابن الربيب :” لو نفث ببلدكم مصدور، لأسمع ببلدنا من في القبور، فضلاً عمن في الدور والقصور، وتلقوا قوله بالقبول، كما تلقوا ديوان ابن عبد ربه منكم الذي سماه ب – ” العقد “. على أنه يلحقه فيه بعض اللوم، إذ لم يجعل فضائل بلده، واسطة عقده، ومناقب ملوكه يتيمة سلكه”.([3])

عندما علم الأديب الوزير الصاحب بن عباد  بكتاب  ابن عبد ربه العقد الفريد، وكان كتابا أدبيا على غرار عيون الأخبار لابن قتيبة الدينَوَريّ، قسمه ابن عبد ربه على عدة فنون، وسمّى كلّ باب منه على نظم العقد، كالواسطة والزبرجدة والياقوتة والزمردة، وما أشبه ذلك.

أرسل الوزيرُ ابن عباد في طلبه، فجاءت إليه نسختُه بأسرع ما يكون، فلما وصلته تصفّحها بلهفة، وتفحّصها بنهمٍ، لكنها سرعان ما خيَّبت ظنّه، إذ كانت على غير ما توقع، حتى قال معلقا: هذه بضاعتنا ردَّت إلينا! ظننتُ أن هذا الكتاب يشتمل على شيء من أخبار بلادهم، وإنما هو مشتمل على أخبار بلادنا، لا حاجة لنا فيه، فردّه؛ إذ ألفَى كل ما فيه مشرقيًّا، باستثناء بعض أخبار ملوك الأندلس وقليل من أشعارها، بينما كان يأملُ أن يجد حكايات وطرائف ولطائف أندلسية. ([4])

وكتابي ” حكايات أندلسية” قمتُ بجمع مادته من مئات الكتب في شتى الفنون، غير قانعٍ بدور الناقل الجامع، بل طرتُ كالنحلة الرشيقة أميالا وأميالا، أطوِّف بحقول المعارف، وأفتِّش في بساتين الأدب، وأرفرفُ فوق برايا الفكر، وأجتني الثمارَ، وأحطُّ على الزهور، فأتنسّم عبقها وشذاها، وأجمعُ رحيقها، فجمعت حكاياتي من مئات الكتب الأندلسية في الأدب والتاريخ والتراجم ومعاجم البلدان والرحلات والروايات والمقالات، بل وكتب التفسير والفقه والأصول والوعظ الأندلسية، فضلا عن حرصي على قراءة كل ما يمتُّ للأندلس بصلة، وما كتبه أندلسيون في شتى أبواب العلم، وما كُتب عن الأندلس، وما كتبه الإسبان بعد سقوط غرناطة آخر معاقل الأندلس، وما كتبه مستشرقون، كما كنتُ شغوفًا بمتابعة الروايات الحديثة الأندلسية، ودراسة المقالات والبحوث. لم أكتف بنقل حكاياتي كما هي، بل أعدتُ صوغها من جديد، بأسلوب أدبيٍّ لا تكلُّف فيه، مضيفا ما تحتاجه من فوائد ومعارف، كما يضيف الطاهي إلى طبخه ما ينتخبه من أفاويح وأبازير، وما يستحسنه من حلوٍ أو حامضٍ، ليقدم في النهاية أطباقًا لذيذةً شهيّةً.

على أن بعض هذه الحكايات وإن لم تقع على أرض الأندلس لكنها مرتبطة بأشخاص من الأندلس، وقليل منها حدثت خارج حدود الجزيرة الأندلسية، لكن أبطالها من الأندلسيين، وأخرى لم ترد إلا في المراجع الأندلسية، وربما نُقلتْ عنها في كتبٍ أخرى، لكن يبقى الفضلُ والسبق للكاتب الأندلسي.

هذا وقد التزمت في هذا البحث الدقة والأمانة، كما تحريت الصدق والتوثيق، فاستبعدت روايات ملفَّقة، وإن كانت شائعةً ذائعةً، وتجنَّبتُ أخطاء بعض الكتاب وتجنياتهم على الحقيقة، إلى حد الافتراء على بعض الشخصيات الأندلسية، كذلك تحاشيتُ ذكر الشخصيات المختلقة التي ليس لها ذكر في تاريخنا الأندلسي، ولا في تاريخ الإسبان كشخصية سليمة جعفر، التي ابتدعتها إحدى الكاتبات من وحي خيالها، فكان حرصي على تحرى الحقيقة، لا أكتب أي حكاية ما لم تكن ذات جذورٍ في تراثنا الأندلسي، وثمّة حكاياتٌ احتجتُ إلى تجميعها من مراجع مختلفة، أو تحقيق أماكنها وزمانها وأشخاصها، وملابساتها، فقد تلتبس أسماء الأعلام أو الأماكن، فتحتاج لتحقيق، ونظير ذلك إشكالات كثيرة احتاجت مني لإمعان نظر، واستغرقت مني ساعات وساعات في التحقيق والتدقيق والمقارنات والفروق، لكنها كانت من أجمل الساعات، وأحلى الأوقات.

أَحاديثُ أَحْلَى في النُّفوسِ مِنَ المنى … وأَلطفُ من مَرِّ النسيمِ إذا سَرَى

لها أَحاديثُ من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد

وآمل أن يخرج القارئ الكريم من هذا الكتاب ملمًّا بتاريخ الأندلس، ومعرفة بلدانها وأنهارها وجبالها، وأشجارها وثمارها وأطيارها، وأن يتعرف على حكامها وأشهر وزرائها وقضاتها، وعلمائها وأدبائها، وأيام عزِّها وأمجادها، وانتصاراتها، وعهود قوتها ورخائها، ووحدة كلمتها وروائع حضارتها وازدهارها، كما يقف على عوامل ضعفها وتناثر عقدها، وسيعلم أسباب سقوطها وتسلط أعدائها، بعد تفرقها إلى ممالك متناحرة، ويشارك أهل الأندلس أفراحهم ومباهجهم، كما سيندبُ ما ألمّ بأهلها من مآسٍ ونكبات، تخنِقُ العَبَرَات، بل تعجَزُ الكلمات عن وصفِ فظاعتها وهولها.

وحكاياتي التي جمعتها من بطون الكتب متنوعة في مجالاتها، وزمانها، وأماكنها، وأشخاصها، وقد صنَّفتها حسب الموضوعات، فهناك حكايات أغرب من الخيال، وحكايات حول النساء والجمال، والعشق والهجر والوصال، والورع والعفاف، وحكايات الرحالة الأندلسيين الذين جابوا أقطار الدنيا حتى بلغوا فارس والهند شرقا، والمجر وبحر قزوين شمال شرق أوروبا، وبلاد النورمانديين بأقصى الشمال الغربي، وحكايات الرحالة غير الأندلسيين حين زاروا الأندلس، وحكايات أدبية، وحكايات في السياسة والحكم، وأخرى دارت بين الأمراء والعلماء، وحكايات حول السنن والمبتدعات، وحكايات تندب الأطلال وأخرى مرثيات، وحكايات في مكارم الأخلاق، وكرامات الأولياء، وحكايات في طلب العلم وآدابه وهمة طالبه، ومكانة العلماء ومآثرهم، ورحلاتهم وكفاحهم، وحكايات السقوط وما أعقبه، وحصار البلدان الأندلسية وخنقها وتجويعها من قبل جيوش النصارى، ووحشيتهم، وبشاعة جرائمهم، وما أعقب ذلك من تهجير وتنصير، ونهب وسلب، وحكايات من سجلات محاكم التفتيش التي نشطت للتنكيلِ بمن بقي على إسلامه، ومناظرات بين علماء الإسلام وغيرهم، وقعت في بلاد الأندلس.

وأخيرا : فلكم تمنيتُ وأنا أصوغُ هذا الكتاب أن أزور الأندلس، أحلّق فوق أجوائها، وأهبط على ترابها، وأطوِّف ببلدانها، أسير في دروبها الضيقة، أجتازُ شوارعها العتيقة، وأمشي في الأسواق العامرة، أتنسم عبق التاريخ، وأعاين مسارح الأحداث، وأتتبع أماكن الحكايات، وأعاين ما كتبتُه عن ربوعها وقراها وأنهارها وجبالها وسواحلها ومرافئها، وقلاعها وحصونها، وحدائقها البهيجة ومنيّاتها الساحرة، ومنتزهاتها الفسيحة، ودِدتُ أن أكون هناك أشتمّ عطر الآس والنيلوفر والورد والياسمين، وأحدِّق في عيون النرجس والسوسن، وأبتهج بشقائق النعمان الأحمر، ونوَّار الخيري الأصفر، والبنفسج، ثم أقصدُ مساجدها الجامعة سائرا في شوارعها المرصوفة، باكيا لحالها، ناعيا ما اعتراها وشوّه جمالها من لوثة الصلبان، ورجس الأوثان، وتسريح المؤذن، حتى لا يسمع من مناراتها صوت الأذان، بينما تدقُّ النواقيس مجلجلة تصمُّ الآذان ، كم تمنيتُ أن أذرف الدمع سخينًا وسخيًّا عند معاهدها التي درست معالمُها وذهب تألُّقها، وأجودُ به رويًّا فوق ملاعِبها التي تلاشى حسنها ورونقها، وأجلسُ متأمِّلا أطلالَها  المقفرة، ومرابعَها الموحشة، مردِّدًا قولَ ابنِ خفاجة  :

عاثت بساحتِك الظِّبا يا دارُ    ومحا محاسنُك البِلى والنارُ

فإذا تردَّد في جنابك ناظر      طال اعتبار فيك واستعبار

أرض تقاذفت الخطوب بأهلها   وتمخضت بخرابها الأقدار

كتبت يد الحدثان في عرصاتها   لا أنت أنت ولا الديار ديار

وكم تاقت نفسي أن أطير إلى ربوع الأندلس وأدخل مع الجموع منية نصر ومنية الرصافة وقصرها، وفحص السرادق، ومنية المصحفية، ومرج السدّ، ومرج الخزّ، وغيرها من المنيات والمنتزهات والمروج التي تبهِج النفوسَ، وتسرُّ الناظرين، أناجي أطيارَها، وأصغي إلى شجوِ الحسون وأستمع لقصيدة الزرزور وقد باتت الجاريةُ تلقنهُ أبياتَها، ليفاجئ بها الملك في الصباح المشرق،  فيهتز طربا لمديحه، ثم يثني عطفه لحاشيته؛ يتباهى بسماعِ منطق الطير، مضيفا ذلك إلى مآثر ملكِه، وأبهةِ سلطانه، وطريف صولجانه، لكن الفرصة لم تسنح لي، أن أشهد كلّ ذلك، ولعلها تواتيني قريبا بإذن الله، فأعيش صفحات هذا الكتاب واقعا وتصديقًا، كما عشتها خيالا وتصوُّرا.

أُسَرحُ في محاسنها العيونا وأذْرف في معالمها الشّئونا
بلاد كيف جال الطرف فيها يرى أثر الجدود الغابرينا
تكادُ قبورهم ممَّا حَوَتْه يقدِّسها الورى حجرًا وطينا
تَقلَّص ظلُّهم عنها وكانَتْ أعزَّ بمن حَوَت منهم عَرينَا

ولكم تمنيت أن أزور رمانة الفؤاد، وفريدة الزمان، وأعجوبة الدنيا وعروس البلدان غرناطة، فلها مني السلام، لوددت أن أجلس على سفحٍ من سفوحها، أراقب سقوط الثلوج على جبل شلير، وأنحدر مع جداول الماء فوق السهول، وأسبح في نهر حدرّوه، مستمتعا بصباح غرناطة الباسم، وأدخل المدينة المحاطة بالأسوار من باب إلبيرة، وأعطف على سوق القيسارية، وأستريح قليلا على الأريكة الخشبية أمام رحبة الْجَامِع الْأَعْظَم، فأرتشف ماء الورد المقطّر، وشراب الرمان الحلو، ثم ألتهم فطائر الزيتون مع الجبن الشريشي، ثم أمضي إلى حي البيازين أزور بيت صديق  قديم التقيتُ به على  صفحات مخطوط أندلسي، وأجرب ذلك المفتاح القديم لعله يفتح بابا عتيقا من أبواب البيوت التي خلت من أهلها، هنا كان يسكن الأجداد، الذين غادروا منذ قرون خلت، حاملين معهم مفاتيحهم على أمل العودة، ثم ماتوا وتركوها للأحفاد، ولا يزال الأمل يراودُهم جيلا بعد جيل، ثم أصعدُ إلى وجهة رحلتي، ياقوتة الدنيا، قصور الحمراء، فأمر من بهو الرياحين، إلى بهو الأسود، ثم أرقى لبرج قمارش لأطل من خلاله على منظر ساحة القصر وباحاته، وأُطلق البصر إلى المدى البعيد، وتمر على خاطري عبارة الأستاذ “تشويكا جويتيا” (Chueca Goitia):

“كلما تأملتَ الحمراء أكثر، كلما تأكد لديك الشعور بأن رغبة المسلمين كانت العيش في جنة”

ثم أتنفس الصعداء عند بهو الرياحين، وجنات العريف، وأقطف ثمار البرتقال، وأستمع لشدو الهزار مترنِّما بأبيات نزار([5]):

في طيب جنات العريف ومائـها في الفل، في الريحـان، في الكباد

الزخرفات أكاد أســـمع نبضـــها          والزركشات على السـقوف تنادي

قالت هنا الحــمراء زهو جــدودنا          فاقــــرأ على جــدرانها أمـــجادي

لكن يا رمانة المدائن، ويا حاضرة الدنيا، إن لم أسافر إليك عبر الطائرة، إن لم أحصل على إذن دخول بلد كانت يوما من بلاد الإسلام، فإنني من خلال كتابي سأمضي إليك، مسافرا عبر السطور، محلقا على متن الصفحات، طائرا فوق رباكِ، كعابر سبيل سأجتاز حاجز الزمان والمكان، وأغدو من حكاية إلى حكاية، لأثبت للجميع أن لا حدودَ أمام خواطر العاشق الولهان، وحالي هنا كحال المعتمد بن عباد عندما حُرم من مملكته ونُزع من سلطانه وغُرّب جنوبا إلى قفارِ المغرب بعيدا عن فراديس الأندلس، فنظر ذات يوم لطيرٍ مهاجرٍ يؤوب إلى موطنه في الشمال، لينعم بعد دفء الشتاء بربيع مبهج وصيف معتدل :

( بكيتُ إلى سربِ القطا إذ مررن بي … سوارحَ لا سجنٌ يعوقُ ولا كبلُ )

( ولم تكُ واللهُ المعيذُ حسادةً … ولكن حنينًا أن شكلي لها شكلُ )

كأنه يعارض قول مجنون ليلى:

بكيْتُ على سِرْبِ الْقَطا إِذْ مَرَرْنَ بي … فَقُلتُ، ومِثْلي بالبُكاء جُديرُ

أَسِرْبَ الْقَطا، هلْ مَنْ يُعيرُ جَناحَهُ … لَعلِّي إِلى من قَد هَويتُ أَطِيرُ

نعم لا تلمني يا عاذلي، فإن حب الأندلس ضرب من العشق، ليس مسًّا من الجنون.

وإن نسيت فلن أنسى حين أطلُّ من شرفة الحمراء قصيدة ابن الراوندي، أشهر المراثي الأندلسية، فأردد مطلعها المشوّق:

جَادكَ الغَيْثُ إذا الغَيْثُ هَمَى       يا زمانَ الوَصْلِ بالأندلس

لم يكن وصلك إلا حلما    في الكرى أو خلسة المختلس

على أية حال فلقد روَّى هذا العملُ ظمأي، وأشبع نهمِي، وغذَّى عاطفتي، حتى كأن الزمان يعود بي لقرون خلت بها، وطائر الشوق يحلّق بي في سماء الجزيرة الأندلسية، ويحطّ على صعيدها، حتى غدوتُ أعيشُ بين أهلها، أنعم معهم بلذيذ عيشها، وأُسرِّح ناظري في رياضها ومُنْيَّاتِها، وأمشي الهوينى معتمرًا قلنسوتي، في دروب قرطبة وأشبيلية وغرناطة ومالقة وطليطلة، وجيان وسرقسطة، وإلبيرة، أعبر جسر الرصافة، أجتاز مقبرة الربض، وأزور مقبرة قريش، ومقبرة العسال، ومقبرة باب إلبيرة، وجبّانة باب الفخّارين، وباب المحروق، أدخل البستان، وأقطف الرمان السفري، من منيات قرطبة، وأجتني البرتقال من باحات مساجدها، وأجمع الزيتون من بادية أشبيلية، وأقطف التين من جِنان مالقة.

إنه الفردوس المفقود.

أوقد النار من رسائل سلمى واسكب الماء فوقها من دموعي

وقد اشترطت في كتابي أن لا أنقل من الحكايات إلا ما حدث ببلاد الأندلس، أو ما حدث لأندلسي خارج حدود الأندلس، وربما ذكرت شيئا مما حدث خارج بلاد الأندلس لكنه لم يُرو إلا في المراجع الأندلسية، سواءً نُقل بعد ذلك إلى كتب الأدب والتاريخ والمواعظ، أم لم يُنْقَل، وإن غلب على الحكايات أنها أندلسية المكان، ثم إنني أوثِّق الحكاية، وأحذفُ الأسانيد اختصارا، كما أنني نثرتها دون مراعاة ترتيب تاريخي أو موضوعي، لأنني رأيت ذلك الترتيبَ الرَّتيب قد يمل القارئ منه، فجعلتها كالحديقة، جمالها في تفننها وتنوعها وتشابك أغصانها واختلاط ورودها وأزاهيرها، وتغريد أطيارها، كل ذلك يجتمع في مشهدٍ بديعٍ متناسق.

عندما نقرأ هذه الحكايات التي اجتهدت في سردها بطريقة شيقة، ودبجتُها ورصّعتُها بالفوائد ليخرج القارئ من خلالها بفكرة واضحة جلية، وثقافة مقنعة مرضية عن الأندلس، ملمًّا بجميع الجوانب التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، وكذلك الثقافية والعلمية والأدبية.

ولقد حوى هذا العمل كثيرا من معالم الأندلس وأعلامها، وعرّج على أغلب أحداثها المؤثرة، وتضمَّن محاسن الأندلس ومآثر أهلها وأمجادها، وأعطى صورةً للحياة الأندلسية، ووصفا للمدائن بجمالها وألقها والقرى والبوادي بحسنها وبساطتها، كما يرسم هذا الكتاب لوحاتٍ للطبيعة الأندلسية الساحرة، الجبال التي تكتسي بالخضرة، وتعتمرُ فوق رؤوسها بعمائمَ ناصعة البياض من الثلوج التي تذوب رويدا رويدا، فتنسكب في الجداول وتجري في القنوات بمائها العذب النمير، فيرتوي كلُّ حيٍّ من نباتٍ وحيوان وإنسانٍ، والمدن بأنوارها المبهرة، وبيوتها الأنيقة المزهرة، وشوارعها الفسيحة المرصوفة، وأزقتها الضيقة وسككها النظيفة، التي يحلو السيرُ فيها، اقتفاء لآثار الأجداد وخُطاهم، والتجوالُ حول أسوارها وحصونها وقلاعها التي تحرسها من أطرافها، والأسواق العامرة بكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وكل ما هو معروضٍ فوق البسطات الخشبية، أو في المكاتل والسلال، أو منضود في واجهات الحوانيت الزجاجية، وعلى أرففها بالداخل، والريف الأندلسي بجماله الساحر وحسنه الآسر، وربيعه الناضر، وعطائه الزاخر.

لقد جمعتُ هذه النفائس لنفسي أولا، فاستمتعتُ بقراءتها، وابتهجتُ بها، بل كنت أقرا القصة مرات ومرات، لا أملُّ من قراءتها، فالحديث عن الأندلس ذو شجون، وكما قال الشاعر:

أسكّان المعاهد من فؤادى … لكم في كل جارحة سكون

أكرّر فيكم أبدا حديثى … فيحلو والحديث بكم شجون

وأنظمه عقودا من دموعي … فتنثره المحاجر والجفون

وأبتكر المعاني فِي هواكم … وفيكم كُل قافية تهون

وأعتنق النسيم، لأن فِيهِ … شمائل من معاطفكم تبين

وكم لي فِي محبتكم غرام؟ … وكم لي فِي الغرام بكم فنون؟ ([6])

.

فكتبت حكايات الأندلس مدبّجة بالدرِّ والياقوت ليكتمل المشهد، وكلما أعطيت الحكاية لأحد من خاصّتي أو طلابي وجدتُ استحسانًا وتحفيزًا، بل إنني عمدت لإلقاء خطب ومحاضرات، بعنوان حكايات أندلسية، وقصدتُ إلى أن أحكيها على طلابي في نهاية كل محاضرة، فكانوا ينتظرونها بشوقٍ وهيام، وكذلك كنتُ أحكيها في مجالسي، فإذا عدتُ لبيتي أبادرُ إليها لأضيف ما خطر من أفكارٍ وتواردَ من معانٍ.

ومن نفحات هذا العمل وبركاته أنني عشت أوقاتا طيبة وأمضيت ساعات طوالا، في سيرة علماء الأندلس وكفاحهم في طلب العلم، ورحلاتهم إلى المشرق لاستكمال ما تعلموه على أيدي علماء الأندلس، ومكابدتهم ومعاناتهم الغربة والحرمان وضيق ذات اليد، وشظف العيش، ثم عودتهم إلى بلادهم كالطير عند رواحها بطانا، ينشرون العلم في بلاد الأندلس مما جعلها منارة في سائر العلوم وواحة للأدب.

أوقاتا ماتعة رائعة أمضيتها أتنسم عبق ماضي هؤلاء الأفذاذ، وأتتبع مسيرتهم، أتقلّبُ معهم من بلد لبلد، وننتقل من عهد لعهدٍ، نغشى مجالس الملوك، ونختلف إلى حلقات الشيوخ، مترافقين في تلك الرحلات التي خلد التاريخ ذكرها، وأبقى على مدى الدهر آثارها.

وقد تمخض هذا العمل عن عمل آخر وهو كتابي “البقية في اللطائف الأندلسية”، طرائفُ ومواقفُ، حكاياتٌ ونوادرُ، دروسٌ وعبرٌ، نكتٌ وفوائد، صُورٌ ومشاهدٌ، حِكَمٌ ومَواعِظُ، من التُّراثِ الأندلسيِّ .

والله الموفق


[1]– مطمع الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس (ص: 273)، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (3/ 565). والرَّشَا مِنْ أَولاد الظِّباء الَّذِي قَدْ تحرَّك وتمشَّى. لسان العرب (14/ 322).

[2]– خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي (1/ 151) نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (4/ 288)، أنوار الربيع في أنواع البديع، لابن معصوم علي بن أحمد بن محمد الحسني الحسيني، ت1119 (ص: 69).

[3]– الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني (ت 542هـ) (1/ 135).

[4]– معجم الأدباء، إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب (1/ 464) لشهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي (ت 626هـ) المحقق: إحسان عباس، ط دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط:أولى، 1414 هـ . العقد الفريد، أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي (ت 328هـ) الناشر: دار الكتب العلمية  بيروت ط: أولى، 1404 هـ.

والصاحب هو أبو القاسم إسماعيل بن عباد، فإنه كان غزير الفضل، متفنناً في العلوم، أخذ عن أبي الحسين بن فارس، وأبي الفضل بن العميد. وزير مُؤَيَّد الدولة بُوَيْه ابن ركن الدولة.أصله من الطَّالقان، وكان نادرةَ دهره وأُعجوبة عصره فِي الفضائل والمكارم.أخذ الْأدب عَنِ الوزير أَبِي الفضل بْن العميد، وأَبِي الْحُسَيْن أحْمَد بْن فارس.وسمع الحديث من أبيه، ومن غيره واحد، وأملى مجالس، وتوفي سنة 385ه. نزهة الألباء في طبقات الأدباء (ص: 238) تاريخ الإسلام للذهبي (8/ 569).

[5]– الهزار: هَزار :عندليب؛ طائر صغير الحجم، سريع الحركة، حَسَن الصَّوت، ريشه بُنيّ مائل إلى الحمرة، يألف الأشجار، ويظهر أيّام الرَّبيع. ونزار قباني شاعر معروف زار الأندلس.

[6]– الأبيات لأبي محمد تقى الدين عبد الله بن أحمد بن تمام الصالحي. ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي(4/ 428).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.