منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التأويل وضوابطه في الخطاب الأصولي (1) أدلة التأويل

لطيفة يوسفي

0

التأويل في النص الشرعي لابد أن يقوم على دليل أقوى، وأن ” يكون له سند مستمد من الموجبات له،”[1]كي يستقيم مع المنهج العام لاستنباط الأحكام.

وفيما يلي بيان لهذه الأدلة:

  1. التأويل المستند إلى النص
  2. التأويل المستند إلى الاجماع
  3. التأويل المستند إلى القياس الراجح
  4. التأويل المستند إلى ظاهرا آخر
  5. التأويل المستند إلى القرائن
  6. التأويل المستند إلى قواعد الشرع
  7. التأويل المستند إلى المآلات
  8. التأويل المستند إلى السياق
  9. التأويل المستند إلى العقل [2]

1- التأويل المستند إلى النص

النص التشريعي قرآنا أو سنة هو مرجع كل استنباط واجتهاد وتأويل صحيح، ذلك أنه إذا كان الأمر المختلف حوله شرعيا، ذهب المؤول في كشفه إلى آية محكمة أو سنة مبينة” فالتأويل ضرب من الاجتهاد بالرأي في نطاق النص، يستند فيه المجتهد على ما أصابه من دليل قوي، من نص،… فيصرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر أرشده الدليل إلى أنه هو المعنى المراد، أو هو الحكم الذي يمثل إرادة المشرع في غالب ظنه.”[3]

ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم «فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا العشر، وما سقي بالسواني والنضح نصف العشر»[4]” يعم ما دون النصاب، وقد خصصه قوله صلى الله عليه وسلم «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة».([5])([6])

وقوله تعالى﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[7]” يعم كل مال، وخرج ما دون النصاب بقوله صلى الله عليه وسلم «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا».([8])([9])

وقوله تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾[10]” يعم الكافرة، فلو ورد مرة أخرى﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾[11]في الظهار بعينه، لتبين لنا أن المراد بالرقبة المطلقة العامة هي المؤمنة على الخصوص.”[12]

2- التأويل المستند إلى الاجماع

الإجماع أصل من أصول التشريع الإسلامي يلي النصوص في القوة والاحتجاج، وقد ” اتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حجة شرعيةلها قوة النصوص يجب العمل به،”[13]ومن ذلك إجماع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وإجماع علماء الأمة المجتهدين في عصر من العصور.

3- التأويل المستند إلى القياس الراجح

ومن الأدلة التي يستند إليها علماء الأصول في تأويلاتهم القياس الراجح فمن “يعرف الأشباه والنظائر ويفهم معاني الأحكام فيقيس قياس تشبيه وتعليل قياسا لم يعارضه ما هو أولى منه “[14]وفي ذلك يقول الشنقيطي[15] ” واعلم أن دليل المؤول قد يكون قياسا راجحا.”[16]

ومن أمثلته: ” فعموم جلد الزاني مائة جلدة ظاهر في شمول العبد ولكنه صلى الله عليه وسلم لما خص عموم الزانية الأنثى بغير الأمة بقوله تعالى﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ[17] عرف أن الرق على لتشطير الجلد محكم بتشطير جلد العبد قياساً على الأمة فكان في قياسه عليها صرف اللفظ عن إرادة عموم (الزاني) إلى محتمل مرجوح هو كونه في خصوص الحر اعتماداً على القياس على الأمة المنصوص عليها.”[18]

يقول الطبري: ” فعليهن نصف ما على الحرائر من الحد، إذا هن زنين قبل الإحصان بالأزواج.و﴿الْعَذَابِ ﴾الذي ذكره الله تبارك وتعالى في هذا الموضع، هو الحد، وذلك النصف الذي جعله الله عذابا لمن أتى بالفاحشة من الإماء إذا هن أحصن: خمسون جلدة، ونفي ستة أشهر، وذلك نصف عام. لأن الواجب على الحرة إذا هي أتت بفاحشة قبل الإحصان بالزوج، جلد مئة ونفي حول. فالنصف من ذلك خمسون جلدة، ونفي نصف سنة. وذلك الذي جعله الله عذابا للإماء المحصنات إذا هن أتين بفاحشة، قال قتادة:﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ﴾، خمسون جلدة، ولا نفي ولا رجم.”[19]

ومثاله أيضا ” أن تركه سبحانه وتعالى ذكر الإطعام في كفارة القتل، ظاهر في عدم وجوبه، إذ لو وجب، لذكره كما ذكر التحرير والصيام. هذا مع احتمال أن يكون واجبا مسكوتا عنه، يستخرجه المجتهدون، ثم رأينا إثبات الإطعام في كفارة القتل،بالقياس على إثباته في كفارة الظهار والصيام واليمين متجها، لأن الكفارات حقوق لله تعالى، وحكم الأمثال واحد، فثبوت الإطعام في تلك الكفارات تنبيه على ثبوته في كفارة القتل.”[20]

4- التأويل المستند إلى ظاهرا آخر

يقول ابن قدامة المقدسي ” والدليل يكون قرينة، أو ظاهرًا آخر.”[21]

ومثاله، قوله تعالى﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ[22]

فإنه ظاهر في شموله ” الانتفاع بجلدها والنص على الانتفاع بجلد الشاة الميتة في قوله صلى الله عليه وسلم«هلا أخذتم اهابها فانتفعتم به»[23]الحديث يصرف ذلك العموم عن ظاهره… وقد يكون ظاهر عموم آخر كالآية المذكورة مع عموم «أيما اهاب دبغ فقد ظهر»”([24])([25]) فالحديث ” ظاهر عام يتناول بعمومه اهاب الميتة.”[26]

أما على مذهب من يبني العام على الخاص مطلقا كما هو قول المحققين من أئمة الأصول فظاهر[27] لأن اللفظ “عام يتناول جميع ادوائها، غير أن في الآية احتمال أن يكون الجلد غير مراد بالعموم، من جهة أن إضافة التحريم إلى الميتة يقتضي عرفا تحريم الأكل، والجلد غير مأكول، فلا يتناوله عموم التحريم.”[28]

وفي ذلك يقول الطوفي[29] ” ظاهر في تحريم جلدها، دبغ أو لم يدبغ، مع احتمال أن الجلد غير مراد بالعموم احتمالا مترددا، له من جهة أن إضافة التحريم إلى الميتة يقتضي تحريم الأكل، والجلد غير مأكول، فيقتضي عدم تناول الجلد، ومن جهة أن عموم اللفظ قوي، متناول لجميع أجزائها، يقتضي تناول الجلد، في نظرنا في قوله عليه السلام: أيما إهاب دبغ فقد طهر فهو عموم وظاهره، يتناول إهاب الميتة، فكان هذا الظاهر مقويا لاحتمال عدم إرادة جلد الميتة من الآية المذكورة في التحريم.”[30]

فالحق أن ” الدباغ مطهر، ولم يعارض أحاديثه معارضمن غير فرق بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل وهو مذهب الجمهور، قال الحازمي[31]: وممن قال بذلك يعني جواز الانتفاع بجلود الميتة ابن مسعود وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والحسن بن أبي الحسن والشعبي وسالم يعني ابن عبد الله وإبراهيم النخعي[32] وقتادة والضحاك وسعيد بن جبير ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والليث والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وابن المبارك والشافعي وأصحابه وإسحاق الحنظلي، وهذا هو مذهب الظاهرية.”[33]

ومثاله أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم«الجار أحق بصقبه»[34]

هذا الحديث ظاهر في ثبوت الشفعة للجار الملاصق، مع احتمال أن المراد بالجار الشريك المخالط، إما حقيقة أو مجازا، لكن هذا الاحتمال ضعيف بالنسبة إلى الظاهر، فلما نظر أهل العلم وجدوا هناك ظاهرا آخر وهو «الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة»،[35]فإنه ” ظاهر في ثبوت الشفعة للجار مطلقاً محتملاً احتمالا مرجوحاً أن يكون المراد به خصوص الشريك المقاسم إلا أن هذا الاحتمال المرجوح دل عليه الدليل وهوقوله صلى الله عيه وسلم«فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة» ولا بدفي دليل التأويل.”[36]

5 – التأويل المستند إلى القرائن

لم يعط علماء الأصول تعريفا محددا للقرينة وذلك لكثرة القرائن وتنوعها فاقتصروا على التعريف بأقسامها وأنواعها، فالقرائن في مسلك التأويل تقوم بصرف الخطاب عن معناه الظاهر إلى معنى آخر يحتمله.

وعلى هذا يتبين أن القرينة تستخدم للتدليل وتقترن بالخطاب وتؤثر فيه ولذلك يتخذ الأصوليون القرائن كدليل يستندون إليه في تأويلاتهم، وفي ذلك قال ابن قدامة ” والدليل يكون قرينة.”[37]

ومثال ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم«العائد في هبته كالعائد فيقيئه»[38]

ففي تأويل هذا الحديث جرت مناظرة بين الامام أحمد والإمام الشافعي رحمهما الله،وهذا هو نصها:

قال ” أحمد في رواية صالح وحنبل: كلمت الشافعي في هذه المسألة، يعني أن الواهب ليس له الرجوع فيما وهب، لقوله عليه السلام«العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه»، فقال الشافعي – وكان يرى أن له الرجوع -: ليس بمجرم على الكلب أن يعود في قيئه قال أحمد: فقلت له: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم«ليس لنا مثل السوء»، فسكت، يعني الشافعي.

قلت: فالشافعي تمسك بالظاهر، وهو أن الكلب لما لم يحرم عليه الرجوع في قيئه، فالظاهر أن الواهب إذا رجع مثله في عدم التحريم، لأن الظاهر من التشبيه استواء المشبه والمشبه به من كل وجه، مع احتمال أن يفترقا من بعض الوجوه احتمالا قويا جدا، فضعف حينئذ جانب أحمد في الاستدلال جدا، لأنه لم يبق معه إلا احتمال ضعيف جدا، فقواه بالقرينة المذكورة وهي قوله عليه السلام في صدر الحديث المذكور: «ليس لنا مثل السوء،العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه» وهي دليل قوي، وجعل ذلك مقدما على المثل المذكور، وهو دليل الاهتمام به، فأفاد ذلك لغة وعرفا، أن الرجوع في الهبة مثل سوء، وقد نفاه صاحب الشرع، وما نفاه صاحب الشرع يحرم إثباته، فلزم من ذلك أن جواز الرجوع في الهبة يحرم إثباته، فيجب نفيه، وهو المطلوب.”[39]

وخلاصة هذه المناظرة أن الإمام الشافعي يرى أن الواهب له الرجوع في هيبته، والإمام أحمد يرى خلافه وهو منع الرجوع في الهبة، فالأول يجيز والثاني يمنع.

6- التأويل المستند إلى قواعد الشرع

قواعد الشرع دليل يستند اليه المؤول في تأويله للنص الشرعي سواء كانت قواعد تشريعية عامة أو قواعد فقهية أو غيرها من القواعد الشرعية.

والقاعدة التشريعية العامة قد يكون منصوص عليها في القران الكريم، مثل قوله تعالى﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[40] وقوله تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾،[41] وقد يكون منصوص عليها في السنة النبوية، مثل قوله صلى الله عليه وسلم« لا ضرر ولا ضرار».[42]

والقاعدة الفقهية عرفها السبكي بأنها: ” الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة يفهم أحكامها منها،”[43] فهي تستخلص من استقصاء جزئيات في الشريعة، تلقاها علماء الشرع بالقبول وتحدثوا عن أهميتها في جمع فروع الفقهوتنظيمها في سلك واحد، وهي أساس تفريعاتهم في الاجتهاد بالرأي.

ومن أمثلتها قاعدة ( الأمور بمقاصدها )، وقاعدة ( الضرر لا يزال بمثله )[44] وغيرها من القواعد التي درسها العلماء في كتبهم والتي كانت أدلة يستند إليها في تأويل النصوص الشرعية.

7 – التأويل المستند إلى المآلات

إن اعتبار المآلات أصل عام في الاجتهاد بالرأي وأصل من الأصول المعتبرة شرعا عند العلماء، قال الشاطبي “النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام، إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك. فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية، ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة.”[45]

فالمآل ـ كما عرفه شبير ـ ” التثبت من أن إلحاق الحكم الشرعي بالواقعة النازلة لا يفضي إلى عواقب وتداعيات مستقبلية تناقض مقاصد الشارع المغياة من التشريع.”[46]

ومن أمثلة هذا التأويل المستند إلى النظر في المآلات:

أ ) البيع جائز لما يحققه من منافع ومصالح، لكن من باع سلعة بعشرة إلى أجل ثم اشتراها بخمسة نقدا، فإن هذا يؤول إلى الاقراض بالربا وهو محرم.

ب) الهبة مشروعة، لكن من يهب ماله قاصدا الفرار من الزكاة، فان مآل الهبة هو منع الزكاة، وهذا مناف لمقاصد الشريعة وتحيل لإسقاط الاحكام الشرعية، فتكون الهبة محرمة في هذه الحال.

ج) قتل الجماعة بالواحد فإنه يؤول إلى مصلحة حفظ النفس.

د) حفر بئر في طريق عام فانه يؤول إلى وقوع احد به وهلاكه مع أن من حفره لم يقصد ذلك.[47]

وغيرها من الأمثلة التي تفيد قيام التأويل على اعتبار الأثر الذي يؤول إليه فعل المكلف هل هو مصلحة أم مفسدة، فالإدراك والتبصر بمآلات الأفعال يكون عند استنباط الأحكام وعند تنزيلها على الواقع فعندئذ ينظر إلى ما يترتب على الحكم قبل وقوعه من أجل الوقاية من المفاسد قبل وقوعها.

8- التأويل المستند إلى السياق

قرر أئمة الشرع أن تأويل النص لابد أن يتم في إطار علاقته بالنصوص الأخرى تحقيقا للتكامل الدلالي بين النصوص، تحت قاعدةمراعاة السياقفي النص الشرعي وتماسكهواتساقه وانسجامه مع النصوص الأخرى.

فالخطاب القرآني مترابط الأجزاء يدور حول محاور محددة، فإذا بدا للناظرأن الآيات فيها تعارض فإن ما اوهم به ليس بالتعارض، إذ يمكن ترجيح الأدلة العامة على الخاصة أو أحد النقيضين على الآخر، وسوء فهم الشريعة كما قرر الامام الشاطبي في حديثه عن مأخذ أهل البدع في الاستدلال ناتج عن ” الجهل بمقاصد الشرع وعدم ضم أطرافه بعضها ببعض، فإن مأخذ الأدلة عن الائمة الراسخين، إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها وعامها المترتب على خاصها، أو مطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر بمبينها إلى ما سوى ذلك من مناحيها، فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام، فذلك الذي نظمت به حين استنبطت.”[48] ويقول في موضع آخر تأكيدا على التكامل الدلالي ” فإن القضية وإن اشتملت على جمل، فبعضها متعلق بالبعض لأنها قضية واحدة نازلة في شيء واحد، فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف،فإن فرق النظر في أجزائه، فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض”.[49]

ومثال ذلك قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا[50]

ففي هذه الآية إذا تم أخذ جزء ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ، دون النظر إلى سياقها يتبين أن النهي إنما هو عن قتل الإنسان لنفسه، في حين أن المراد غير ذلك.

قال صاحب (تفسير المنار) موضحا ذلك: ” أقول: ظاهر هذه الجملةوحدها أن النهي إنما هو عن قتل الإنسان لنفسه وهو الانتحار، والمتبادر منها في هذا الأسلوب أن المراد: لا يقتل بعضكم بعضا، وهو الأقوى، واختير هذا التعبير للإشعار بتعاون الأمة وتكافلها ووحدتهاكما تقدم في نكتة التعبير عن أكل بعضهم مال بعض.”[51]

وانسجام الشريعة مثلها كمثل الإنسان الصحيح السوي ” وما مثلها إلا مثل الإنسان الصحيح السوي، فكان الإنسان لا يكون إنسانا حتى يستنطق، فلا ينطق باليد وحدها ولا بالرجل وحدها ولا بالرأس وحده ولا باللسان وحده، بل بجملته التي سمي لها إنسانا، كذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها، لا من دليل منها أي دليل كان، وإن ظهر لبادي الرأي نطق ذلك الدليل فإنما هو توهمي لا حقيقي، كاليد إذا استنطقت فإنما تنطق توهما لا حقيقة، من حيث علمت أنها يد انسان لا من حيث هي إنسان لأنه محال.”[52]

فنصوص الوحي قرآنا وسنة وحدة متكاملة المعنى تتظافر في بيان أحكام الله تعالى:”والحديث والقرآن كله كاللفظة الواحدة فلا يحكم بآية دون أخرى ولا بحديث دون آخر بل بضم كل ذلك بعضه إلى بعض إذ ليس بعض ذلك أولى بالاتباع من بعض ومن فعل غير هذا فقد تحكم بلا دليل.”[53]

ومراعاة السياق تعين على فهم النص وتأويله تأويلا صحيحا ” فيجب فهم اللفظ بحسب سياقه في النص، ومراعاة ما قبله وما بعده، لتحديد دلالة اللفظ ومعناه، وبيان المراد منه، مع مراعاة القرائن اللفظية السابقة او اللاحقة في النص، فان قرينة السياق تساعد على دلالة المراد من الكلام، كالصفة التي تقع في سياق المدح فهي مدح، وإن كانت في أصلها قدح، مثل قوله صلى الله عليه وسلم«ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على وجوههم في النار، إلا حصائد ألسنتهم؟»[54]فاللفظ دعاء عليه، ولكن السياق يدل على الدعاء له، فلا يصح بتر اللفظ عن سياقه،”[55] ولذلك فإن ” أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ موافقته لما سبق له من القول واتفاقه مع جملة المعنى وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته.”[56]

ومثاله أيضا ألفاظ الأمر التي هي على وزن واحد، ولكنها لا تتساوى في المفهوم طبقا للسياق الذي له أثر كبير في تحديد المعنى المراد منها[57] ومن ذلك:

كقوله تعالى﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ[58]فمعناها الذليل المهان، لوقوع ذلك في سياق الذم، وقوله تعالى﴿أَقِمِ الصَّلاةَ[59] مفهوم الأمر هنا إيجاب الصلاة، وقوله تعالى ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ[60] الأمر هنا للتهديد.

ولا شك أن اهتمام علماء الإسلام بالسياق، وإدراكهم لأثره في استمداد الحكم من نصوص الشريعة، هو حالة توافق ما انتهى إليه علماء الغرب واستنتجوه في المسألة، إذ نقل عن أحدهم قوله: ” حينما نقول بأن لإحدى الكلمات أكثر من معنى في وقت واحد، نكون ضحايا الانخداع إلى حد ما، إذ لا يطفو في الشعور من المعاني المختلفة التي تدل عليها إحدى الكلمات إلا المعنى الذي يعينه سياق النص.”[61]

9- التأويل المستند إلى العقل

فالعقل الذي يستند إلى منطق الأشياء هو ” ما يسميه الأصوليون بالتأويل القريب، وعليه فإذا كان الأمر المختلف فيه أمرا أو نهيا عقليا، أو كان من الأخبار الاعتقادية، فزع فيه إلى الأدلة والحجج العقلية، وقد حث القرآن على ذلك في قوله تعالى ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾”([62]) ([63])

وهذا سياتي الحديث عنه إن شاء الله في معرض الحديث عن أنواع التأويل.

يتبين أن التأويل لكي يكون صحيحا مقبولا يشترط فيه الدليل،إذ هو ” عبارة يتبين بها المراد.”[64]

وهذه الأدلة ” ثابتة نصا، أو أرشد الشارع إلى أنها حجة في التشريع، إذ أحال عليها في القرآن الكريم لاعتبارها أصلا في التشريع كالإجماع، أو مستمدة من روح النص، أو حكمة تشريعه، أو نهض بحجيتها سنن الشارع في التشريع، من وجوب إناطة الحكم بالمصلحة الراجحة، وأكدها الاجتهاد بالرأي في عهد الصحابة والتابعين وتابيعهم رضوان الله عليهم أجمعين.”[65]

ومتى تقيد التأويل بهذه الأدلة واستند إليها في عملياته الاستدلالية، فهو سالم من الانحراف والزيغ لأنه بفضل الله خضع لمنهج سديد قويم.

ومن جهة أخرى إن ” باب التأويل في الشرع الحنيف من أغنى الأبواب وأوسعها، ومن أكثرها خدمة للنصوص وتعمقا في الفهم، وتنوعا في الأوجه، لذلك كثرت أدلته وتنوعت وكان له شأن كبير عند علماء الأمة.”[66]

مقتطف من كتاب:

”التأويل في الخطاب الأصولي وأثره في الفقه الحضاري للأمة”

رابط تحميل الكتاب:

https://www.islamanar.com/he-fundamentalist-discourse/

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.