منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اللغة العربية بين الوجود و النفوذ

اللغة العربية بين الوجود و النفوذ / الدكتور إدريس مقبول

0

اللغة العربية بين الوجود و النفوذ

للدكتور إدريس مقبول

في مشاركة له في المؤتمر العلمي الدولي الأول الذي نظمه مركز يوسف بن تاشفين للدراسات والأبحاث من أجل اللغة العربية في موضوع: “اللغة العربية، التحديات وٱفاق المستقبل”، في جلسته العلمية الثانية التي أطرها ثلة من الدكاترة والأساتذة الباحثين من 6 دول، وذلك يوم الأحد 27  يونيو 2021 في الساعة 18:30 بتوقيت المغرب(GMT+1) إلكترونيا؛

تناول الدكتور إدريس مقبول مدير مركز ابن غازي للأبحاث و الدراسات الاستراتيجية موضوع “اللغة العربية بين الوجود و النفوذ”.

و قد بسط مداخلته في النقاط التالية:

  • قضية اللغة العربية قضية وطنية تحررية مرتبطة بالوعي:

بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، طاب مساؤكم جميعا، في البداية أشكر القائمين على مركز ابن تاشفين على هذه الدعوة الكريمة لهذا المؤتمر العلمي، أرجو لملتقاكم هذا النجاح و التوفيق.

موضوع كلمتي هو: “العربية بين الوجود و النفوذ”، طبعا أريد من خلال هذه الكلمة أن أقول بأن المسألة اللغوية، و تحديدا المتعلقة باللغة العربية، ليست قضية لسانية أكاديمية محضة ترتبط بالمختصين أو ذوي الاختصاص اللغوي فقط بل هي قضية وعي، قضية وطنية تحررية تهم كافة المواطنين مهما تعددت و تنوعت انتماءاتهم السياسية و مشاربهم الثقافية و الفكرية، لهذا من هنا يكتسب هذا الموضوع أهميته.

  • النفوذ و الوجود و مسمى حرب اللغات:

لعل العنوان ينتمي حسب أفق التلقي الأول، النفوذ و الوجود، لمجال الاستراتيجيا و مجال الصراعات الدولية و بالفعل كذلك حقيقة لا مجازا لأنه يجري بين اللغات. في واقع الأمم و المجتمعات حروب شبيهة بما يجري من حروب عسكرية كما سماها جون ويكالفي اللساني الفرنسي الذي عاش في الجزائر من خلال كتابه الشهير “حرب اللغات”، هي حروب تنتهي بتدمير طرف لطرف آخر، و تمدد قوة على حساب قوة أخرى، و انحسار نفود كيان سياسي لصالح كيانات أخرى أقوى، كما يجري أيضا بناء علاقات فوقية هيمنية و استغلالية و عنصرية لغوية في ميادين التدافع بين الألسنة، هي انعكاس لمواقف عدوانية سابقة.

  • النفوذ اللغوي و علاقته بالدولة:

في نهاية القرن الرابع الهجري و أيضا الخامس الهجري سنجد الإمام ابن حزم الأندلسي الفقيه و اللغوي و الأصولي أيضا في كتابه الشهير “الإحكام في أصول الأحكام” يتحدث عن قاعدة غاية في النفاسة، هي قاعدة النفوذ اللغوي و يحللها بطرقة غاية في الذكاء يبين من خلالها  كيفية اضمحلال اللغات و تلاشيها أو موتها، الموضوع الذي استأثر باهتمام اللسانيات الاجتماعية الحديثة، نجد الإمام ابن حزم الفقيه الذكي يقول بأن اللغة يسقط أكثرها و يبطل بسقوط دولة أهلها و دخول غيرهم عليهم في مساكنهم أو بنقلهم عن ديارهم و اختلاطهم بغيرهم. و إنما يقيد لغة أي أمة و علومها و أخبارها قوة دولتها و نشاط أهلها و فراغهم، و أما من تلفت دولتهم و غلب عليهم عدوهم و اشتغلوا بالخوف و الحاجة و الذل و خدمة أعدائهم فمضمونٌ منهم موت الخواطر و ربما كان ذلك سببا لذهاب لغتهم. خلاصة ما يذهب إليه ابن حزم في هذا النص النفيس الذي يعكس وعيا متقدما جدا، وعيا استراتيجيا و سوسيولسانيا أن قوة اللغة هي من قوة أهلها، و هذا من نتائج الدراسات اللسانية الاجتماعية الحديثة اليوم.

  • قوة اللغة و العامل الديمغرافي:

في اللسانيات الاجتماعية يتحدث اللساني الكندي وليام فرنسيس مكاي عن القوة، قوة اللغة الذاتية، تارة يسميها بالقوة الفطرية و يقصد بها أهمية اللغة لدى المتحدثين بها و حجم الجماعات التي تتكلم بها و مدى الإنتاج الثقافي الفكري الاقتصادي السياسي و تنوعه الذي يعبر عنه باللغة. من عوامل هذه القوة نجد العامل الديمغرافي الذي يتكلم باللغة، هناك ما يصل تقريبا إلى أربعمائة و عشرين مليون شخص في العالم يتحدثون العربية. عدد المتحدثين الأصليين باللغة الإنجليزية أقل من ذلك، حوالي ثلاثمائة و تسعة و سبعين مليون شخص، لكن رغم ذلك نجد أن الإنجليزية رغم تأخرها العددي فيما يتعلق بالمتحدثين الأصليين إلا أننا نجد أن هناك متحدثون غير أصليين يتحدثون بالإنجليزية و يبلغ تقريبا تعدادهم سبعمائة و ثلاثة و أربعين مليون شخص.

  • هيمنة اللغة و بواعث الاختيار المجتمعي:

اقتصاديا توجد اللغة و تهيمن اللغة بقدر ما تنتشر في ميادين الحياة، بقدر ما تشارك في الحياة، في حركية الأسواق الاقتصادية، المعاملات التجارية، في الجامعات، في المجال الثقافي، في اقتصاد المعرفة، كم تنتج و تبدع و تنشر في الإعلام و في الوسائل الرقمية من مواد. هناك قاعدة تقول بأن قوة اللغة، أي لغة ترتبط بقوة الأسباب و الدوافع التي تحمل الجمهور على تعلم هذه اللغة و على استعمالها باعتبارها اللغة الفرصة و اللغة الأقوى التي تختارها النخب العلمية باعتبارها أيضا تتيح لها قدرا أكبر من الإمكانات و من الفرص و تؤمن لها إعادة إنتاج سيطرتها في مجال الاقتصاد، في مجال السياسة، و هو ما نجد شرحه لدى بيير بورديو في عدد من دراساته و أبحاثه.

  • انتشار اللغة و نظرية العجز اللساني:

هناك جانب لا نريد أن نطيل فيه، و قد سبق لنا و تكلمنا فيه في مناسبات سابقة و هو نظريات العجز اللساني التي تفسر أيضا انتشار اللغات انطلاقا من الميل النفسي لتغطية مركبات النقص لدى بعض المجتمعات بتعاطي لغة القوي كشكل من أشكال التعويض. لا بد أن نذكر بأن اللغات المسيطرة في العالم اليوم قد سيطرت بسبب التاريخ، تاريخ عنيف، تاريخ من الاستعمار حيث قام الاستعمار بفرض هذه اللغة و بخلق اتجاهات سلبية تجاه اللغة الأمة، اللغات المحلية للبلدان المستعمرة و وصفها بأوصاف قدحية، بالبربرية و بالغباء، ارجعوا إلى كتاب بول مارتي على سبيل المثال، الكومندو بول مارتي الذي عاش في المغرب و هو أحد مهندسي السياسة اللغوية في المرحلة الاستعمارية، يقول بأن  العربية هي عامل من عوامل نشر الإسلام و لأن هذه اللغة يتم تعلمها بواسطة القرآن بينما تقتضي مصلحة فرنسا أن نطور البربر خارج إطار الإسلام، هكذا يقوا بول مارتي، من الناحية اللغوية علينا أن نعمل على الانتقال مباشرة من البربرية إلى الفرنسية و لذلك نحتاج إلى أشخاص عارفين و متقنين للبربرية، و على ضباطنا في الاستخبارات أن يأخذوا بكل جدية في دراسة اللهجات البربرية.

  • أثر الاستعمار في تهميش اللغات المحلية:

المشروع الاستعماري يفصح عن نفسه و عن استراتيجيته في هذه الحرب الناعمة. إذا ما تحولنا إلى إفريقيا، في غالبية دول إفريقيا التي كانت خاضعة للاستعمار حتى بعد تخلص الكثير من هذه الدول في إفريقيا من الاستعمار فإنها ماتزال تقدم لغة المستعمر على لغتها المحلية لأنها ترى فيها مجالا للتطور و للمفاخرة و الحصول على الوظائف في المجتمع، في حين أن اللغات المحلية و القومية يتم الاستخفاف بها و النظر إلي المتكلمين بها بازدراء و بانتقاص. إذا أخذنا المغرب على سبيل المثال سنجد أن اللغة العربية تكاد تنحصر في  مجالات ضيقة و مهمشة حتى تكاد تكون لغة الدين فقط و التعليم في نطاق أدبي محدود، في الوقت الذي تحتل فيه الفرنسية لغة الاقتصاد، المحاسبة، الدبلوماسية، الآداب، الدعاية، و كثير من الأنشطة أو من المناشط الحيوية، اليوم يتم إقرار الفرنسة، فرنسة كافة المواد العلمية في النظام التعليمي المغربي مع العلم بتخلف الفرنسية في ميادين العلوم بشهادات أهلها.

  • ضوابط تثبيت الوجود و النفوذ اللغويين:

نحتاج أن نذكر بأن اللغة لكي يكون لها وجود، و موضوعنا هو الحديث عن الوجود و النفوذ، و يكون أيضا لها امتداد في الوقاع العالمي على الأقل يجب السعي من أجل تأمين حماية للغة إقليميا و عمليا عبر سن قوانين و عبر ترسيخ استعمالها رسميا و شعبيا. أذكر هنا، على سبيل المثال، أن هولندا قامت في الآونة الأخيرة بحملات جدية للحفاظ على لغتها، كانت لديهم مخاوف بشأن انحصار اللغة الهولندية فقط في المنازل بينما لغة العمل و لغة العلم و التكنولوجيا هي الللغة الإنجليزية، فقاموا لحماية لغتهم المحلية رغم أن المتحدثين بها  هم قياسا إلى الشعب الهولندي قلة. فاللغة تموت حين يبدأ الشعب باستعمال لغة أخرى إلى جدانب لغته الأم فيصبح الشعب ثنائي اللغة يبدأ التحول التدريجي إلى الاهتمام باللغة الأجنبية و الولاء لها و التأثر بثقافتها خصوصا إذا كان هناك برامج موازية تعمق قيم المستعمر في نفوس المجتمع و ترفع من قيمة هذه القيم التي ترتبط باللغة في الوقت الذي تشن هجوما على القيم المحلية و تستخف بقيم الأصالة، لأن اللغة في النهاية لسيت مجرد وعاء شفاف للتواصل، اللغة هي قيم و هي ثقافة و هي مضمون رمزي و نفسي و تاريخي و روحي لتكون في النهاية النتيجة أما هذا الوضع الخطير أن يتخلى الناس عن لغاتهم المحلية و لغاتهم القومية لصالح لغات المستعمر، مستعمر الأمس.

  • الذات الحضارية و الاستقلال اللغوي:

في الختام أذكر بأن الخروج من مجرد الوجود إلى تحقيق النفوذ يتطلب إيمانا و ثقة و اعتزازا بما نسميها الذات الحضارية، لأن الهزيمة النفسية هي أشد أنواع الهزائم، كما تتطلب أيضا سياسة تنموية مستقلة و دامجة للغة في شرايين الحياة السياسة و الاقتصادية و العلمية لأننا إذا لم نستقل اقتصاديا و يستقل قرارنا السياسي السيادي فلا رجاء في استقلالنا اللساني و اللغوي. شكرا لكم على اهتمامكم و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.