منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اللـغـة العـربية؛ لغة القرآن، لغة الثبات والصمود

اللـغـة العـربية؛ لغة القرآن، لغة الثبات والصمود / الدكتور أحمد الإدريـسي

0

اللـغـة العـربية؛ لغة القرآن، لغة الثبات والصمود.

الدكتور أحمد الإدريـسي

 

اللغة العربية هي لغة القرآن فهي اللغة التي اصطفاها الله عز وجل من بين جميع اللغات لتكون لغة كتابه العزيز الذي فيه عزة الأمة، وعزة كل أمة في عزة لغتها.

وهي من أغنى اللغات بالمفردات، مما يساعد المسلم والمثقف العربي التعبير عن كل ما يريد بسهولة مطلقة، ولا أدل على ذلك كثرة المفردات التي تغص بها المعاجم اللغوية. فهي إذن لغة كثيرة المترادفات متنوعة الأساليب والعبارات فيها الحقيقية والمجاز والتصريح والكناية.

وقد شبّه الشاعر حافظ إبراهيم اللغة العربيّة ببحرٍ واسعٍ؛ حيث يَجِد المُتأمِّل في مكنوناتها كلّ ما هو ثمين، وأشار إلى أنّ اللغة العربيّة أخذَها الخَلَف عن السلَف بالرواية، فقال[1]:

المزيد من المشاركات
1 من 22

أيهجرُني قومي عفا الله عنهمُ ** إلى لغةٍ لم تتَّصل برواةِ.

ثم كُـتب لها بفضل الله وبفضل الإسلام أن تتحول من لغة الأشعار إلى لغة الأفكار وأن تصبح لغة الشرع والعلم وأصبحت اللغة التي ترجم منها واليها المؤلفات العلمية والأدبية والفلسفية والتاريخية.

أولا: اللّغة العربيّة لغة القرآن الكريم؛

سُمّيت اللّغة العربيّة بلغة القرآن والسُنّة، وقال تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)[2]. وقال عز من قائل: (قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)[3]. قال ابن كثير: (أي هو قرآن بلسان عربي مبين لا اعوجاج فيه ولا انحراف).

اختارَ الله تعالى اللغة العربيّة؛ لتكونَ لغةَ الوحي، لغةَ القرآن، ولغةَ الحديث الشريف؛ إذ لا تَصِحُّ قراءة القرآن الكريم إلا باللغة العربيّة، ولا تَصِحُّ بعض العبادات، كالذِّكر، والصلاة إلّا بها؛ فالصلاة كلّها لا تتمّ إلّا باللغة العربيّة، وقراءة القرآن الكريم ركنٌ من أركان الصلاة[4].

وهي أيضا لغةٌ واسعةُ المدى والبيان، وقد كان العرب يتفاخرون بقدرتهم على نظم الشّعر وضرب الأمثال والنّثر والبلاغة، ومازالَ اللّسانُ العربيّ فصيحاً حتّى اختلطت بالعرب عناصرَ من العجم الذين دخلوا في الإسلام عصرَ الدّولة الأمويّة، وبشكلٍ أكبر في عصر العبّاسيين المُتأخّر؛ حيث أُعجمت الألسنة وتأثّر بَريق لغة الضّاد، فاحتاجَ الأمر أن يقف رجال القواعد لضبط الألسنة وتقويم اعوجاجها، وتنقيحها من الدّخائل والمُصطلحات التي ليست منها.

قال الشاعر حافظ إبراهيم في اللغة العربيّة لغة القرآن، وأنّها لغة واسعة، ولغة اشتقاقيّة، وقد تُشتَقُّ منها أسماء الآلات أيضاً، مثل: مِفكّ، وسِكّين، وأنها إذا كانت قادرة على استيعاب ألفاظ القرآن المُعجِز، فكيف بقدرتها على استيعاب مُفردات الحياة اليوميّة[5]:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 32

وَسِعتُ كتابَ الله لفظاً وغايةً ** وما ضِقتُ عن آيٍ به وعِظاتِ

فَكَيْفَ أَضِيقُ الْيَوْمَ عَنْ وَصْفِ آلَةٍ  ** وَتَنْسِيقِ أَسْمَاءٍ لِمُخْتَرَعَاتِ

أَنَا البَحْرُ فِي أَحْشَائِهِ الدُّرُّ كَامِنٌ ** فَهَلْ سَأَلُوا الغَوَّاصَ عَنْ صَدَفَاتِي.

ثانيا: أهميّة اللّغة العربيّة في فهم القرآن الكريم؛

تتجلى أهميّة تعلم اللّغة العربيّة، وسبر أغوارها، في القدرة على فهم آيات القرآن ومعانيها بشكل واضح، وفهم ومقاصدها، وفهم الحقيقة والمجاز، ومعاني البلاغة الأصيلة.

وقد نزل القرآن الكريم بلسانٍ عربيّ فصيح ومُبِين في عصرٍ كان مُعظم النّاس يتباهون ويتفاخرون ببلاغة وفصاحة لغتهم، وإلمامهم بقواعدها، وضوابطها، كما نزل القرآن بمعانٍ، وتراكيبَ، وجملٍ بليغة جدّاً، تحتوي على الكثير من التّشبيهات والاستعارات، والأساليب اللغويّة البليغة، ممّا أضاف لمكانة اللّغة العربيّة درجاتٍ كثيرةٍ، حتّى أصبحت اللّغة الخالدة الوحيدة في العالم[6].

ولا يمكن فهم الكتاب والسنة إلا بضبط هذه اللغة؛ فقد أدرك الأئمةُ أهميةَ اللغة العربية في فهم كلام الله تعالى وكلامِ رسوله صلى الله عليه وسلم، فالإمام الشافعي رحمه الله ظلّ عشرين سنة يتبحّر في اللغة العربية وعلومها ليفقه ويفهمَ القرآن والسنة، ولا يستغرب منه هذا، فهو الذي يقول: (أصحاب العربية جِنُّ الإنس، يُبصرون ما لم يبصرْ غيرُهم)[7]. يقول عنه زوجُ ابنته: (أقام الشافعي علمَ العربية وأيامَ الناس عشرين سنة، فقلنا له في هذا، فقال: ما أردت بهذا إلا استعانةً للفقه)[8].

لذلك حَظِيَت بما لم تحظَ بهِ أيّة لُغةٍ من الاهتمام والعناية، وهذا أمرُ الله نافذٌ فيها؛ لأنّها لُغةُ القرآن الكريم وهذا بدوره أعظم شرف وأكبرَ أهميّةٍ للّغة العربيّة؛ لأنّ الله جلّ جلاله اختارها من بين لُغات الأرض ليكون بها كلامهُ الخالد الذي أعجز بهِ من كانَ ومن سيأتي إلى قيام السّاعة، ولا يكونُ هذا الإعجاز إلاّ لكون هذهِ اللّغة تحتمل ثقل الكلام الإلهيّ وقوّة الخطاب الربّاني.

ثالثا: ثبات اللغة العربيّة عبر العُصور؛

تميزت اللغة العربيّة بثباتِها وصمودها أمام رياح التغريب والتهجير والتغريب؛ إذ ما زال العربيُّ قادراً على قراءة النصوص القديمة، وفَهمِها، على عَكس اللغة اللاتينيّة التي اندثرَت، ونشأَت منها اللغات الأوروبيّة، ثم تطوّرت واختلفت بشكل كبير عبر الزّمن.

كما تُعرف اللّغة العربيّة بعبقريتها؛ لأنّها تُتيح المجال بشكلٍ كبير للكُتَّاب بأن يربطوا المَواضيع المُختلفة ببعضها دون أن يضعوا القارئ في دوّامة من التشتّت وعدم الفهم نتيجةً لتعدُّد المواضيع ضمن المُؤلّف الواحد[9]؛ ومن جهة أخرى يتميّز التّاريخ العلميّ العربيّ باحتوائه على الكثير من المُؤلّفات العلميّة في شتّى المجالات العلميّة باللّغة العربيّة،

ومما ساعد على صمودها أنها؛ لغة مُعجِزة، إذ يتعذَّر نَقلُ أو ترجمة كثير من مُفرداتِها، وخاصّة مُفردات القرآن الكريم، إلى لغة أخرى تُؤدّي المعنى المُراد نفسه، فإذا كانت العرب قد عجزَت عن الإتيان بمِثل القرآن في كلامه ومُفرداته، فكيف بغير العَرب.

لذلك فإنّ بعض المُترجمين استخدموا الكلمات نفسها عند الترجمة من العربيّة، إلى الإنجليزيّة. كم أنها لغة غنية تتميز بالسعة؛ فمفرداتها كثيرة، ولكلِّ مُفرَدة دلالة، أو معنى يختلفُ عن الآخر، فهناك معانٍ عدّة للحزن، كالأسى، والتَّرَح، والشَّجَن، والغَمّ، والوَجْد، والكآبة، والجَزَع، والأسف، واللهفة، والحسرة، والجوى، والحُرقة، واللوعة.

خــاتمـة:

إنّ تعليم العلوم باللّغة العربيّة أسهل وأكثر إمتاعاً؛ نظراً لأنّ اللّغة العربيّة تُعطي مجالاً للإيجاز والتّعبير بشكلٍ كبيرٍ عن المواضيع المُختلفة، فهي لغةٌ مَرِنةٌ جداً في شرح الأمور العلميّة في ظلّ الوفرة الكبيرة في المفردات والأساليب اللغويّة.

وقد بذل العرب جهودا لتطوير مادّة اللغة العربيّة وحوسبتها، ونَشرِ برامج عربيّة تُواكب العَصرَ، وتَستوعبُ المادّة العربيّة، ومهاراتها المُتنوِّعة من مُحادثة، وقراءة، وكتابة، واستماع[10]؛ ونتيجة هذا الجهد العظيم؛ أن تبقى الأجيال المتعاقبة مرتبطة بلغتها، متعلقة بكتاب ربها، متشبعة بهويتها. فلا يسع كلِّ عربيٍّ إلا أن يعتزَّ بلغته؛ لغة الثبات والصمود، شأنه شأن كلِّ إنسان ينتمي إلى لغته، وأن يحافظ عليها، ويدافع عنها كلما تهجم عليها خصومها، وأرادوا الانتقاص من قَدْرها، ومن قدرتها على مواكبة تطورات العصر.


[1] – د. عثمان مكانسي، “سويعة مع الموهوب المرحوم حافظ إبراهيم”، (بتصرّف).

[2] – النحل : 103.

[3] – الزمر : 28.

[4] – صادق الهادي، “أهمية اللغة العربية ومميزاتها”، (alukah، بتاريخ: 19-11-2011)، بتصرّف.

[5] – أحمد أمين، وأحمد الزين، وإبراهيم الأبياري، “ديوان حافظ إبراهيم” (الطبعة الثالثة)،

الصفحة: 254-255.

[6] – عبد الله علي محمد العبدلي، “أهمية اللغة العربية في فهم القرآن الكريم وتفسيره”، (تفسير، بتاريخ:

07-12-2016).

[7] – الإمام الرازي، “آداب الشافعي ومناقبه”، الصفحة: 150

[8] – الخطيب البغدادي، “الفقيه والمتفقه”، الصفحة: ج: 2/ ص:41.

[9] – أحمد فال بن أحمد، “مكانة اللغة العربية وأصالتها”، (إسلام ويب، بتاريخ: 30-05-2010).

[10] – عبد المجيد عمر، “منزلة اللغة العربية بين اللغات المعاصرة دراسة تقابلية”، (مركز البحث العلمي

وإحياء التراث الإسلامي، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية)،  الصفحة: 79.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.