منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(12) غصة الصراع العربي مع العدو الصهيوني | طباع اليهود ومخاطر التطبيع

الدكتور عبد الحليم أيت امجوض

0

على إثر رفض العرب لقرار الأمم المتحدة القاضي بتقسيم فلسطين سنة 1947م، وفي ظل الاحتجاجات الشعبية العربية الواسعة على إعلان الصهاينة لقيام دولة الكيان الصهيوني سنة 1948م، قامت جيوش من مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق مع متطوعين عرب آخرين بالالتحاق بالمقاتلين الفلسطينين، ليتحول الصراع إلى الساحة العربية ببدء الحرب الشاملة ضد الكيان الصهيوني.

إلا أن مهمة الجيوش العربية كانت صعبة في غياب التدريب اللازم والخطط المحكمة والسلاح الكافي[1] لمحاربة جماعات يهودية مشربة بعقيدة الحرب مدعومة بالخبرة والسلاح الموفورين من طرف بريطانيا وأمريكا، بل إن الأمم المتحدة كانت تتحكم في أوقات الهدنة المفروضة بواسطة قراراتها بما يخدم مصالح الجيش الصهيوني في السيطرة على مجريات المعارك وإدارتها لصالحه، وقد كانت قيادة الجيوش العربية تلزم مقاتليها بالهدنة في حين لا يلتزم الصهاينة إلا بما يخدم مصالحهم، وكثيرا ما أغاروا على العرب بسلاح الطيران وغيره غيلة وغدرا في أوقات الهدنة من غير رقيب ولا حسيب؛ نظرا لغياب الموقف الموحد بفعل تنازع أصحاب العروش على الزعامة العربية، وتنسيق بعضهم سرا مع العدو، مما جعل وحدة قيادة الجيوش صورية فقط[2].

وبالرغم من ذلك فقد حققت الجيوش العربية رفقة المجاهدين المتطوعين تقدما ملحوظا في المرحلة الأولى من الحرب لولا استجابة الدول العربية لقرار الهدنة والمفاوضات الصادر عن مجلس الأمن[3] لإنقاذ الجيش الصهيوني، حيث كانت 100 ألف يهودي محاصرة في القدس وحدها، فضلا عن تمكن العرب من استرداد عدد من المدن الفلسطينية[4].

وبينما كان ينتظر العرب نتائج المفاوضات افتتح اليهود[5] خمسة وسبعين مركزا للتدريب القتالي المكثف في أوروبا، والتحق المقاتلون بنظرائهم في فلسطين فكونوا جيش الدفاع الصهيوني الذي تجاوز تعداده السبعين ألفا، واستمر تقاطر الإمدادات بالأسلحة المتطورة من أوروبا وأمريكا موازاة مع جمود العرب في أمكنتهم، واستأنف الطرفان القتال بانتهاء الإعداد الصهيوني، فدارت الدائرة على الجيوش العربية نظرا للتفوق العسكري، بل قصفت القاهرة ودمشق وعمان، وانتهى الأمر، بعد الانسحابات المتتالية للجيوش العربية وتوالي فترات الهدنة، إلى اعتراف معظم دول العالم بالكيان الصهيوني التي شرعت في توطين اليهود على أنقاض القرى الفلسطينية المهجر أهلها في ظل الضعف العربي[6].

وتوالت الهزائم العربية بفعل رجحان كفة الصهاينة في إدارة الصراع[7]، وكانت أشدها، بعد العدوان الثلاثي على مصر عام1956م، حرب 1967م التي انتكس فيها مشروع القومية العربية إثر الهزيمة النكراء التي مني بها الحلف العربي بالرغم من كثرة العدة والعتاد، وموازاة مع ذلك استمر التقتيل والتهجير في صفوف الفلسطينيين، بل لاحقتهم الإبادة خارج فلسطين، وكان أبشعها مجزرة مخيمات صبرا وشتيلا أثناء احتلال لبنان في شتنبر 1982م بتنسيق بين شارون والمسيحيين المارون…[8]

ثم ما لبث أن دشن مسلسل التسوية السلمية للصراع، فأصبح الزعماء يتنافسون في تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني[9]، وتشجيع المفاوضات والتنازلات التي لم تزد الشعوب إلا إذلالا، حتى قامت قائمة للمقاومة الإسلامية في غزة الأبية، فرفعت راية الصمود والمثابرة والإبداع بالرغم من طول مدة الحصار، فكان الثبات في حروب: 2008 و2009، ثم 2012، ثم 2014، هذا فضلا عن الاشتباكات التي كانت تقع من حين لأخر، لتكون البشرى بانتصار المقاومة والهزيمة النكراء للكيان الصهيوني في معركة “سيف القدس” المشهودة في ماي 2021، فأعادت للمسلمين الأمل بتحطيم ما تبقى من أسطورة “الجيش الصهيوني الذي لا يقهر“، وصدها للعدوان بيقين وجسارة وحِرفية عالية، وكبحها لمسلسل الذل والهوان والتطبيع في الأوساط العربية…ألا فلتَعْلُ المقاومة…وليسقط التطبيع ومعه صفقة القرن…

 ((يُتبع في المقال (13) بعنوان: ” خطر التطبيع من مدخل الحوار الديني “الإبراهيمي”))


[1] – الفريق عبد المنعم واصل، الصراع العربي الإسرائيلي، مكتبة الشروق الدولية، ص:55 وما بعدها.

[2] – محمد حسنين هيكل، العروش والجيوش، ص:25 وما بعدها.

[3] – دخلت الهدنة حيز التنفيذ بتاريخ: 15 يونيو 1948م.

[4] – طارق السويدان، فلسطين؛ التاريخ المصور، ص:275-278.

[5] – في اليوم الموالي بتاريخ 12 يونيو 1948م.

[6] – طارق السويدان، فلسطين؛ التاريخ المصور، ص:276.

[7] – باستثناء الضغط الجزئي الذي  حققه العرب سنة 1973م حين قرروا الخفض من تصدير النفط لإجبار الغرب على وقف دعمه لإسرائيل، إلا أن الأمر لم يدم طويلا، أما ما كان من الجيش المصري في قناة السويس في أكتوبر من السنة نفسها  فقد كان وهما أكثر منه انتصارا حقيقيا، خاصة بعدما أفضى إليه من زيارة السادات لإسرائيل عام 1977م مدشنا عهد الاستسلام  والذل.

[8] – طارق السويدان، فلسطين؛ التاريخ المصور، سيتامول، ص:331 وما بعدها.

[9] – بالاستناد إلى مقولة الأرض مقابل السلام، أي عودة الأرض العربية التي احتلتها إسرائيل في حروبها ضد العرب مقابل اعتراف هؤلاء بالوجود الشرعي للدولة اليهودية وإنهاء حال الحرب بين الطرفين، ومن المعلوم أن أشد ما تسعى إليه إسرائيل هو التطبيع مع جوارها العربي الإسلامي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.