منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

البسملة في القرآن الكريم

البسملة في القرآن الكريم/ الأستاذ الدكتور عبد الكريم عزيز

2

البسملة في القرآن الكريم

بقلم: الأستاذ الدكتور عبد الكريم عزيز

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين

اختلفوا في كون البسملة من القرآن أم لا. ومذهبنا هو الجزم بأن كل ما كتب بين دفتي المصحف من: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى: من الجنة والناس، هو من القرآن الكريم، مصداقا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ ‌لَحَافِظُونَ﴾([1]).

ونزول القرآن اقترن بالبسملة منذ اللحظة الأولى من نزوله، يقول تعالى: ﴿اقْرَأْ ‌بِاسْمِ ‌رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾([2]) ، حيث أُمِر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقرأ باسم ربه. وأسند الرب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليميزه عن سائر الأرباب في الجاهلية آنذاك. وهذا الرب المعبود والإله الحق الذي بينه القرآن في قوله تعالى: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾([3]). وفي قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم﴾([4]) . إنه الله الرحمن الرحيم الذي أنزل القرآن، مصداقا لقوله تعالى: ﴿‌تَنْزِيلٌ ‌مِنَ ‌الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾([5]).

والبسملة هي جزء من آية في سورة النمل، لقوله تعالى: ﴿‌إِنَّهُ ‌مِنْ ‌سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)﴾([6]). إذاً فالبسملة من القرآن.

وهنا نريد أن نتأمل في الآيات من سورة النمل في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا أيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) ‌إِنَّهُ ‌مِنْ ‌سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾([7]).

وصفت الرسالة بالكتاب الكريم، وهو كتاب من نبي الله سليمان عليه السلام إلى ملكة سبأ، والكتاب كما نرى ينقسم إلى قسمين: البسملة ونص الرسالة. الرسالة تصدرت بالبسملة أي أنها جاءت بأمر من الله إلى ملكة سبأ عن طريق النبي سليمان. وفحوى الرسالة: ﴿ألا تعلو علي وأتوني مسلمين﴾. فإذا قلنا الرسالة هي: البسملة والنص، فهو صحيح. وإذا قلنا الرسالة هي: النص، فهو صحيح. ومن هنا جاء اختلاف الناس هل البسملة جزء من السورة أم لا. ولأن كل سورة في القرآن هي كتاب من الله؛ يقول تعالى في محكم كتابه: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3)﴾([8]) . والمراد بالصحف المطهرة هي القرآن الكريم. ألم يرسل أمير المؤمنين عثمان بن عفان إلى حفصة: ” أنْ أرْسِلِي إلَيْنَا بالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا في المَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إلَيْكِ”([9]) حديث صحيح رواه البخاري عن أنس بن مالك. فتلك الصحف تشتمل على السور القرآنية التي هي كتب قيمة من الله تعالى، وكل سورة في القرآن مبتدئة بالبسملة إلا سورة براءة. وقصة كتابتها بدون بسملة مشهورة كما وضحها عثمان بن عفان حين سئل عن السبب الذي جعلهم يقرنون بين سورتي الأنفال وبراءة، قال: “وَكانتْ سورةُ الأَنفالِ مِن أَوائلِ ما نَزَل بالمَدينةِ، وَكانت سورَةُ بَراءةَ مِن أَواخرِ ما أُنزِل مِنَ القُرآنِ. قال: فَكانت قِصَّتُها شَبيهًا بِقِصَّتِها فظَننَّا أنَّها مِنها، وقُبِضَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وَلم يُبيِّنْ لَنا أنَّها مِنها، فَمِن أَجلِ ذَلك قَرَنتُ بَينهُما ولم أَكتُبْ بَينَهما سطرَ بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، ووَضعتُها في السَّبعِ الطِّوالِ”([10]). فكأنهم اعتبروا السورتين كتابا واحدا مكونا من جزأين. فلم يفصلوا بينهما بالبسملة.

فإذا كانت كل سورة تبتدئ بالبسملة فهي تمثل كتابا من الله تعالى. وبقي أمر البسملة مختلفا فيه حسب النصوص الواردة في ذلك. وتجلى ذلك الاختلاف في قراءة الفاتحة؛ ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: “أنزلت علي سورة ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها، ثم قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾([11]) ([12]) ولم يذكر البسملة. وورد في الصحيح كذلك أن الله يقول: “قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. يقول العبد: الحمد لله رب العالمين”([13])  فبدأ بها دون البسملة. وورد في الصحيح كذلك: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: ﴿بسم الله الرحمان الرحيم ( 1 ) الحمد لله رب العالمين ( 2 ) ﴾([14]) ([15]).

فهذا الاختلاف -كما ترى- في حد ذاته دليل على أن البسملة آية مستقلة في سورة الفاتحة وليست منها. والبسملة آية مستقلة في أول كل سورة إلا سورة التوبة التي عوملت هي والأنفال كوحدة متكاملة. وابتدأت السور القرآنية بالبسملة؛ لأنها تمثل كتبا من الله الرحمن الرحيم إلى الناس أجمعين.


([1]) سورة الحجر، الآية 9

([2]) سورة الفلق، الآية 1

([3]) سورة الصافات، الآية 126

([4]) سورة البقرة، الآية 163

([5]) سورة فصلت، الآية 2

([6]) سورة النمل، الآية 30

([7]) سورة النمل، الآيات 29-31

([8]) سورة البينة، الآيتان 2-3

([9]) الأحاديث، صحيح البخاري، ط5، (دمشق: دار ابن كثير، 1414ه/1993م)، باب جمع القرآن، 4/1908، رقم الحديث: 4702

([10]) الأحاديث، سنن أبي داود، (بيروت، المكتبة العصرية، د.ت)، بات من جهر بها، 1/208، رقم الحديث: 786

([11])   سورة الفاتحة، الآية 2

([12]) الأحاديث، المستدرك على الصحيحين، ط1، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1411ه/1990م)، باب في كتاب الصلاة، 2/283، رقم الحديث: 3019

([13]) الأحاديث، صحيح مسلم، (القاهرة: مطبعة الحلبي، 1374ه/1955م)، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، 1/296، رقم الحديث: 395

([14]) سورة الفاتحة، الآيتان 1-2

([15]) الأحاديث، سنن أبي داود، مرجع سابق، كتاب الحروف والقراءات، 4/37، رقم الحديث: 4001

2 تعليقات
  1. محمد شوقي يقول

    جزاك الله خير الجزاء ونفع بك استاذنا الكريم

  2. ايمان يقول

    السلام عليكم ورحمة الله
    وفقك الله لكل خير دكتور عزيز عبد الكريم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.