منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اللغة العربية.. لغة تواصل أم أمانة قيم

لمياء كرماس/ اللغة العربية.. لغة تواصل أم أمانة قيم

0

اللغة العربية.. لغة تواصل أم أمانة قيم

بقلم: لمياء كرماس

 

بسم الله الأول والظاهر والباطن، بسم الله الذي أنزل القرآن عربيا بلسان مبين، والصلاة والسلام على النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتب عمر إلى أبي موسى: “أما بعد، فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن فإنه عربي”.

في المكتوب دعوة صريحة ملحة لتعلم اللغة العربية والتفقه فيها، أي دقَّةِ الفهم فيها والاهتمام بها، وأيضا ضرورةٌ أساسيةٌ لفهم القرآن الكريم والسنة النبوية الشّريفة..

المزيد من المشاركات
1 من 15

لا يمكن الحديث عن الهوية العربية دون الإشارة إلى مُقوِّمها الأساسي: اللغة العربية، حيث نَقَلت لفترة طويلة تاريخَ وثقافةَ الحضارات العربية عبر الزمن، وساهمت في حفظ هذا التاريخ كاملا منذ العصر الجاهلي، ببطولاته وأشعاره وإنجازاته، وبعدها صارت لها صفةُ القدسية وتميزت بالعنايةِ الإلهية بتحقّق معجزة نزول القرآن الكريم بهذه اللغة العظيمة، فتحولت من لغة قومٍ ببُقْعَةٍ إلى لغةِ أمّة إسلامية قادتِ الحضارة لقرون متتالية.

فاللغة العربية كأي لغة تُحقّق التواصل والتفاعلَ مع خلقِ اللّه، وهذا شرطُ أيِّ لغة لفظية كانت أو غيره، لكنها ليست كأي لغة فيما تَحْمِلُهُ من عظيمِ شأنٍ، لقد تجاوزت اللغة العربية هذا الدورَ إلى مقامات أخرى أكثر سموّا؛ لارتباطها الوثيق بمكارم الناطقين بها، ثمّ، وهذا المربطُ، لارتباطها بالرسالة المحمدية الشريفة، وأخيراً لارتباطها بعهد نهضة نوعية في التاريخ.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. وما هذا، ولا يخفى على أحد، إلا إشارةٌ إلى أن العرب قد حمَلُوا من الأخلاق والسّمْت الحسن ما ميزَهم عن باقي الشعوب. فهي لغة تحمل صفات المكارم والمروءة، وتحث على صدقِ القولِ وعزة النفس، وفي الأثر كثير نماذج تثبت حُسنَ خلقِ العرب حتى قبل البعثة النبوية.

بهذه اللغة السامية دُوِّنَتِ السيرة النبوية وكتُبُ العلوم والاكتشافات والاختراعات في عصر النهضة، فكانت لغةَ تواصلٍ حضاريّ بامتيازٍ، ولغةَ علمٍ، ولغة دعوة، فانتشارها آنذاك في الأراضي التي كانت تحت حكم المسلمين وحتى في غيرها وازاهُ انتشارٌ للثقافة العربية والعادات العربية، وكانت الباعث لإصلاح أحوال غير المسلمين وتطوير كفاءاتهم الشخصية والأخلاقية والمعيشية.

كان ذاك، والآن لا ينكر أي متتبِّعٍ لأمر اللغة العربية هذا الأفولَ الذي تعيشه، وهذا العزوف عنها من طرف الجيل الناشئ. ولا ينكر كذلك رَداءَةَ التّعبير بها من لَدُن غير قليل من الشباب، وتبخيس قيمتها في المقررات التعليمية، هذا من جهة التفريط؛ ومن جهة أخرى، جهة التحريض؛ نرى فَقْداً مُهْوِلاً لمعاني اللغة العربية الكريمة، فيتم إفراغ المصطلحات من معانيها القيّمة وتوظيفها في سياقات تستوجب الوقوف والحذر!

فهل نحن بحاجة لمعجم جديد أم لروح جديدة؟

أجدني في كثير من المرات أقف مشدوهة بين التفريط والتحريض؛ تفريط للقيمة الأخلاقية للغة العربية، وترتيبها ترتيبا متدنّياً بين اهتمامات الشباب والآباء والمنظومة التربوية والإعلام وسبورات الإشهار، والأدهى منه تحريضٌ مُخْزٍ ممّن يملكونها، فكم مرة في اليوم نُصادفُ ونحن نطالع بعض الكتب أو التدوينات تحويرا وتحويلا عجيبا لبعض المفردات الرسالية، وتوظيفها في غير ما وُجِدَتْ له، وتزييها بزيٍّ غيرِ ما يناسبها أخلاقيّا ودينيّاً..

قد يبدو كلامي عاطفيا، لكنه يأبى إلا أن يخرج على هذا النحو! أحسُّ وأنا بين يَدَيْ بعضِ المكتوبات المختلفة أن اللغة تَنْسَلُّ حزينة محتشمة تحت ضغط ما مُورِسَ عليها، وكأن روحها ضُغِطَت في قالب مشوّه، مسلوبة الإرادة، تحكمها فكرة قلم، أو ضمير قلم، أو طمع قلم، أو خسة قلم، أقلام تجعلها في تراصٍّ يخدم ثقافة أخرى وبنية أخرى!

وما اللغة غير قوة بنية وقوة أفكار بصمت وبنت شعوبا؟ وأي قوة أقوى من رسالة الإسلام؛ بأصلها وقيمها ورمزيتها وقداستها وصدقها وثباتها؟ أي لغة أقوى من العربية التي حَمَلتْ إرثاً زاخرا، وصَمَدَت لقرونٍ في وجه التطوّر بسلامته وشُذوذِه؟

كان للغتنا كلُّ فَضْلٍ – وأي فضل – في بناء الحضارة العربية وسطوع نجمِها وتوسّع قيمِها واعتمادها مدرسةً عريقة غنية في شتى العلوم، ومع هذا الأفول الذي يصيبها أفل كل شيء!

تفككُ الوحدة العربية واختلاطُ الأجناس وقَّعَ طلاقَ اللغة العربية من أصحابها، فظهرت لهجاتٌ كتنوعٍ سطحيّ، لكنَّ علة الطلاقِ أصابت روحَ اللغة فانسلخت عن كثيرٍ من القيم التي تزاوجت معها ورَبَطَت رسالة الإسلام بها! أوَ أبالغُ إنْ قلت أنه ربما لعنةٌ أصابت روح لغتِنا؟ روح شريرة سَكنتْها؟ وكأنها شبحٌ يخيفُ اليافعين، وهي دون شك أداة في يد المُتمَكِّنين منها، يسخرونها كَسِحْرٍ مُتَلوِّن! فإذا بكريمٍ أصيلٍ خطّها في حقٍّ، تاقت للتحرر بخجل، وكأن قالب اللعنة دق تفاصيلها وترك عليها ندوباً.

اختلطت بشكل عجيب المفاهيم والمعاني، وتلبست وصار عصيا فهمها! فالروح خفية ولا يوقنها إلا الصالحون!
لغتنا غنية لا شك، يتزاوج فيها بشكل وطيد ودي رحيم الجمال بالجلال والصدق بالرسالة. غنية حتى أنها تغنيك عن أي لسانٍ بعدها، تبصُمُ هويتَك ولو أجَدْت مناطقَ أخرى غيرها. عميقة حتى أنها تكشف لك تفاصيل لا تكون لك ملَكَةُ إدراكِها إلا باستعمالها، تأسرك بإعجازها، يكفيك أن تقرأ فيها لتخبرك عن تاريخك وصفتك.

اللغة العربية لا نحقق بها التواصل فقط ولا نعبر بها عن أحوالنا فقط، اللغة العربية صفتنا اللازمة، فهي لغة الصلاة، والصلاة ارتقاء، والارتقاء بها ارتقاء برسالة الإسلام.. فيكفينا هذا لنُوقِن حجم الأمانة وعظم الرسالة.

التكلم باللغة العربية والكتابة بها والتفقّه فيها أمانة خُلُقٍ وأمانة دين وأمانة عقيدة، توظيف مفرداتها هو توظيف للرسائل، والرسائل تستوجب الحفظ وضمان السر والمعنى. استرجاع اللغة هو استرجاعٌ للقيم الإسلامية السّمحة لا شك، وبعث لروح سامية جديدة في جسد الأمة العليل.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.