منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أهداف التعليم الأصيل

الدكتور محمد الطريباق اليدري

0

يحتل التعليم الأصيل أهمية كبرى في حياة المسلمين بما هو امتداد واستمرار للمنظومة التربوية التي عرفتها المجتمعات التي تدين بدين الإسلام، وأيضا بما حقق من أهداف وغايات سامية.

إن التعليم الأصيل قد عرف تعديلات وإصلاحات متعددة في الأهداف التي يروم تحقيقها، وذلك تبعا لتجدد أهداف المجتمع المغربي وتغير أحواله.

فالأهداف التي حققها هذا النوع من التعليم في فترة الحماية هي غيرها التي رام البلوغ إليها في بداية الاستقلال وخروج المستعمر، وأيضا الأهداف المرتقبة اللاحقة ستختلف بالتأكيد عن سابقاتها.

إن الأهداف التي يجب أن يحققها التعليم الأصيل في وقتنا الراهن يجب أن تزاوج بين الأصالة والمعاصرة بمعنى أن تتشبت بهوية الأمة من جهة، وأن تنفتح على العصر وتواكب مستجداته وتطوراته من جهة ثانية.

وفي هذا الصدد يقول الدكتور خبيزة: “والأهداف التي تنشدها الدراسات الأصيلة للعلوم الإسلامية يجب أن تنبع من ضرورة التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، بين عراقة الحضارة العربية الإسلامية وما تنطوي عليه من قيم إنسانية، وبين مطالب تقدم العصر وما ينطوي عليه من مواكبة لما يعرفه العالم من تفجر معرفي وثورة علمية تكنولوجية، مع التأكيد دائما على الأصالة وما تختزنه من طاقات لمواكبة جميع أنواع التحديات المعاصرة”[1]. ومهما تعددت الأهداف وتنوعت الغايات، فإنه يمكن تصنيفها إلى أصناف ثلاثة: أهداف إنسانية عامة، أهداف تربوية تعليمية، وأهداف خلقية روحية.

المزيد من المشاركات
1 من 8

المطلب الأول: الأهداف الإنسانية العامة للتعليم الأصيل

وتتجلى هذه الأهداف العامة في مجموعة نقط يمكن إجمالها فيما يلي:

  • الحفظ على تراثنا الإسلامي ومقوماتنا الروحية والثقافية التي ظلت نبراس الأمة المضيء في مواجهة الغزو الاستعماري على مر العصور، والتي عملت على انسجام المغاربة والتحامهم، ووحدة آلامهم وآمالهم، وحصنتهم في هويتهم المتميزة، وقيمهم الروحية والأخلاقية، وما لهم من ثوابت دينية ووطنية[2].

ويبرز هذا الدور للتعليم الأصيل الدكتور محمد يسف قائلا: “التعليم الأصيل، أو التعليم الوطني المغربي هو قلب هذه الأمة وكبدها، وصمام أمنها ومجسد هويتها، ومحدد شخصيتها، ودليل على الوحدة والعزة والاستقلال والحرية”[3].

  • الحفاظ على الوحدة الدينية والمذهبية للمغرب في ضوء العقيدة الأشعرية على مستوى العقيدة، والمذهب المالكي على مستوى الفقه والتشريع، والتصوف السني.
  • حمل رسالة الإسلام وقيمها الخالدة، ودعوة الإنسانية، وتخليصها من خلال العقائد الفاسدة والمذاهب الهدامة، والوقوف في وجه أعداء الدعوة الإسلامية لدحض شبهات المفترين على الدين بالحوار وبالحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن[4].

المطلب الثاني: الأهداف التربوية التعليمية للتعليم الأصيل

يعمل التعليم الأصيل ضمن هذه الأهداف إلى إمداد البلاد بعلماء متضلعين في العلوم الإسلامية، منفتحين على مختلف العلوم الحديثة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

يقول الأستاذ الدكتور محمد يسف:” وهو (أي التعليم الأصيل) الذي أطر حياتها في مختلف مجالاتها منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة سنة، أنجبت خلالها أعلاما شوامخ أفذاذا كانوا ملء سمع الدنيا وبصرها، وخلدوا من الأمجاد العلمية والابتكارات المعرفية ما نحت أسماءهم في سجل الخالدين، وجعل ذكرهم على كل لسان، وأكد أن العبقرية والنبوغ لم يغيبا لحظة عن رحلة تاريخنا العلمي”[5].

ولن يتم هذا الهدف الأسمى والكبير – في نظر الأستاذ محمد يعقوبي خبيزة – إلا بتحقيق مجموعة شروط، منها:

  • تكوين جيل قوي بإيمانه، معتز بوطنه وعروبته، متفتح على المعارف العصرية، ومواكب للمستجدات الثقافية والتربوية… والإنسانية دون انبهار أوضاع أو استغراب أو استلاب.
  • تمكين المتعلم في التعليم الأصيل من اكتساب المهارات والمعارف الكفيلة بتمكينه من الإسهام في تأسيس مستقبل ثقافي وحضاري للأمة الإسلامية، وأيضا بتأهيله على الانفتاح على التجارب الإنسانية الأخرى وإعطائه التصور الملائم للحياة المعاصرة، ومعايشة المستجدات العلمية والتقدم التكنولوجي قصد تطوير الفكر الإسلامي والعمل على إغنائه للفكر العالمي.

كما يعمل على تمكين بلد المغرب من القيام بدوره الريادي في مجال الدعوة الإسلامية، ونشر العلم والمعرفة سواء في إفريقيا أو أوروبا أو بقية أقطار العالم، وذلك عبر تزويد البلاد وإمدادها بالأطر المتخصصة لبث هذا الوعي في الداخل والخارج[6].

المطلب الثالث: الأهداف الخلقية الروحية للتعليم الأصيل

إن أهداف التعليم الأصيل من الناحية الخلقية والروحية تكمن في تخريج وتأهيل أجيال من العلماء والمربين والمسلمين.

ذلك أن صاحب هذا النوع من التعليم يعتبر ذا رسالة إصلاحية يسعى في الناس وتبليغها إياهم، متحليا أثناء قيامه بذلك بمختلف الصفات التي ميزته الشريعة الغراء بها من إخلاص وحلم وصبر وأناة ودعوة بالحكمة وبالتي هي أحسن. قال الله تعالى: “ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إني من المسلمين[7]. وقال سبحانه وتعالى:“ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”[8].

إن بعض هذه الأهداف التي تم استعراضها سواء ما كانت منها إنسانية عامة أو تربوية أو خلقية روحية تجلي مدى ضرورة وأهمية التعليم القائم على “الدراسات الأصيلة للعلوم الإسلامية” وخاصة في مثل هذه الظروف العصيبة التي تمر منها أمتنا الإسلامية جزاء تكالب الأعداء عليها من الخارج، ومحاولة هدمها من الداخل من أبناء جلدتنا.

هذا الوضع يجعل مسؤولية الإنقاذ والأمل في الإصلاح على يد علماء وخريجي هذا النوع من التعليم بما يقدمونه من نصح سديد وتوجيه حكيم وعمل متواصل.


[1]: محمد يعقوبي خبيزة. التعليم الأصيل وجامعة القرويين في مواجهة تحديات العصر الحديث. مجلة “دعوة الحق” المغربية. العدد 365. مارس 2002. ص89-90.

[2]: محمد يعقوبي خبيزة. المرجع السابق. ص90.

[3]: الدكتور محمد يسف. كلمة جمعيات العلماء بمناسبة اليوم الدراسي للتعليم الابتدائي الأصيل من تنظيم “جمعية قدماء التعليم الأصيل بفاس” في 9 ماي 2003 نشرت أشغال هذا اليوم. جريدة “المحجة” في عددها المزدوج 194/195 الصادر في 09 يونيو 2003م.

[4]: محمد يعقوبي خبيزة. مرجع سابق بتصرف. ص90.

[5]: محمد يسف. مرجع سابق.

[6]: محمد يعقوبي خبيزة. وقفة مع إصلاح التعليم الأصيل وجامعة القرويين. مقال ضمن جريدة “التجديد” المغربية، عدد خاص حول “إصلاح نظام التربية والتكوين بالمغرب” سنة 2000.

[7]: سورة فصلت. الآية 33.

[8]: سورة النحل. الآية 125.

مقتطف من كتاب:

التعليم الأصيل بالمغرب واستشراف إصلاحه وتجديده

رابط تحميل الكتاب:
https://www.islamanar.com/authentic-education/

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.