منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دعوة مستجابة (قصة قصيرة)

دعوة مستجابة (قصة قصيرة)/ محمد بوعنونو  

0

دعوة مستجابة (قصة قصيرة)

بقلم: محمد بوعنونو  

كان شاحب الوجه كسيف البال فاتر الذهن، يتأمل أغنامه الهزيلة التي جف ضرعها والتصق جلدها على ظهرها، فلا تروي ظامئا ولا تسرّ ناظرا.

توالي سنوات الجفاف وانتشار الأمراض وندرة الماء، كلها عوامل جعلته يفكّر جدّيا في مغادرة قريته المعزولة نحو عالم المدينة، كذا كان يفكر صاحبنا في أربعينات القرن الماضي في قرية رابضة على ضفاف وادي زا شرق المغرب غير النافع كما كان تعتبره فرنسا أنذلك، هناك قطع عليه خلوته وتفكيره أحد عملاء فرنسا قائلا:

ــ إييه ! أنت، ألا تؤدّي ما عليك؟

نظر إليه صاحبنا نظرة حزن وانكسار، نظرة عصفور مكسور الجناحين أمام نسر جارح، ثم قال بصوت هو إلى الهمس أقرب منه إلى الجهر:

ــ أأدي ماذا؟

ــ تؤدي الضريبة على القطيع، ما بك؟ ألست ترى الناس جميعا يؤدون ما لديهم مقدار ما يمتلكون من ماشية !

ــ ولكني قد دفعت لك صباحا، أتذكر؟ هنا في هذا المكان بالذات …

فتميز العميل غضبا، وظهرت عليه علامات الحنق والشدة والغلظة، وكبُركان ثائر قذف صاحبنا بحمم من السب والشتم والاحتقار، وقال بصوت يحاكي الرعد:

ــ والله لئن لم تدفع ما عليك لأقطعنّك إربا ولأطعمنّ بك كلاب القرية أو لأزجّنّ بك في السجن مدى الحياة، هيا .. أخرج نقودك الآن.

قال هذا وقد أمسك تلابيب الرجل الضعيف، وجذبه إليه جذبا عنيفا، ثم دفعه على ظهره وأسقطه وسط أغنامه.

وكأنّ ما به من ضعف ومرض، وما بأغنامه من هزال وضمور غير كاف حتى تفرض عليه وعلى أمثاله سلطات الحماية ضريبة سنوية، يؤديها كل فلاح مقدار ما عنده من ماشية، ماشية أنهكها الجفاف وقضى على كثير منها الأمراض والأوبئة، لكن ذلك لم يشفع له ولا لغيره من أداء الضريبة، وليقتطعها إن شاء من لحمه ودمه، ولينتزعها إن أراد من أفواه أسرته الجائعة وأطفاله العراة !

ومهما يكن من شيء، فقد قام الرجل الضعيف ونفض عن نفسه التراب، ثم حدّق في جلاّده مطوّلا، وفي لحظة ضعف نزع عمامته وألقى بها أمامه، فأسفرت عن رأس اكتسحه الشيب اكتساحا، ثم جثا على ركبتيه، ورفع كفيه للعلي القدير، ثم نادى خاشعا متضرعا :

” اللهم إنك تعلم أني قد دفعت له وأديت ما عليّ، وهو الآن يظلمني ويجور عليّ، فاللهم عليك به، اللهم عليك به  !

ثم دفع له الثمن مجدّدا، فأخذه الخائن نشوان من لذة الإنتصار، وامتطى دابته فهمزها برجليه، ثم انطلق إلى فلاح آخر يظلمه ويجور عليه.

وآب صاحبنا إلى خيمته البالية كئيبا حزينا، يسوق أغنامه الهزيلة، وفي عينيه عَبرات لامعات، وفي صدره تنهدات مؤلمات، وفي عنقه غصّات خانقات، ومن وراء جوانحه جمرة تتوقد ولا من يرد عليه مظلمته !

لكنّ للضعفاء ربّا يحميهم ويدافع عنهم، فقد كان من وراء الجبل أحد الوطنيين المخلصين يتربّص بهذا الخائن الظالم الذي عثا في الأرض فسادا وظلما، فما أن بدا له من وراء الفجاج وتأكد أنه هو، حتى صوّب إليه البندقية وأسكن الرصاصة في صدره، فوضع بذلك حدا لمعاناة كثير من أبناء قريته.

في الصباح تلقّى صاحبنا خبر مقتل جلّاده، فسره ذلك سرورا عظيما، ورفع بصره إلى السماء شاكرا، ثم انتبه إلى أغنامه التي كادت أن تقضم بضع شجرات لوز صغيرة، فهشّ عليها بعصاه وحال دونها، ثم أطلق العنان لتفكيره، هل يغادر القرية، أو يرفع يديه إلى السماء مجدّدا ويقسم على ربه أن يغيثه؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.