منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قُبلة أخرى على الجبهة الباردة (قصة قصيرة)

رضا نازه

0

– بشرى، لم تخبريني عن حال جارتك العجوز؟

– مَن؟ أمّ جوستو؟ ألم أحْكِ لك؟ ماتت المسكينة منذ سنة. أتمّت المائة وانطفأت!

– إنا لله وإنا إليه راجعون.

– ماتت بعد أمها ببضع سنين. أمها كانت قد جاوزت المائة بعقد أو أكثر. كنت ألقاهما في الطريق، عجوزٌ مُقوَّسَة تمسك بمِعصم عجوز أقلَّ تقوساً. أسلّم على أمّ جوستو بمزيج كلام وإشارة. لم أكن أتقن الإيطالية بعد، كانت أمّ جوستو تشير إلى أمها قائلة بنبرة إيطالية صاخبة: “لاماما.. لاماما”، وتبتسم سعيدة كأن تلك اليد المتجعّدة حول مِعصَمها سوارٌ عتيق من زمن غابر. أمها كانت تحكي لها بافتخار أنها ولدت في العام الذي مات فيه غَارِيبَلدي، أبُ إيطاليا الحديثة. حلّت هي وهو ارتحل. المهمّ أنها عاصرته ولو مقدارَ مصادفة في مفترق طرق، أو توقفٍ في محطة قطار الزمان. عاشتا ويلات الحربين لكن خرجتا سالمتين. أتدري في ما اشتغلتا بعد الحرب؟ لن تصدق؟

– معمل نسيج، مثلاً؟

المزيد من المشاركات
1 من 46

– ههههه… كانتا آلة تصبين يدوية، تطوفان على بيوت الميسورين تجمعان خِرَق الرُّضَّع وتغسلانها من البراز، وتنشرانِها لتجفّ، وتعيدانها لأصحابها مقابل أجر يعيلان به الصغار. يا من تتخيّل أوروبا جنّة منذ قديم الزمان.

– لستَ مسكينًا بالضرورة، ولو كان أصلك من قبيلة بْنِي مْسْكِين.. هههه

– نعم، الشيء بالشيء يُذكر. حكى لنا إيطالي كيف فوجئ يومَ أتى هنا سائحاً، فوجد أن عاملاً عنده كان أغنى منه، كان يملك أكثر من بيت وأرضاً فلاحية وقطيع غنم وبقر، ورغم ذلك كان يشكو له دوماً “حالته المزرية”.. “أنت أوروبي إذن أنت ذو-مالي”. لا أدري كيف رسخت هاته القناعة.

– على أيٍّ، دعينا من حكاية الكدَر. أتمّي قصة أمّ جوستو!

– نعم. كانت أمّ جوستو تحب زياراتي لها. أصنع لها حساءَ خضر تلوكه قليلاً وتبلعه، لكن حين اشتد بها الحال وعجز الفكَّان عن مضغ حبيباتٍ هي أصلا مطحونة، صرتُ أجعله سائلاً ما أمكن، فتشربه بنهم ودون عناء. في آخر يوم، دخلتُ عليها، كانت قد غابت غياباً مضاعفاً. غاب وعيها عن الوجود، وغاب جسدها النحيف في الفراش كأنها غير موجودة. وجدتُ ابنها جوستو جالساً على حافة الفراش قد علاه الشيب. جوستو المسكين، شاخ ولم يتزوج لأجل أمّه. كم كانت تتحسّر له. كان يخشى أن تضطره زوجته للتخلصِ مِن “لامَامَا” وإيداعِها في مأوى العجائز. وجدته حديث عهد ببكاء، فأشرت إلى السماء وقلت له بالعربية: “الله.. الله”، نظر إليّ وفاجأني وهو يردد “اللهْ أكبرْ” بلهجة طفولية فطرية تعرف أن العبارة ذكرٌ للخالق وليست طلسماً يسبق تفجيراً أو قصفاً لإخوةٍ أعداء. قلتُ له: “اللهْ أكبرْ”. أمّه مخفيّة في شرشفها وصامتة. لم تعد تطاوعُها لغتها الموسيقية الهيّنة على عضلة لسانٍ لا تتعب أصلاً. إذا تعِب اللسان فقد أزفَ الرحيل. الكلام قرضٌ يستردّه الصمت الطويل.

اقرأ للكاتب أيضاً: عقرب

جلسْتُ على حافة الفراش. تردَّدْت، هل أقرأ عليها شيئاً من القرآن عسى أن ينالها من تنزُّلِ رحمته المتجددة. عزمتُ ودندنت قربها بضع آيات، وهمست الشهادتين. قمت عنها تحاشياً أن أضني عظامَها الواهنة، ثم انحنيت عليها ووضعتُ على صُدغِها الأيسرِ قبلة دافئة. حضرتني صورتُها يوم عَلِقَتْ كرةُ ابني تحت السيارة، وجدُتها على شيخوختها ودِقَّة عظامها قد تناولت عصا المكنسة وجثت على ركبتيها تحاول ببقايا القوة أن تستخلص له الكرة. وهل كان يبالي.. المشاغب.. كان يرقبها من الجهة الأخرى ويريها كيف تصنع وهي منقادة لرغبته. المسكينة، هي الآن بلا حراك. فارقت شفتاي جلدَ صُدغها الرقيق. كان يشفُّ عن عروق زرقاء. لو ادَّعَت أمّ جوستو أنها من النبلاء ذوي الدماء الزرقاء لم يكذّبها أحد. كم يليق بها ذلك الادعاء.. وداعاً أمّ جوستو!

مقالات أخرى للكاتب
1 من 13

حين ابتعدتُ عن مضجعها، تملمَلَتْ من مكانها قليلاً، وقد ظننتها لن تعود إلى الحراك، ثم غمغمتْ بضع كلمات. اقترب منها جوستو وأدنى أذنَه من شفتيها ليلتقط لغتها البرزخية. عند النهايات لا يفهمك إلا من عاش معك بداياتك أو عشت معه البدايات. أعادتْ غمغمتها، فالتفت إليّ وقال لي: “معذرة سينيورا، أمي ترغب في أن تقبِّليها مرة أخرى كما فعلت… من فضلك سينيورا”.

كان متحرّجاً كأنه يطلب المستحيل. على الرحب والسعة، وهل شيءٌ أيسرُ مِن قُبلة؟ انحنيتُ عليها من جديد. وضعتُ قبلة أخرى على الجبهة الباردة، ثم ثالثةً ورابعة، وكنت أودّ أن أزيد… لو أنَّ القبلات تَنْسَأ العمرَ وتؤجّلُ الموت. ندَّ عنها أنين كأنين الرضيع حين يستلذ الرضاع، وانفتحتْ أجفانُ أمّ جوستو هوناً، بدت عيناها الزرقاوان زرقةً رمادية. حملقت قليلاً، ثم ما لبثت الأجفان أن انطبقت مثل شفتين نفدَ رزقهما من الكلام.

خَبَت جِذوة الرغبات. لا يبقى في حضرة الموت إلا حاجات صغيرة. دفءُ شفتين أوَّلُ تهجِّيهِما الميم. في البدء كانت الميم. حرفُ قبلة عابرٍ للغات، وقد يخفّف بعضَ السَّكَرَاتْ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.