منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سوابق

د. محمد علي / سوابق

0

سوابق

د. محمد علي

 

مهما وصل الحال بالبشر إلى التطور في أي مجال من المجالات؛ فستبقى علامات النقص والقصور حاضرة في كل ما يقومون به من عمل أو يفرضونه من قوانين أو يرتِّبونه من إجراءات أو يضعونه من ضوابط!

ولا يمكن أن تجد الكمال إلا في شريعة الله (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) السجدة 7، و (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) الأعلى 2-3، وهذا الأمر -أي علامات النقص والقصور لدى البشر- لا غرابة فيه ولا جديد، فكما أن فاقد الشيء لا يعطيه؛ فكذلك الناقص لا يمكن أن يصدر منه كمالًا، ولكن الغريب فعلًا هو عدم يقين بعض البشر بهذا الأمر، وعدم إيمانهم به، وظنهم أن ما يصدر منهم لا يمكن إلا أن يكون الأبقى والأرقى والأكمل والأفضل، بل يجعلونه مُقدمًا على ما جاء من عند الله، ويرون أنه الأنسب لعباد الله، سبحان الحليم الحكيم وتعالى عمَّا يحسبون ويظنون ويقولون وعمَّا يفعلون ويعتقدون.

لنأخذ مثالًا واحدًا نرى من خلاله سعة عفو الله ورحمته بعباده، وندرك من خلاله بعضًا من تجلِّي لطفه وحكمته، وفي المقابل نجد كمية النقص والقصور والضيق والمتاعب التي يفرضها البشر على بعضهم، وبها يدخلون في إشكاليات لا نهاية لها، بينما يظنون أنهم يحسنون صُنعا.

المزيد من المشاركات
1 من 31

وصف الله تعالى نفسه بالرحمن الرحيم، وقال (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) الأعراف 156، وحث عباده على التوبة والاستغفار، وجعل من يذنب ثم يعود إليه صادقًا في حلٍّ وسعة، بل يقلب سيئاته السابقة حسنات، وإذا ما أتاه ماشيًا جاءه هرولة، وهكذا نجد آيات وأحاديث ومواقف وآثار الرحمة والتوبة ناصعة بلطف الله وتيسيره، ومفيضة على كل المخلوقين ما يكفيهم للعودة الصادقة إلى ربهم سبحانه، وإلى التمسك بحبله جل جلاله، ومرغِّبة لكل من يبتعد في القرب منه والالتماس من فضله، ومغرية لكل مخطئ في تصحيح مساره، وتجويد آثاره، إلى درجة لا يمكن للمرء أن يجد مثلها ولا ما يقاربها عند غيره، ولا يمكن أن يسعد بغيرها أو يجد لدى أي مخلوق ما يستحق أن يصرفه عنها أو يؤخره، ومن كمال لطف اللطيف إبقاء هذا العرض مفتوحًا قائمًا ما دام فيه عين تطرُف أو نَفَسٌ يتحرك… فأين تجد مثل هذا أو حتى عشر معشاره؟

ثم انظروا إلى ما يحدث عند البشر للبشر؛ فيما إذا خالف أحدهم قانونًا وضعوه، أو انتهك حرمة صانوها، يا ويله فيما سيحل به من عقاب وجزاء لا يمكن أن يكتفي بحد أو تحده نهاية!

بل يدخل في سلسلة من القهر والمعاناة؛ كلما عالج حلقة دخل في أخرى، وكلما انتهى من إحداها فاجأته الثانية، حتى لو افترضنا وصوله لنهاية السلسلة وتناوله كل جرعات الجزاء؛ فإنه فوق ذلك ومعه يوضع داخل دائرة حمراء أو يوضع تحت اسمه ألف خط أحمر، تشير كلها إلى أنه (صاحب سوابق)، وتبقى معه تلك الخطوط مصاحبة لملفِّه أبد الدهر، تظهر في كل معاملة يقدِّمها أو عمل يُقدِم عليه، وبها يُمنع من كثير من الحقوق التي ينالها سواه، وليس له جرم سوى أنه أخطأ أو زل أو غفل، وقد يكون ما ارتكبه من خطأ أو نسيان أو زلل أو مخالفة سهلة هينة؛ تُعالج بشيء من المرونة أو تُستدرك ببعض من  التذكير، ولكن أنَّى له أن يحظى بذلك بين كثير من البشر أو إزاء قوانينهم وأفكارهم! بل العجيب حقًا أن يقع الإنسان في شباك جُرمٍ لم يرتكبه، وتحت رحمة قوانين لم ينتهك حرماتها، وذلك فقط لأنه كان سائرًا فداس على لغمٍ لم يره، تمثَّلتْ حُجُب الرؤية في سبب من الأسباب العائدة إلى زارعي ذلك اللغم لا إلى من وضع قدمه عليه، فإذا ما بقيتْ فيك بقية من حياة تتمكن بها من محاججتهم أو تقديم ما يُسمى بـ (التظُّلم)؛ زادوك تيهًا ومعاناة، ثم قالوا لك: هكذا هي القوانين وليس بيدنا ما يمكن فعله، وهكذا يوقعونك في شرك قوانينهم ثم يقولون لك ليس بيدنا! وفي الحقيقة أن ذلك حل ذلك الأمر أو زحزحته من مكانه المتصلِّب؛ غير موجود لا في أيديهم ولا في عقولهم، وفاقد الشيء لا يعطيه، والناقص لا يمكن أن ينتج كمالًا!

بل من العجيب حقًا؛ أن المخطئ من البشر لا يتركه البشر يتوب من خطئه، وكأنهم يقولون له “ابقَ مجرمًا كما أنت”، وذلك بسبب ما يتخذونه من إجراءات في حقه تمنع انتقاله نفسيًا وواقعًا إلى مصافِّ الطيبين، وكيف له ذلك وهو يجد تلك العقبات في معاملته لهم ومعاملاته عندهم! كيف وقد شكَّلوا من (سوابقه) مبررًا كافيًا لعدم طُهره وقبوله!

أفبعد هذا يمكن لك أيها الإنسان أن تدَّعي الفضل والكمال، وتتبجَّح بأنك تأتي بأفضل مما جاءت به شريعة الخالق المصور سبحانه؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.