منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ملامح الرؤية الفنية في مجموعة “زمن المؤنث” لمجيد فلـوح من الواقعية إلى التجـريب

د. عادل بوحوت

0

ملامح الرؤية الفنية في مجموعة”زمن المؤنث”[1] لمجيد فلـوح

 من الواقعية إلى التجـريب

بقلم: د. عادل بوحوت

  • توطئة

هناك كُتّاب لهم تصوّر معيّن للكتابة ينطلقون منه ويخلصون له، وآخرون لم يصلوا بعد إلى هذا التصوّر، وهم يسعون نحوه، وهناك فئة ثالثة ترفض أن ترهنَ حريتَها لأي تصوّر… (أحمد بوزفور- الزرافة المشتعلة)

سأحاول في هذه الدراسة تسليط الضوء على بعض الجوانب التقنية التي أعتبرها ذات قيمة كبيرة، خاصة حين يتعلق الأمر ببواكير الأعمال الأدبية التي نستطيع، من خلال استنطاقها، استجلاء ملامح التصوّر أو الرؤية الفنية التي يصدُرُ عنها الأديب. وقد تتضمن بعض ملامح ما يمكن عدُّه بيانات للكتابة، إمّا تصريحا أو تلميحا.

وعموما فإنّ العمل الذي نحن بصدد مقاربته، تضمّن عددا من الإشارات التي حاولت التقاطها لرسم صورة أوّلية عمّا سميته بـــــ ملامح الرؤية الفنية عند الأديب مجيد فُلوح، في علاقة وثيقة بزاوية المعالجة التي ارتأى أن يخوض بها تجربة زمن المؤنث.

  • الواقعية رؤيةً للكتابة

يُصرّح الكاتب في أوّل صفحة من هذا العمل بأن “القصص مستوحاة من وقائع حقيقية”، لكنّه يترك هذا التصريح مبهما، بل إنّه يزيده إبهاما والتباسا حين يضيف العبارة الآتية: “أي تشابه في الأسماء هو محض موافقة”!!… يحمل هذا التصريح بالنسبة إليَّ كقارئ قلق تناقضا صارخا، ويثير من ثمّة تساؤلات ملحة، لعلّ أبرزها: ما مقدار تصرّف الكاتب في هذه القصص المستوحاة من وقائع يصر هو نفسه على أنها واقعية؟ هل التصرّف أو الانتحال إن صحّ التعبير تسللَ فقط إلى أسماء الشخوص، بغرض الإيهام باللاّواقعية؟ لكن لماذا الإصرار على الواقعية، إن كان قد تعمّد التصرّف والتصحيف؟ هل يتعلق الأمر بأشخاص أسرُّوا إلى الكاتب بحكاياتهم وباحوا له ببعض من بنات أسرارهم/هن وأخذوا/ن منه عهدا على عدم نقلها أو طلبوا/ن منه، في إطار من التعاقد الودّي، أن يعمد إلى محو كل الآثار الدّالة عليهم/ن؟ من هي الأميرة النائمة/النؤوم التي تفنّنت في استعراض مظاهر الجاه والترف التي ترعرعت فيها، وأبدعت على المنهج القرآني التلميحي في وصف جمالها الذي كان يبزّ القرينات؟ من هي الفقيهة؟ من هي مي خديجة؟ … إلخ

قد تبدوا هذه الأسئلة موغلة في الجرأة والفضول، لكنها في اعتقادي تحمل الكثير من أسباب المشروعية، خصوصا حين نجد أنفسنا أمام نوع من التنبيه المطّرد إلى الإطار المنهجي الذي يسمح الكاتب لنفسه ولغيره بالتّموقُع فيه، بحيث لا يتعلّق الأمر بعملية انتخاب صارمة للمادة القصصية خلال عملية الإبداع، بقدر ما يتعدّاه إلى جعل الواقعية شرطا أساسيا للمقروئية. فخلال سرده لقصة وقوعه في حبائل رواية “عائشة” ([2])، يقول: “لم أكن لأكتب حول هذه الرواية، وأضعها في هذه المجموعة لو لم تناسب منهجي الصارم في الكتابة في هذه المجموعة، وهو أن تكون الحكايات واقعية” (ص112).

وما دام اختيار المرء قطعة من عقله كما يقال، فإنّ سرد الكاتب لقصة تلقيه لرواية “عائشة تنزل إلى العالم السفلي” لا يتسم بالواقعية إلا في جزئه المتعلق بالإحالة إلى العنوان الحقيقي للرواية وإلى اسم المؤلفة، دون أيّ تصرُّف يُذكر في المعطيات التوثيقية. إلا أن التصرُّف طال طريقة نقل الكاتب/ السارد لعوالم الرواية؛ بحيث تتجلى ملامح القراءة العاشقة التي تنسُج خيوط نص إبداعي جديد يُغلِّف النص الأصلي ويُخفي ملامحه. في هذه الحال يبدو القاص في صورة الطفل الصغير الذي تحمله غيرته القاتلة على كسر لعبة أخيه أو ابن الجيران ومحاولة إعادة تشكيلها لصناعة لعبة جديدة أو صناعة لعبتين تكفيان لهما معا!! إنّ الكاتب هنا مفعما بغبطة عارمة (كي لا نقول حسد)، ينخرط في طقس من طقوس التملُّك لهذا النص الذي كان يُمني النفس بأن يكون السباق إلى كتابته لكن الكاتب الآخر، وهو كاتبة (بالمناسبة) سبقه/سبقته، فجاء صوته مختبئا وراء صوتها، كما هو حال كل مرويات هذه المجموعة. ففي زمن المؤنث الأولوية للأنثى لصوت الأنثى، كما يبدو. أو لنقل: “لم تترك المرأة للرجل شيئا” قياسا على القول القديم: “لم يترك الأول للآخر شيئا”.

إنّ الواقعية، كما يرى بعض الدارسين، ليست أسلوباً واحداً من بين أساليب أخرى، إنها أساس الأدب، وكل الأساليب، حتى تلك الأساليب التي تبدو متعارضة أشدّ التعارض مع الواقعية، تنشأ منها أو ترتبط بها ارتباطاً له دلالته.

وقد تضمنت نصوص زمن المؤنث الكثير من أصول الواقعية، لأنها حاولت من خلال إسماعها لصوت الأنثى التعبير عن أهداف واضحة، ومواقف معينة من المجتمع ومن القوانين السائدة فيه. بل إنها مدّت يدها –في سياق البحث عن أشكال وقوالب فنية جديدة- إلى كثير من الوسائل الفنية، بهدف المواءمة بين القناعات والمواقف من جهة وبين التجربة الفنية التي لا ينبغي أن تغامر بالخروج من جبّة الفن القصصي. هذه المراوحة بين الاستجابة لمقتضيات المعالجة الإصلاحية لقضايا المجتمع، ممثَّلة خاصة في وضعية المرأة، وبين مقتضيات الفن، كانت نتائجها في اعتقادي لصالح الرؤية الإصلاحية المُصِرَّة على التمسك بتلابيب منهج واقعي صارم. وكأن القاص يقول لقارئه قائلا: اعلم أيها القارئ الكريم أن زمن القصة ومنطقها هو زمن المؤنث ومنطقه، وكل كلام يصدر عن المرأة هنا هو التعريف الأنسب للقصة، ما دام يميط اللّثام عن واقعيتها وحقيقتها. لا مبادئ ولا ثوابت للفن يمكن مراعاتها حين تتكلم الأثنى.

  • صوت المؤنث/ صورة المؤنث

حين نصيخ السمع إلى صوت الأنثى في هذا العمل، نجد أنفسنا أمام صوت هادئ، حان، مسالِم… لا يشبه في أي شيء الصوت المبحوح للمرأة المتمرّدة، اللّعانة، الثائرة التي تُخرج رأسها من الأعمال المشبعة بالإيديولوجيا النسوية Feminism، لتصرُخ في وجه العالم وتبصق في وجه الرجل (الندّ التاريخي) أو تنفث فيه من دخان غليونها، مردّدة شعارات التحرّر والمساواة، ومندّدة بمركزية الذكر وبظلم الشريعة وجور الطبيعة… إنها الأنثى الشريكة في صناعة المجتمع، الصديقة للبيئة (ما دامت لا تدخّن!)، الحريصة على البناء، والنفع، وترك الأثر الطيب…

إنّه صوت شهرزاد الذي أبدع في نسج الحكايات وتوليدها وتفريعها، حين أتيحت له أذن شهريار الصاغية، وصوت دنيا زاد المعلن عن استئناف الحكي. وهو نفسه صوت الجدّة نانا حين يأذَن لها ابنُها بالحكي: “احك لهم حكايا جحا يا جحا”.. وقد كانت تملك (والعهدة على الراوي/ـة) “دهاءً، وقدرة لا تضاهى في صناعة الحكايا، وفي إعادة صياغتها وتجديدها، بحيث تصبح حكايا “حديدان” و”جحا” بين يديها نسخا منقحة ومزيدة، لا تمل من الاستماع إليها وإعادة الإصغاء مرارا وتكرارا، ولا أشك أنها لو خرجت إلى “ساحة بوجلود” أو “جامع الفنا” لسلبت من “الحلايقية” جمهورهم، وأنها لو عرفت السينما لكانت كاتبة سيناريو أو مخرجة معتبرة” (ص29-30). “كانت لها قدرة على أن تجمع بين قصص القرآن، وحكايا ألف ليلة وليلة، وبين الحجايات المغربية والأمازيغية…” (ص30).

إنّه العالم محكيا بصوت أنثى ومكتوبا بأذن سارد خجول، لا يفتأ يترك مكانه لصانعة الحكايات… إنّه الرحم السردي الذي صار قادرا على إنجاب الحكاية، بعدها نفخت فيه روح التجربة الحياتية، وأُذِنَ له بمباشرة الحكي.

هذه الصورة كما نلاحظ، لا تكاد تخدش الصورة النمطية للأنثى المحافظة؛ (“لم نكن في القصر يسمح لنا بلقاء الشباب” ص22)، والزوجة الصالحة والأم البانية، والراوية الصادقة التي لا تقبل بزخرفة الحديث وتنميقه تملقا ونفاقا (“أكتفي بهذا القدر من النفاق الاجتماعي، وأعبّر صراحة” ص21). وهي دون شك تطرح على المستوى الفني عدّة تساؤلات، أستطيع إجمالها كالآتي: هل ينقل القاص صورة المرأة، كما هي في الواقع؟ أم يرسم الصورة التي ترسّخت في ذهنه ووجدانه عن المرأة المأمولة، عمّا ينبغي أن يكون، أو على الأقل ما ينبغي أن يعُمّ أسوة بنماذج كاملة أتيحت له فرصة سماع حكاياتها؟

وقياسا على ما قام به الشاعر العربي القديم، في قصائد المدح التي كانت تمجّد الصورة المثالية للرجل العربي الكامل (الفارس، الشجاع، الكريم، الصادق، الأمين…)، يسعى قاصنا إلى رسم صورة مثالية عن البطلة الخارقة، المرأة الفاضلة، الكاملة التي يُراد لها أن تكون الحادي/ الرُّبان التي يسوق قافلة المجتمع نحو برّ الأمان (“كان لسانها لسان صدق، تصدح بالحق ولا تبالي بالعواقب” ص34/ “كثيرة الصمت كثيرة العمل، عديمة المن، زاهدة بكل معاني الزهد” ص36/ “باعت كل شيء… لتصنع نساء ورجالا” ص37/ “لم تكن تنام، لم تكن تمرض، لم تكن تعجز” ص38). لذلك فإنّ الواقعية التي دعا إليها سابقا لا تعدو كونها، في اعتقادي، واقعية مثالية طوباوية.

  • تبئير الشخصية

ينطوي العنوان “زمن المؤنث” على نوع من الإيهام الخادع بالإعلاء من شأن الزمن، بما هو أحد العناصر الأساسية لتشييد صرح القصّة، لكن سرعان ما يخيب أفق الانتظار. وهكذا، فإنّ الزمن يبدو عديم القيمة، إذا لم يتجلَّ من خلال تلك الكوّة الصغيرة التي لا نكاد نلمح منها سوى الشخصية الحكائية، وهي تملأ مجال الرؤية. ولعلّ ما يؤكد ذلك غياب الإشارة إليه (وإلى قرينه المكان) عن جميع عناوين المجموعة. وبالاستتباع فإن الحدث نفسَه يظهر في صور باهتة، تكاد لا تحمل قيمة في ذاتها، خصوصا أنها تَغْفَل، بقصد أو بدون قصد، عن مقوّمات الخطاطة السردية، أو تعمل على إرباكها عن طريق تقنيات كالاستباق والاختزال والحذف… كل ذلك لصالح تبئير الشخصية الحكائية، التي يُسمح لها بتقمص دور السارد فيتوارى هذا الأخير إلى الخلفية، بمنطق “وراء كل قصة عظيمة امرأة عظيمة، تمثل بطلَها وصائغَ أحداثها والمتحكمَ في مجرياتها“.

وفي هذا الميثاق المُوَقَّع بين السارد والبطل المتواري (المرأة)، تشتغل الأذن أكثر مما تشتغل العين، ما دام عالم النساء عالم حريمٍ، عالما محرّما على الرجال. بل إنّ الجوارح كلها تغدو آذانا صاغية لهذه التي لم تجد من يستمع إليها.

وحتى حين يتعلّق الأمر بالمقاطع التي تهتزّ فيها أركان هذا الصرح الشمخ، فتبدو الأنثى (الراوية/البطلة) معتدّة بنفسها تمارس ساديتها ببرود غريب (“تسلطت على مولاي الفقيه، كما نلت منه كما نلت من “بدّا” و”عقّا” ص24)، أو دجّالة تبيع الوهم وتحتال على الناس لربح المال (“وأصبحت سمسار الخدمات الروحانية، أزعم بين يدي زوجي أنه يتقرّب إلى الله بصناعة رقى لمرضى العين والحسد” ص25)، أو متسلطة وانتهازية تتّخذ من النساء البسيطات المكسورات الجناح خدما وحشما (“تطوف حولي نساء أنا ضيفة في بيتي عندهنّ، هذه تكنس، وأخرى تعجن، وثالثة تعد الطعام، وأنا الأميرة” ص25)، أو مدمنة على بعض المحرّمات كالتدخين والتنفيحة (“أدمنت جدّتي على مجلس أبي، كما أدمنت معه على التنفيحة والتدخين. كانت تقول له اشعل لي شي گارو معاك” ص29)، أو حريصة (على دأب المرأة في الميل إلى الثرثرة وإلى الاسترسال في الأحاديث وتشعيبها) على الخوض في بعض التفاصيل التي قد تشعر القارئ المتعجل بالملل (“ترتدي منصورية، نسبة إلى السلطان أحمد المنصور الذهبي السعدي الذي صُمِّمَت في عهده، وهي تتكوّن من قطعتين…” ص27)، أو تصول وتجول في عوالم قد لا يرى هذا القارئ بينها أية رابطة… أو تلجأ إلى انتقاء الأوصاف والذكريات بما يتوافق مع ميولاتها النفسية وعلاقاتها بالشخصيات (“ألم يكن بالأهمية الكافية لأدقق نظرات عينيه ولونهما، في شكل وجهه وملامحه” ص40).

حتى أمام كل هذه التقلبات المزاجية، التي قد لا تتوافق مع الصورة المتعالية للأنثى كما هو منتظر، فإنّ ساردنا يُنصِّب نفسه مدافعا ومنافحا، ليعيد الأمور إلى نصابها ويرمّم/يرأب التصدّعات؛ فيلتمس الأعذار (“لا تستغربوا أن تتناول الفقيهة هذه المحرمات” ص29)، ويدعو قارئه إلى الصبر والأناة (“واعذرني أيها القارئ الكريم، فهذه الأحداث يستجلب بعضها بعضا ويستدعيه” ص60)، مراعاة لمشاعر من يبوح لك بسر، وينتظر منك أن تكون كبير النفس وتشكره على الثقة التي منحها إياك دون غيرك… أستحضر هنا كلاما لجبران خليل جبران نصه: “عندما تشكو مصابا إلى أحدهم تهبه جزءا من قلبك، فإن كان كبير النفس شكرك، وإن كان صغيرها احتقرك“.

  • التهجين (في مواجهة سلطة النصوص الموازية)

إنّ حضور البعد الرسالي (الذي يبدو أن الكاتب يعتبره ثابتا من ثوابت الخطاب الأدبي)، هو حضور يميل إلى نوع من الانصهار في بوتقة الحكي… لكن إلى أي حدّ يستطيع القاص إحداث نوع من التوازن، بحيث يوهم بإسكات كل الأصوات الخارجية، التي من شأنها أن تفرض إملاءاتها على سيرورة التلقي!؟

توضيحا للأمر أشير إلى حضورِ نبرتيْن خارجيتَيْن يشوّشان في نظري ما أسمّيه بــــ عـدالة الحكي؛ حيث لا يُسمع (في إطار الحوارية الباختينية) إلا صوت الشخصية/الشخصيات الحكائية، وهي تعيش الحدثَ وتتفاعل معه، وتندغم في تفاصيله، وتُقدِّمه عاريا شفافا خاليا من مساحيق التجميل ومن أساليب التنطّع والتحوير التي قد يلجأ إليها السارد، أو التوجيه المسبق الذي يمكن أن يصدُر عن بعض الأصوات الخارجية… ويُنظر من ثمة إلى مثل هذه التدخلات، بوصفها تعبيرا عن ديكتاتورية مقيتة، لا تتناسب مع شعارات العصر الراهن (كالديمقراطية، وحرية التعبير…).

أمّا النبرة الأولى في فتتمثل في الاقتباسات والاستهلالات (هذه الظاهرة التي “عمت… حتى غمت” حسب تعبير بوزفور([3])) التي يستهل بها القاص جميع النصوص، وهي نُقول شعرية ونثرية، يحضر فيها –عن سبق تواطئ مع المؤلف- ابن الجوزي، إلى جانب زكي مبارك، وأحمد خالد توفيق، وأحمد محرم، ومظفر النواب، وفاروق جويدة، وفيكتور هوجو… وبالنظر إلى خطورة الاقتباس وسطوته النابعة أساسا من نموذجيته (هذا ينطبق على الأمثال السائرة والأقوال المأثورة)، فإنّ تأثيره في توجيه عمليات التأويل وما يترتب عن ذلك من صور الرقابة والوصاية والتضليل التي يمكن أن يمارسها على القارئ الغرّ، لا ينبغي غض الطرف عنه.

وأمّا الثانية، فتتجلى استحضار وتكرار بعض العبارات المسكوكة وبعض النصوص الموازية ذات الحمولة الدينية (مثل الترحم، التصلية، المديح) … والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ألا يؤدي هذا الإقحام لنصوص موازية ذات حمولة إيديولوجية إلى تضييق أفق التلقي، وقبل ذلك إلى “خيانة القصّة كوطن له حدوده الترابية”([4])، وإلى تشبيح (*) النصوص وتركها في مفترق طرق خال من علامات التشوير الطرقي بعد تجريدها من وثائق الهوية؟ ما مدى قبول الكاتب، حين يلج عالم القصة القصيرة مثلا، لشروط الانتساب إلى الجنس الأدبي، وإن في حدودها الدنيا؟ من المتكلم في الأدب؟ هل الكاتب أم السارد أم الشخصية الحكائية أم صوت رابع!؟ أم أننا أمام تواطؤ ممنهج بين كل هؤلاء!؟

  • ملامح التجريب

1. تناسل القصص داخل النص الواحد:

نقصد بتقنية التناسل ما نجده في حكايات ألف ليلة وليلة؛ حيث تتفرع الحكايات وتتوالد، انطلاقا من كلمة تنتهي بها حكاية سابقة، بحيث لا تموت الحكاية حتى تترك كلمة/بذرة/نطفة تكون سببا في تخلّق حكاية جديدة، وهكذا.

في نص “المعلّمة” نقف عند بعض ملامح هذه التقنية، ذلك أنّ السارد يستأنف المقطع السردي بالكلمة التي انتهى به المقطعُ السابق… فيتنقَّلُ بقارئه في دروب الذاكرة وشِعابها، كأنَّما هي لعبةُ تذكر واستحضار، لا تحتاج سوى لطرف خيط رفيع لكي تكشف النقاب عن بئر لا تنضب من الحكايا والتفاصيل (كانت الزوجة التي تقوم بدورها أحسن قيام وتعدّ من الأطباق ما لذّ…/ وعلى ذكر الطعام، ومما لا تنسه ذاكرتي الصغيرة… ص 56). (عليك أن تنتقل لكيلومترات على وسائل نقل متعدّدة تبدأ بالحمير والبغال في أحسن الأحوال… لا بدّ حين أذكر البغال، أن أحكي لكم قصّة. (ص57)

2.الوحدة الموضوعية الخارجية (بين نصين):

كالترابط الذي نلحظه بين نص “الغريب” ونص “قاتل النساء“، حيث يبدأ الثاني بهذه العبارة الموجهة إلى القارئ: “لا شك سيدي القارئ تتساءل عمّا فعل الله بذلك الرجل الغريب”. هل نحن أمام تمرين أولي لكتابة الرواية، أم هي مجرد إمكانية للتفكير في كتابة قصص تدور حول الشخصية ذاتها، وتروم مقاربتها من زوايا مختلفة، بغية تنويع تقنيات السرد والتحلّل من ضغط التكثيف الذي يميّز القصة القصيرة عادة!؟.. تغدو الشخصية (المحكي عنها) في هذه الحال من التعقيد والتراكب، بحيث لا يكفي أن نخصص لها قصة واحدة، لذلك فهي تمتد وتتمطط لتغطي حيزا أكبر من الحيز الذي تحتله الشخصية البسيطة (إن صح هذا التعبير). ولعله من الجدير بالملاحظة أن الشخصية التي حظيت بهذا الاستثناء هي شخصية رجل، ذلك الذي ظل من فرط نرجسيته غريبا حتى عن أقرب الناس إليه… ذلك الذي تقلب في الزيجات بلا أدنى إحساس بالمسؤولية، وكان سببا في تعاسة زوجاته وأبنائه وعاش وحيدا منعزلا ثم مات وترك في قلوب ذويه جروحا لا تكاد تندمل.

3.حركة الكاميرا

في نص يحمل عنوانا دالا هو “الراوي“، يجد القارئ نفسه في حيرة كبيرة أمام التلاعب الذي يحصل في عملية إسناد مهمة السرد/الحكي؛ فالكاتب يتنازل تماما عن سلطته، باعتباره ممتلكا لصندوق العجائب، ومصدرا لتدفُّق الحكي (يمنح ثقته -عادة- لصوت واحد، يوكل له مهمة النيابة عنه في عالم الورق…). ففي هذا النص يحظى أكثر من شخص/صوت بهذه الثقة، فنرى بأعيننا جميع الشخصيات وهي تتقمص دور الراوي، وتحصل على التفويض المطلق بمباشرة الكلام والشروع في الحكي، كما لو أنه حق من حقوقها المشروعة، بصيغة هي أقرب إلى التناوب على السرد (وليس السرد التناوبي) أو حركة الكاميرا. فالحكاية نفسها، تحكَى بصيغ مختلفة، ومن زوايا متباينة، حسب فلسفة الراوي ونظرته للعالم والوجود، بما هو جزء لا يتجزأ من نسيج الحكاية وعنصر من عناصرها.

وعودا على مسألة الواقعية، فإنّ هذه التقنية (أي حركة الكاميرا) تبدو أشبه بإجراءات الجَرح والتعديل التي يجريها علماء الحديث، بغرض التقصي والتثبت من صحة نسبة الأحاديث أو عدم صحّتها، من خلال تتبع الرواة والاستماع إليهم واحدا واحدا.

ومن جهة أخرى فإنّ المتلقي (متلقي النص قبل إصداره) يتم إشراكه أيضا في توجيه الحكي، من خلال اقتراح نهايات تناسب أذواقهم (أمّا ابنتي، فتنتظر النهاية، واقترحت أن أنهي الحكاية بلقاء حميمي بين الأب وابنه على فراش الموت…). غير أن مسؤولية إنهاء القصة، ستترك في النهاية للشخصيات فــــــ (أفراد هذه العائلة هم الوحيدون الكفيلون بكتابة نهاية لقصّتهم) ص 170.


[1]– صدرت مجموعة “زمن المؤنث: رحلة واحدة وإن تعدّدت المحطّات” للكاتب عبد المجيد فلوح، عن مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات (مفاد) في طبعتها الأولى سنة 2022. وهي تتضمن اثنين وعشرين نصا. تشغل النصوص من الناحية الكمية حيزا هاما يقارب 160 صفحة، وتتصدّرُها مقالة تقديمية خص به الدكتور عبد العظيم صغيري هذه الطبعة، وهي تشغل اثنتي عشرة صفحة.

[2]– رواية “عائشة تنزل إلى العالم السفلي” لــــ بثينة العيسى، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط 1، 2012.

[3]– أحمد بوزفور، الزرافة المشتعلة: قراءات في القصّة المغربية الحديثة، شركة النشر والتوزيع المدارس، ط 1، 2000، ص 109.

[4]– نفسه، ص

– نسبة إلى الشبح؛ أي سلب الهوية التي تعني فيما تعنيه الانتساب إلى عائلة أو نوع أو جنس… *

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.