منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العربية بين الأزمة وسُبل التجاوز

0

شاع القول بأن اللغة ما وُجدت إلا لتسهيل التواصل، وهو قول ـ رغم صوابه ـ غدا مبتذلا أو شبه مبتذل. لا ننكر الوظيفة التواصلية للغة، لكننا سنذهب في هذا الحكم إلى أقصى مداه، فنقول إن التواصل الذي تؤديه اللغة ـ العربية تحديدا ـ هو تواصل عابر للأجيال متجاوز لحدود الزمن، كيف لا وبين أيدينا تراث قرون وأزمان متطاولة نقرؤه ونتفاعل معه؟ بل لدينا حضارة عظيمة لا نستطيع التواصل معها إلا من خلال اللغة العربية. هذا هو مفهوم التواصل الأليق بلغة كلغتنا؛ التواصل في أوسع تجلياته، في بعده الحضاري والثقافي والفكري، وليس التواصل الشفهي الضيق الذي شاع وابتُذِل بين الناس. واليوم أصبحت العربية – التي كانت ذات يوم لغة العلم والفكر والحضارة- أصبحت لغة تعاني التهميش والإقصاء، ليس من أعدائها بل من لدن أبنائها والناطقين بها، لغة من الدرجة الثانية أو الثالثة او ما شئت من الدرجات أو الدركات، وليس بعيدا أن يكون هذا التهميش والإقصاء مقصودين لقطع صلة أبناء العرب والمسلمين بماضيهم وتاريخهم وحضارتهم، ولن تستطيع قطع صلة قوم بتراثهم إلا من خلال تدمير الأداة الوحيدة التي يستطيعون بها التواصل مع ذلك التراث؛ إنها اللغة. ولعله من الصادم أن نجد بين طلابنا في التعليم الثانوي التأهيلي تلاميذ لا يستطيعون تركيب جملة مفيدة، بل هناك من لا يستطيع حتى قراءتها، ناهيك عن فهمها أو تأويلها. هذا الواقع المر يدفعنا إلى التساؤل: ما الذي يجري؟ وإلى أين نسير بلغتنا؟

سؤالان ثقيلان لن نستطيع الإجابة عنهما في مقال قصير، لكننا سنقارب المسألة من زاوية محددة لن نُجاوزها.

الخطاب الرسمي في مسألة اللغة خطاب مزدوج/ منفصم، فهو من جهة يؤكد على أن اللغة الرسمية للبلاد هي اللغة العربية، ومن جهة اخرى يكرس لهيمنة اللغة الفرنسية على حساب العربية، وليس جديدا أن نقول إن اللغة الرسمية في أغلب المؤسسات العمومية هي الفرنسية وليست العربية كما يفترض أن يكون، وتكفي زيارة خاطفة لإحدى هذه المؤسسات للتأكد من ذلك. أضف إلى ذلك دعوات تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية وما تحمله هذه الدعوات من تبخيس للعربية، وتقليل من شأنها أمام لغة بينت التجربة قصورها عن احتواء العلوم أمام اللغات الأخرى ومن بينها العربية. وإذا تأملنا المقررات الدراسية نجدها بدورها تبين ازدواجية الخطاب الرسمي بخصوص اللغة، لأنها مقررات أقل ما يمكن أن يقال بشأنها أنها تضعف المَلَكَة اللغوية عند المتعلمين وليس العكس، هي مقررات مكتوبة باللغة العربية لكنها ليست لتدريس العربية، والفرق كبير وجوهري بين الأمرين، فرق كبير بين أن تؤلف مقررا لتدريس اللغة العربية وبين أن تؤلف مقررا كل صلته بالعربية هي أنه كُتب بحروفها، نحن ندرس أبناءنا جسد العربية وهيكلها فقط، أما روحها فذلك شيء آخر ما نزال بعيدين عنه للأسف، مقرراتنا – بهذا الشكل الذي هي عليه اليوم – تولد في نفوس التلاميذ الذين يميلون إلى هذه اللغة ويحبونها ويجدون في أنفسهم بعض الميل إليها شعورا بصعوبتها وغموضها وتعقيد قواعدها، والنفس بطبيعتها تميل إلى السهل اليسير وتنفر من الصعب الغامض. أما التلاميذ الذين لا يجدون في صدورهم أي عاطفة تجاه العربية فمقرراتنا لا تزيدهم إلا بعدا ونفورا.

كنت وما أزال أجد نفسي أفكر دائما في سبب عزوف تلاميذنا عن اللغة العربية ، والسؤال الكبير يجثم على فكري: لِمَ ينظرون إلى لغتهم بهذه النظرة التي فيها الكثير من الاحتقار والكثير من الدونية؟

سؤال أرهقني كثيرا وأعياني البحث عن جواب شاف له، وكلما عنَّت ليَ الإجابة وجدتها ـ بعد التمحيص وتقليب الفكرـ إجابة غير شافية وغير مقنعة. لكنِّي حاولت البحث عن العلة وموطن الداء من وجهة نظر رجل مشتغل بالحقل التعليمي والتربوي، وإن كانت الأسباب والعلل كثيرة ومتداخلة ـ منها ما ينتمي إلى خارج المنظومة التعليمية نفسها ـ تجعل مهمة تشخيص السبب الرئيس صعبة جدا، ومعالجة المرض لن تتم إلا من خلال القضاء على السبب نفسه، فإن تعذرت معرفة السبب تعذر العلاج.

من الواضح لدينا – نحن المشتغلين بالتدريس – أن التلاميذ أصبحوا يتعاملون مع المواد المُدرَّسة بعقلية نفعية مادية بحثة، بعيدة كل البعد عن أية جوانب أخرى نفسية وثقافية وحضارية وغيرها على الرغم من أهمية هذه الأخيرة، ومن هذا المنطلق النفعي أصبح التلاميذ يولون أكثر اهتمامهم وأغلب جهدهم إلى المواد ذات المعاملات المرتفعة، أخص بالذكر هنا تلاميذ التخصصات العلمية، لأن هذه الفئة ـ ويا للمفارقة ـ هي التي بينت التجربة العملية إيجابيتها وتفاعلها نسبيا مع المواد الأدبية وتحديدا اللغة العربية، لكن ارتفاع معاملات المواد العلمية صرفهم عنها، وجعلهم يضعون لغتهم في مرتبة ثانية بعد المواد العلمية.

ولعل أهم شاهد على صحة ما نقول هو ما نراه بالنسبة لتلاميذ السنة الثانية باكالوريا تخصص علمي، فمن منطلق العقلية النفعية التي بينَّا أصبحت هذه الفئة من التلاميذ لا تعير أي اهتمام للغة العربية، بل تعتبرها حملا وثقلا ينبغي التخلص منه خاصة في الشهور القليلة الأخيرة التي تسبق الامتحانات الإشهادية الوطنية، لأنها ترى في الساعتين المقررتين لها كل أسبوع مضيعة لوقت ثمين هي في أمسِّ الحاجة إليه. قد يحتج أحدهم ويقول إن دور المدرس ينبغي أن ينصب على توليد الدافعية والحافزية لدى هؤلاء التلاميذ وجعلهم يتفاعلون إيجابيا مع المادة، لكن مهلا أيها الزميل قبل أن تندفع في إطالة الكلام النظري عن طرائق التدريس والمدرس الفعال وكل هذا الكلام، أجبني عن هذا السؤال: كيف ستولد الدافعية لدى تلميذ يحضر حصص المادة بجسده فقط، خوفا من التسجيل في لوائح الغياب وما يتبع ذلك من إجراءات عقابية؟ كيف ستولد الدافعية لدى تلميذ ينظر إلى الدرس بعين وعينه الأخرى تحاول التلصص على دفتر الرياضيات أو الفيزياء ـ المادتين اللتين تحظيان بالحظوة والاهتمام لدى التلاميذ بسبب ارتفاع معاملاتها؟

إن محاولات توليد الدافعية لدى هؤلاء التلاميذ ستنجح في حالة واحدة هي عندما يَشْرُدُ الأستاذ بتلامذته عن دروس المقرر، ويفتح نقاشا جديدا محببا لدى التلاميذ، وهذا الخروج قد يُبعد الأستاذ عن تخصصه الاصلي ويجعل منه شخصية ورقية تميل مع رغبات التلاميذ حيث مالت، وسيخرج به عن دائرة الالتزام بالتوجيهات التربوية ما سيعرضه للمساءلة. أما الشعب الأدبية فحالها مع العربية أشد بؤسا.

ما العمل إذن ؟ أنتعامل مع الوضع الراهن بسلبية ونردد عبارة يبقى الحال على ما هو عليه أم أن من واجبنا التدخل للفعل والتغيير؟ في تقديري إن أهم خطوة لإعادة العربية إلى مكانتها التي كانت عليها، هي أن تعيد الوزارة الوصية النظر في نظام المعامِلات مادام التلاميذ يتعاملون مع المواد من منطلق نفعي، لأن الدافعية لا يمكن أن تتولد في نفوس أبناء هذا الجيل إلا من خلال مداعبة الجانب النفعي في نفوسهم، أي من خلال رفع معاملات مادة اللغة العربية في جميع الشعب، وأنا أستغرب كيف يكون معامل مادتي الرياضيات والفيزياء سبعة ولا تُعامل العربية بالمثل. بهذه الطريقة سنعيد أبناءنا إلى حضن لغتهم، وسنجعل منها همَّا يؤرقهم ويدفعهم إلى البحث والقراءة والمطالعة والنقاش والسؤال.. وبعد توليد هذه الدافعية الخارجية في جانبها المادي سيبدأ دور الأستاذ، وسيكون أمامنا ـ نحن المدرسين – دور أعظم وهو توليد الدافعية الداخلية لدى المتعلمين، وتحبيب اللغة إلى نفوسهم، وجعلهم يقفون على عظمتها وتفردها ببراعة تراكيبها ودقة ألفاظها وإحكام قواعدها، وجعلهم يدركون أن لغتهم لا تقل أهمية عن باقي اللغات بل سيدركون أن لغتم هي أفضل اللغات على الإطلاق ـ وهي كذلك ـ وذلك لن يتأتى إلا بمناهج قوية ورصينة، وهنا سنعود للحديث عن دور آخر للمؤسسات الرسمية وهو دور يتعلق بتجويد المقررات من خلال العودة إلى روائع التراث وانتقاء الأصلح والأنفع و الأجود منها، على ألا ننقطع عن مواكبة مستجدات الحاضر من نظريات علمية وأدبية واختيار الأصلح والانفع منها لأبنائنا.

إن دورنا لا يقتصر على إعطاء الدروس بطريقة آلية روتينية، وانتظار آخر الشهر لصرف الراتب الشهري، فهذا دور سلبي جدا سيجمد عقولنا قبل أن يجمد عقول أبنائنا، دورنا هو البحث والتحصيل والقراءة وتطوير ذواتنا كل ذلك من أجل ربط أبنائنا بلغتهم وردم تلك الأودية السحيقة والخنادق العميقة التي تحول دونهم ودونها وتحول ـ وهذا هو الأخطرـ دونهم ودون ماضيهم وتراثهم وحضارتهم.

إن طرائق الاشتغال كثيرة وسبل إغراء التلاميذ بلغتهم كثيرة أيضا، وهنا لا بد من إتاحة الفرص أمام الأساتذة ليفجروا طاقاتهم الإبداعية بين تلامذتهم، لا بد من إعطاء الأستاذ هامشا أوسع من الحرية في التعامل مع المقررات ومع البرامج والتوجيهات، ولابد من الاحتفاء بهذه اللغة الجميلة عن طريق تنظيم المسابقات الثقافية واللغوية، والتشجيع على تعلمها، وتفعيل دور المكتبات المدرسية والمكتبات العمومية ومكتبات الأحياء، وعلى الإعلام أن يتحمل مسؤولياته في هذا الجانب بعد أن عبث كثيرا بهذه اللغة بقصد أو بغير قصد، وأن يكفِّر عن سنوات عجاف قضاها في صرف الناس عن هويتم ولغتهم.

ولن ندَّعي أن ما قلناه هو عين الصواب، ولكنها وجهة نظر رأينا أن نتقاسمها مع من يحمل مثل الهم الذي نحمل، ولا بد للمصدور أن ينفث.

والسلام

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.