منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

معالم استراتيجية النهوض الحضاري المعاصر في العالم العربي والإسلامي

معالم استراتيجية النهوض الحضاري المعاصر في العالم العربي والإسلامي / الدكتور محماد رفيع

0

معالم استراتيجية النهوض الحضاري المعاصر في العالم العربي والإسلامي

الدكتور محماد رفيع

 ضمن البرنامج الفكري “قيم وحضارة” استضاف مركز الإصباح للتعليم والدراسات الاستراتيجية والحضارية بفرنسا في لقاء علمي متميز الأستاذ الدكتور/ محماد رفيع  أستاذ أصول الفقه والمناظرة ومقاصد الشريعة والمشرف العام عن موقع منار الإسلام، لمطارحة موضوع:

معالم استراتيجية النهوض الحضاري المعاصر في العالم العربي والإسلامي

 حاور الضيف كل من د. أسعد الأسدي ود. أحمد الزقاقي..

المزيد من المشاركات
1 من 9

التقديم:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله جميعا، فضيلة الأستاذ الدكتور أسعد عبد الفتاح الأسدي و الدكتور أحمد زقاقي و الدكتور الهاشمي جمال و إن غاب عنا و جميع الإخوة المتتبعين و المشاهدين الحاضرين معنا، فحياكم الله جميعا. نلتقي في هذه الأمسية أيها الكرام على مائدة هذا الموضوع الدسم، هذا الموضوع المقلق المحرج لنا جميعا ولأمتنا وهو السؤال القديم الجديد، سؤال النهوض.

فلماذا الحديث عن النهوض الحضاري؟

بسبب بسيط لأننا نعيش حالة السقوط الحضاري الذي عمر فينا طويلا، وإذا كنا نعيش زمنا يعد بالقرون من حالة السقوط الحضاري فحق لنا أن نتحدث إذن، أن نتلمس كيف السبيل إلى النهوض الحضاري؟ لماذا التماس استراتيجية في النهوض؟ هل هناك موجب القول بالحديث عن استراتيجية في النهوض الحضاري؟

نعم، لأن هناك محاولات للنهوض عديدة، فمحاولة النهوض تعددت وفشلت، لأن محاولات النهوض تفرعت سبلها، تفرعت سبلها حتى تعتمت والتبست، فاشتدت الحاجة إذن إلى معالم الطريق. نحن في أمس الحاجة إلى معالم كبرى للطريق المؤدية إلى النهوض الحضاري والانفكاك من حالة السقوط، لكن في هذه المقدمة لابد من طرح سؤال آخر:

  • ما مناسبة هذا النهوض الآن؟ هل نضجت الشروط وتوفرت الأسباب للحديث عن النهوض الآن؟

الذي أرى والله تعالى أعلى وأعلم أن الأمة الإسلامية الآن مطلوب إليها أن تحسن استثمار ما يجري الآن من تحولات عالمية، أن تستثمر ذلك في سياق السيرورة الحضارية وفق سنة المدافعة والتجديد لتخرج من سجن باب تحديات جسام معيقة على مدى زمن ليس بالقصير لكنه، هذا النهوض، ينبغي أن يكون متدرجا نحو أفق استئناف النهوض الحضاري وإلا فمن لا يملك مشروعا حضاريا في هذا السياق المتحول التقلب سيتقدم بخطى حثيثة إلى هامش التاريخ.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 10

وأحسب أن مجتمعات الأمة الآن بما تمتلكه من إمكانات ومقدرات قادرة على تجاوز ما يحيط بها من تحديات لترسم مكانتها بين الأمم في سياق استئناف النهوض الحضاري الذي يتأسس على منظومة شرطية حضارية منتظِمة، منتظُمة في سلك معلمين كليين، معالم اسراتيجية النهوض الحضاري أريد أن أختزله وأختصر ما لا يكاد ينحصر من تفاصيله في معلمين اثنين وهما معلمان متكاملان، أحدهما سميته “معلم معرفي” والثاني “معلم عملي”.

أولا: المعلم المعرفي لاستراتيجية النهوض الحضاري

فما المقصود بهذا المعلم المعرفي الذي يشكل معلما بارزا من معالم استراتيجية النهوض الحضاري؟ يجب أن نقرر على أن القول بشرطية المعرفة في استئناف النهوض الحضاري في الأمة يرجع إلى مرجعية المعرفة في إنتاج الأعمال الراشدة وأن المعرفة هي إمامة العمل، وأن المعرفة هي الإمامة، أي موقعها موقع الإمامة في إثمار الأعمال النافعة، لأن روح العلم هو العمل كما تقرر في هويتنا وفي مرجعتينا وإلا فهو عارية وغير منتفع به كما يقول الإمام الشاطبي، كما أن العمل بلا علم تخبط وجنون وغموض، والعمل في غموض، كما يعلم الجميع، اضطراب لا يسير إلى غاية صالحة. غير أن هذه المعرفة الشرطية في نظري مركبة من ثلاث معارف متكاملة:

  • معرفة تاريخية سننية
  • معرفة شرعية تأصيلية
  • معرفة معاصرة حديثة.

أ) المعرفة التاريخية السننية

يتشكل من ذلك كله الإطار المعرفي لاستئناف النهوض الحضاري. ما المقصود بالمعرفة التاريخية السننية؟ الوعي واستيعاب المعرفة التاريخية السننية، أو ما يسميه مالك بن نبي رحمه الله: منطق التاريخ، هي مقدمة شرطية لحسن استيعاب مفردات حاضر الأمة وتناقضات واقع الأمة من أجل تجاوزه والعبور إلى مستقبل النهوض الحضاري، هذا هو موقع هذه المعرفة التاريخية السننية. فبدون هذه المعرفة يتعذر حسن استيعاب مفردات الواقع الذي نرغب في تغييره وتجاوزه فتبرز بمقتضى هذا العجز صور الاصطلاح، صور الاصطلاح مع الواقع المكروه ومشاريع تدبير الأزمة مما يؤدي حتما في النهاية إلى تضبيب الرؤية المستقبلية وانسداد الأفق الحضري لا قدر الله. فالمعرفة التاريخية السننية إنما صممت وظيفيا في فن التاريخ لخدمة الحاضر واستشراف المستقبل تفسيرا وتعليلا وتغييرا.

وصف ابن خلدون رحمه الله وظيفة علم التاريخ بأنه:

نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وهو من هو في رصد علل قيام الدول وسقوط الدول. وإن قيمة المعرفة السننية التاريخية في كونها المعرفة المعيارية الثابتة الأصيلة المطردة التي لا تتخلف، وتستند إلى الأصل القرآني في قوله تعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. وهذا المبدأ السنني له تطبيقات عديدة في كتاب الله تعالى، والقرآن يتحدث عن تعليل الحضارات، كيف تسقط الحضارات والثقافات والمجتمعات، كيف تقوم، وكيف كان يربط النتائج بالمقدمات والأسباب بالمسببات والمعلولات بعللها على نحو مطرد ودائما لا يتخلف.

فلا سبيل إذن من خلال هذا الدرس المعرفي السنني ومن خلال المرجعية القرآنية، لا سبيل لتحقيق نتيجة ما دون فهم مقدماتها، ولا الحصول على المسببات دون أسبابها. أخلص إلى القول على أن الوعي المنهجي في قراءة تاريخنا شرط لازم ويتأسس أولا على ضرورة فض الإشكال المنهجي في قراءة تاريخنا. عندنا إشكال منهجي في قراءة تاريخنا نحن لأنه تتنازعه مناهج متعددة متناقضة بين المناهج المادية والمناهج العاطفية، بين المناهج المادية بشقيها الليبرالي والماركسي التي لا تؤمن بالغيب في تحليل التاريخ ولا تقيم للأخلاق وزنا. ومن المناهج العاطفية كالعواصم من القواصم لابن العربي وغيره ممن يدافعون عن التاريخ وعلى ما حدث في التاريخ بقده وقديده وكأن الله عبًّدنا بالدفاع عن المجرمين. فالوعي المنهجي إذن يقوم على مرتكزين اثنين:

المرتكز الأول هو اعتماد الشاهد الغيبي في قراءة تاريخنا لكي نستوعب ما هنالك، وأقصد بالشاهد الغيبي اعتماد عامل الغيب في تحليل التاريخ وفي البناء الحضاري لأن الحضارة كما يقول ابن نبي لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء يكون للناس شرعة ومنهاجا، وكأنما قدر للإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية، هذا كلام ابن نبي.

فقانون النهوض والسقوط الحضاريين مداره على الإيمان، المنبع الوحيد للطاقة الإنسانية الذي لا يعوضه معوض، فكلما قوي تأثير الروح في الإنسان كلما تأتى له النهوض الحضاري، وكلما ضعف تأثيره كان إلى السقوط أسرع. فاعتماد العامل الغيبي إذن منهجيا بتشكيل النهوض الحضاري القائم على المبادئ والقيم أمان للتحليل واهتداء للتعليل، هذا الشاهد الغيبي.

الشاهد المكمل الثاني هو الشاهد العيني كما أسميه، أقصد به مراعاة السنن الجارية في التاريخ أو منطق التاريخ بعبارة ابن نبي، في مجريات أحداثه وهي متوالية الأسباب والمسببات التي وضعها الله في كونه سنة ثابتة لا تتغير، وذلك أخذا من دعوة القرآن الكريم إلى الدرس التاريخي قصد التأمل في المعادلات الحضارية عبر الأمم التي سردها لنا القرآن الكريم. وبالجمع بين العامل الغيبي والعامل العيني السنني يكتمل منهجنا في القراءة الحضارية لمنهجنا التاريخي الذي يكسبنا رؤية نقدية عميقة للتاريخ وخصوصا في مفاصل أحداثه الكبرى.

  • هل لا بد من تتبع جميع التفاصيل الكبرى التي حدثت في تاريخنا عبر هذه القرون الطويلة؟

لا، ليس لازما، يكفينا الوعي بمفاصل التاريخ وهو عبارة عن دعوة إلى وجوب التمييز المنهجي بين الأحداث الكلية النوعية ذات التأثير في الحركة التاريخية وبين الأحداث الجزئية المتفرعة عنها لنعتمد الأولى معايير التغيير النوعي في تاريخنا. كما يذهب إلى ذلك عماد الدين خليل وغيره.

نجمل قضايا تاريخنا في حدثين مركزيين إذا أردنا أن نطبق هذا المبدأ على تاريخنا، نجمل الأحداث المفصلية الكبرى المؤثرة في حدثين مركزيين: صدمتان خطيرتان مازالت آثار رجتهما تتفاعل في مخزون الأمة النفسي وذاكرتها الثقافية وواقعها الاجتماعي والسياسي والثقافي إلى الآن، وهما التحول السياسي المبكر للحكم الإسلامي من جهة والتحول الحضاري في نظام حياة الأمة وثقافتها بعد الاستعمار الغربي من جهة ثانية.

إذن حدثان مفصليان لهما ما لهما من آثار سلبية خطيرة، مازلنا نعيش آثار هذين الحدثين.

  • الحدث المفصلي الأول:

هو عبارة عن انقلاب على المسار الشورى المتنامي، ونشأ مما نشأ عنه تمزق تدريجي لكل الأمة. إذن حدث التحول في الحكم المبكر هو بداية تصدع كيان الأمة، بداية السقوط الحضاري وإن لم يظهر حينها، ظهر في الدولة الأموية والدولة العباسية إنجازات مهمة، إنجازات علمية، إنجازات حضارية، إنجازات تنظيمية حتى لا تنكر، لكن نتحدث أن السقوط الحضاري لا يأتي بغتة وإنما يأتي عبر أجيال. فالانحراف حين يقع لا يظهر أثره حينا وإنما يظهر بعد فترة، وذلك عند التأمل الآن إلى النتائج الوخيمة التي تراكمت على الأمة الآن ونعيش صدماتها ونعيش آلامها، يرجع الأمر إلى هذا الانقلاب الخطير. فلم يكن هذا التحول المبكر في الحكم، لم يكن مجرد تحول فوقي منحصر في أجهزة الحكم كما يصور البعض، أنه انحراف في أنظمة الحكم السياسي وكفى، بل هو تحول في القيم الحضارية المشكلة للبيئة الثقافية والسياسية والاجتماعية زمن النبوة والخلافة الراشدة.

أذكر على سبيل المثال هذه القيم لتي تغيرت تماما مع هذا التحول، مصادرة حق الاختيار، حق الأمة في اختيار من يحكمها، وما زلنا إلى الآن نعيش هذه الأزمة، هذا المشكل، لم يحل هذا المشكل، كما قال الشهرستاني: “أعظم خلاف في الأمة الخلاف في الإمامة”. العنف على المخالف، كيف عومل المخالف؟ بالعنف وبكل قساوة وشراسة، ثقافة التغلب، من تغلب على شيء فهو له، أخذه. نهب المال العام، إطلاق اليد للحاكم ليفعل في مال الأمة ما يشاء، تفكك الوحدة الفكرية والوحدة الجغرافية ولو لاحقا. ولذلك فنصوص الوحي التي يمكن أن تشكل غطاء نستهدي به في قراءتنا لهذه الأحداث، يمكن أن نذكر على سبيل المثال الحديث الصحيح في التحقيب النبوي لتاريخ الأمة، الحديث عند الإمام أحمد: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا…) إلى أن ذكر لنا خمس حقب: النبوة، الخلافة الراشدة، المكل العاض، الملك الجبري ثم الخلافة الثانية التي ستأتي في المستقبل. ثم حديث نقض عرى الإسلام: (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، أولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة). حديث الخلافة والملك: (الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك). هذه نصوص صحيحة معتبرة نستهدي بها، وهذا ما عنيته باعتماد عامل الإيمان بالغيب.

  • الحدث المفصلي الثاني: 

هو المؤثر سلبا في الأمة، في صناعة هذا السقوط الحضاري الذي عاشته الأمة ومازالت تعيشه، هو الاستعمار والتغريب. كانت الهجمة الاستعمارية على العالم الإسلامي صدمة قوية للمسلمين أيقظتهم من سبات انحطاطهم و تخلفهم عما كان يجري في أوروبا من تقدم صناعي و تفوق علمي و تنظيم سياسي و اقتصادي بحيث اندهش جيل من أبناء المسلمين و شعروا بالهزيمة النفسية أمام هذا النموذج الغربي المتفوق الغالب، فكانوا بذلك موضوعا ممهدا لعملية التغريب الممنهج، و هي التي غرست في الأمة قابلية انتحال نحلة الغالب بالتعبير الخلدوني، و غرست فيهم القابلية للاستعمار بتعبير ملك بن نبي، فاصطحبت هذه المدرسة هذا المفهوم، مفهوم الاستعمار بهذه الكيفية المؤثرة  في الأمة، في ثقافتها، في حياتها، في رؤيتها، في علاقتها بهويتها، اصطحبت معها مدرسة، تأسست مدرسة لتكون من أجل تحقيق هذا الهدف، لتكون جيلا من الوكلاء الذين سيتولون النيابة عن المستعمر بعد خروجه، و هذا الذي حصل. فهذه على كل حال معالم مجملة عن الصدمتين التاريخيتين التين أصيبت بهما الأمة ومازال أثرهما في الأمة ساريا، ومازال نزيفهما سائلا. ولا يتشكل الوعي التاريخي السنني النقدي المطلوب في استئناف النهوض الحضاري إلا بفهم واستيعاب تاريخ الأمة ومنجزاتها الكثيرة التي لا تنكر على ضوء الصدمتين التاريخيتين لنشكل بذلك المقدمة الشرطية لحل مفردات واقع أمتنا المعقد وفك ألغازه واستيعاب تناقضاته وإشكالاته.

ب) المعرفة الشرعية التأصيلية

أقصد بها أن الحديث عن استئناف النهوض الحضاري في العالم الإسلامي لا يتم إلا على أساس مرجعيتهم الدينية، لأن الحاجة الزمينة قائمة إلى المعرفة الشرعية المعيارية حتى تتمكن الأمة من تحصين و تمتين هويتها الذاتية الأصيلة من جهة و من التفاعل الإيجابي مع الحضارة المعاصرة  أخذا و نقدا، ثم التمييز بين معارف الوحي التأسيسية، و نحن نبحث عن تأسيس هذه المعرفة الشرعية المطلوبة، لا بد من التمييز بين معارف الوحي التأسيسية و المعارف الاجتهادية الزمنية التي أنشئت على هامش النص المؤسس و التي يسميها مالك بن نبي “مواريث صفين” و هي التراث المعرفي، ظلت تشكل هذه المواريث، هذا التراث المعرفي ظل يشكل بتراكمه في الأذهان و في الأعيان  على مدى قرون، يشكل عائقا معرفيا و منهجيا حضاريا في النهوض ، و لذلك وجب التمييز بين ما هو تأسيسي قرآني و ما هو اجتهادي زمني. فالاستنجاد بالتراث المعرفي في إدارة إشكالات وقضايا العصر يتحول إلى عائق منهجي وحاجز معرفي ما لم نميز في هذا التراث بين ثوابته ومتحولاته، بين معارفه ومضامينه وبين المناهج التي تم التوسل بها في إنتاج تلك المضامين، وهي تلك التي سماها طه عبد الرحمن ” الآليات الإنتاجية في التراث”، في إنتاج التراث، وهي التي تقوم بوظيفة التوسل، فالحاجة إلى اكتشاف المناهج الآن أكثر من الحاجة إلى المعارف نفسها. لذلك بات لازما أن نؤسس لإقلاعنا الحضاري معرفة شرعية تجديدية تتأصل بنصوص تأسيسية وتفيد من التراث المعرفي الإسلامي والإنساني بعين فاحصة ناقدة.

ج) المعرفة الإنسانية المعاصرة

ذلك أن القول بشرطية المعرفة الإنسانية في النهوض الحضاري هو مقتضى المعرفة التأصيلية نفسها، لأن تنزيل مقتضى المعرفة الشرعية في واقع الأمة الزمني يتوقف على جملة معارف و حزمة خبرات إنسانية يتوصل بها إلى تصوير أحوال الأمة كما هي في الواقع لا كما يتخيلها من يتخيلها، قبل تكييفها و الحكم عليها، لأن الحكم على الشيء  فرع عن تصوره كما يقرر المناطقة، فنظرا لتعقد و تشابك المناطات المعاصرة الآن و هو ما يدعو إلى ضرورة اعتماد الخبرة العلمية في مختلف التخصصات مثل علم الاجتماع ، التاريخ، علم النفس، الطب، الإحصاء، القانون، السياسة و غيرها، مما يمكن من استيعاب المناط المعاصر لنحسن تنزيل مقتضى الشريعة.

ثانيا: المعلم العملي لاستراتيجية النهوض الحضاري

هذا كل ما يتعلق بالمقوم العلمي أو المعرفي، أنتقل وبسرعة إلى المعلم العملي، المعلم العملي في استراتيجيات النهوض الحضاري وهي عبارة عن جملة أوراش عملية تشييدية إنجازية متكاملة تشكل في مجموعها مداخل إنجازية عملية لاستئناف النهوض الحضاري، لكنها منتظمة في سلك ورشين اثنين:

أ) الورش الأول: الورش العاجل

الورش العاجل وهو عبارة عن ورش البناء السياسي لمؤسسات الدولة. لا يمكن الحديث عن النهوض الحضاري الآن دون أن نعجل بهذا المطلوب وهو البناء السياسي لمؤسسات الدولة، لأننا لا نملك الدولة بمفهومها الحديث المعاصر، بمفهوم الدولة الأصيل، نمتلك دولا صورية، ولكن نحن نحتاج إلى البناء السياسي لمؤسسات الدولة.

موجب القول بأولوية البناء السياسي الدستوري للدولة في مجتمعات الأمة ثلاثة: موجب شرعي وتاريخي وواقعي، لأن هذا البناء السياسي لمؤسسات الدولة أولا هو مقتضى شرعي، ولنا من النصوص والمقاصد ما لا نكاد نحصيه، ولا مجال لاستعراض ذلك. وأنه موجب تاريخي لأن أول صدمة تلقتها الأمة هو انهدام الدولة المؤسسة، الدولة الديمقراطية الشورية، لذلك أول مشكل حدث في الامة مشكل الدولة، مؤسسة الدولة، انهارت في وقت مبكر، إذن فما انهار ينبغي إعادة بنائه. ثم أنه ضرورة واقعية الآن، الأمر لا يحتاج إلى بيان.

واجهة بناء تحالف مجتمعي داخلي، هذا ورش عملي مهم هو أن نبني تحالفا مجتمعيا داخليا لنتجاوز حالة التفكك، لأن واقع الأمة تم تجزيئه مرتين: الأولى بتجزئة الوطن الإسلامي وفق معاهدة سايسبيكو الاستعمارية إلى دويلات قطرية، هي التي نعيش الآن، الثانية هي تجزئتها داخل تلك الأقطار بالإيديولوجيات و الإثنيات و الطائفية و المذهبية وغيرها من التناقضات التي صنعت داخل هذه المجتمعات المجزأة جغرافيا الشيء الذي جعل الأمة تعجز تماما عن حسن تدبير هذه الاختلافات فلزم ابتداء إعادة بناء هذه الأمة في صيغة مجتمعات موحدة داخل أقطار التجزئة انطلاقا مما تعيشه هذه المجتمعات من واقع الاختلاف، فبناء توافق و تحالف مجتمعي  مطلب شرطي لازم للبناء الدستوري المجتمعي، و بدونه يتعذر البناء المطلوب للدولة و تضيع  الحقوق الكبرى للجميع، لأنه مهما اختلفنا يوجد المشترك بيننا و يجب السعي إلى تنميته و توسيع هذا المشترك.

ابن تيمية يقول: “كل اجتماع في العالم لا بد فيه من التحالف” وهو الاتفاق والتعاقد على ذلك، فكيف نغفل عن هذا القانون الإلهي في المجتمع البشري؟ بناء دستور جامع من أوجه بناء الدولة و اللبنة الأساس هو بناء دستور جامع يتضمن المبادئ الأساسية للحقوق، للواجبات و على رأسها كلية الشورى تأسيسا للسلطة و تدبيرا لها، لتستعيد الأمة، هذا الأساس، النظم من الدستور حق الأمة المقدس المغتصب في اختيار من يحكمها و في عزله عند الموجب، و تحديد صلاحياته و مدة ولايته و تجريم الفساد و تجريم الاستبداد و تجريم الانقلاب على الشرعية و تحييد المؤسسة العسكرية و إقرار مبادئ العدالة و الحرية و الكرامة و المساواة أمام القانون، على أن يتم التنصيص على مصدرية التشريع إلخ، و إجرائيا، من الناحية الإجرائية، إقرار هذه الوثيقة لا ينبغي أن يتم إلا من خلال حوارات موسعة و منظمة، مبرمجة للمناقشة العلنية لمضامينها، ثم تأتي مؤسسات اسراتيجية  لا بد من بنائها، مؤسسة القضاء التي نراعي فيها عدالة القضاة قبل عدالة المنظومة القضائية، ثم المؤسسة العسكرية التي ينبغي إعادة بناء عقيدتها المنحصرة في الجهاد بمفهوم الحماية، حماية الوطن من الاعتداء الخارجي و ليس حماية العشائر و الأشخاص.

المؤسسة الأمنية، إعادة بناء مؤسسة الأمن الداخلي بجميع فروعه وتخصصاته على قاعدة حفظ كلية من كليات الشريعة وهي أمن المجتمع بأفراده ومؤسساته وصيانة كرامة المواطنين وحرمة ضربهم وإهانتهم وقتلهم أو تهديدهم، بمعنى أن نعيد بناء عقيدة هذه المؤسسة المهمة الاستراتيجية، أن تتحول من حماية الأنظمة الفاسدة، من حماية المجرمين، من حماية المفسدين، إلى حماية المجتمع أفرادا ومؤسسات.

ثم المؤسسة التعليمية، ويكفي أن أقول إن التربية كما يقول عمر عبيد حسنة: “أن التربية هي التنمية” بكل ما تعنيها، ولذلك فهي أولوية في البناء الاستراتيجي لمستقبل الأمة، إعادة بناء المنظومة التربوية التعليمية على أسس قيم الشريعة ومقاصدها، والحكمة البشرية في البيداغوجيا الحديثة من حيث جودة المخرجات ومراعاة الكفايات وطرق التدريس الحديثة وبناء محتويات تعليمية جاذبة للمتعلم، منمية لمهاراته لما يستجيب لحاجيات المجتمع الآنية ومتطلباته المستقبلية. ثم المؤسسة الإعلامية وما أدراكم ما المؤسسة الإعلامية، ينبغي إعادة بنائها علميا وفنيا ومهنيا وخلقيا وتربويا بحيث تكون التربية والتعليم قضيتها الأولى وبمقتضى هذه القضية الأصل تصرف منتجها الإعلامي والفني إلخ. ثم مؤسسة الأسرة وهو الحصن الحصين والبرج الاستراتيجي لحفظ قيم هوية الأمة وتأمين نقل القيم وإكسابها للناشئة عبر الزمن.

فبناء مؤسسة الأسرة على قواعد سليمة تمكنها من وظيفتها في تنمية المجتمع والإسهام في النهوض الحضاري أمر حتمي لازم وشرط يتوقف عليه البناء.

ثم أنتهي إلى مؤسسة العلماء والدعاة، وما أدراكم ما مؤسسة العلماء والدعاة، من أخطر وأقوى مؤسسات المجتمع، هي هذه المؤسسة، فهي صمام الأمان للمجتمع، فهي مؤسسة البيان والتبليغ والنصح والتقويم، فيعاد بناؤها في سياق البناء الاستراتيجي للمجتمع في مستويين: على مستوى البناء وعلى مستوى الأداء على مستوى البناء أقصد إعداد مؤسسات مؤهلة لتخريج علماء أكفاء علميا وتربويا ودعويا، قادرين على الوراثة النبوية بحق، هذا هو الأصل في مهمة العلماء. المستوى الثاني هو مستوى الأداء، وهو أن يمكن العلماء من أداء فاعل وفعال لوظيفتهم المجتمعية بتحرير مؤسساته من أي هيمنة سياسية أو مالية لمؤسسات أخرى. فمؤسسة العلماء ينبغي أن تحافظ على استقلالها الإداري واستقلالها المالي لتمتلك حرية الكلمة وإلا فسلام على العلماء وعلى الدعاة.

الورش الاقتصادي وهو الأساس المادي الحيوي للمشروع الحضاري للأمة من حيث إسهامه في إعمار الأرض حسب مقتضى الاستخلاف، فهذا البناء الاقتصادي ينبغي أن يتأسس على أمرين اثنين: العمل على توفير الحاجات الضرورية لحياة الإنسان من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ومنكح ومركب وغيرها مما يمكن أن يتعدد ويتنوع بحسب الأمكنة والأزمنة. الأمر الثاني هو العمل على توفير حاجات الكفاية للإنسان لتأمين قدرته على الإعمار، وينضبط هذا الاقتصاد بالتوافق مع سنن التسخير حتى لا تنفلت الحركة الاقتصادية في اتجاه الاخلال بالتوازنات كما يحدث الآن في ماكرو الاقتصاديات العالمية الآن التي أخلت بكل التوازنات البيئية وغيرها. الضابط الثاني وهو مراعاة وظيفة العبودية للإنسان فهو للعبادة خلق ولم يخلق عجلة من عجلات الاقتصاد ولا عاملا من عوامل الإنتاج ولا دابة تأكل وتتمتع كما تشتهي. ثم استثمار نظام الوقف الإسلامي بعد مراجعته وتخليصه من سوء تنظيمه وتدبيره.

ب) الورش الثاني: الورش الآجل

الورش الآجل وهو الأخير يتضمن ورشين كبيرين:

 – أولهما ورش بناء وحدة الأمة وهو الورش الاستراتيجي الحيوي والمآل الطبيعي لنجاح الورش العاجل وهي مسؤولية تاريخية حضارية لاستعادة هذه الوحدة الجماعية التي ضاعت في التاريخ منذ زمان.

كيف نستطيع أن نعيد هذا الواجب الحضاري في وحدة الأمة؟

نحتاج إلى جملة شروط أذكرها: بناء نظام سياسي شوري جامع وفق الصيغة المناسبة، بمعنى وحدة الأمة ليس لها صورة نمطية محددة، نرتضي أي صيغة مناسبة، المجال مفتوح للاجتهاد، ليس هناك وصفة جاهزة يمكن أن يفرضها أحد علينا، بناء تربوي و سعي جهادي، يتطلب الأمر نظم الاختلاف في سلك الائتلاف، يتطلب الأمر الوعي الإيجابي بعلل التفرق و موانع التوحد، الوعي بمنشإ الخلاف و عوامل إدامته، الوعي بواقع التجزئة الموروث، يجب أن نعي بهذا، الوعي بالكراهية الطائفية المتفشية فينا و خطورتها، تحكيم المرجعية المشتركة و تصحيح الأخطاء.

 – الورش الثاني في هذا الورش الآجل وهو ورش بناء تحالف إنساني عالمي وبه أختم، بناء تحالف إنساني عالمي، القول بدعوة الأمة الإسلامية إلى السعي لتحالف عالمي وقيادته ليس من باب النزعة المصلحية ولا من باب شهوة الهيمنة على العالم وإنما هو مقتضى واجب حضاري إنساني تقوم الأمة بموجبه بخدمة الإنسان. هذا هو الدفاع عن التحالف العالمي.

ما الغرض من التحالف الإنساني؟

هو أن نخدم الإنسانية، بهذا الغرض والدفاع عن الإنسانية دون مقابل، دون مقابل نهب أو استعمار كما هو ديدن الحضارة المعاصرة وذلك في الزمن الذي اشتدت فيه الحاجة الإنسانية المعاصرة لنظام عالمي جديد، الجميع ينادي به، الجميع يصيح: نحتاج لنظام عالمي جديد يؤسس للتعارف والتعاون بين الإنسانية بدل التقاتل والتنافس المهلك، فالإنسانية المعاصرة في حاجة إلى إعداد ميثاق إنساني جديد تشارك في صياغته جميع الدول، يكون هو ميثاق المخالقة الإنسانية بعبارة طه عبد الرحمن، التي لا تتقيد بوطن معين ولا بدولة محددة. فالامة الإسلامية هي المؤهلة لقيادة هذا التحالف الإنساني الحضاري ولكن متى؟ إن اصطلحت مع ذاتها واستجمعت قواها وفق الشروط السابقة الذكر لتنجز في هذ التحالف جملة أولويات منها أولوية العدل، أولوية حفظ الحرية الإنسانية، أولوية التعارف والتعاون، أولوية السلم العالمي والحمد لله رب العالمين. أرجو أن أكون قد أفدت وألا أكون قد أطلت.

في الحلقة المقبلة ننشر فقرة التساؤلات والردود

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.