منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دروس في العدل والمساواة من خلال مدرسة غزوة بدر الكبرى (خطبة)

الفقيه عبد الله بنطاهر التناني

0

الحمد لله الذي أكرم المصطفىﷺ بغزوة بدر الكبرى، وأرسله بالعدل والمساواة والشورى، فواصل في تحقيق سعادة البشر السير بالسرى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له علانية وسرا، وأشهد أن سيدنا محمدا أرسله الله إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا، فكان في ظلام الكفر الدامس سراجا منيرا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم يحدد فيه مصير الناس جنة أو سعيرا.

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

نعيش اليوم السابع عشر من رمضان، ذكرى أول انتصار سجله التاريخ للمسلمين في الْمَيْدان؛ ذكرى غزوة بدر الكبرى التي وقعت في رمضان من السنة الثانية من الهجرة؛ التي سماها القرآن الكريم بيوم الفرقان، لأن الله عز وجل فرق فيها بين الحق والباطل؛ تلكم الغزوة التي نجح النبيﷺ في تسيير إدارتها فانتصر فيها المسلمون رغم قلة عددهم: ثلاثمائة وخمسة عشر مقاتلا أمام تسعمائة وخمسين من المشركين.

وغزوة بدر ليست مجرد حدث وقع وانتهى، بل هي مدرسة عظيمة، وليست مدرسة عسكرية فحسب؛ بل هي مدرسة أخلاقية، ومدرسة اجتماعية، ومدرسة شرعية، ومدرسة التسيير والإدارة؛ تشتمل على قواعد منها:

قاعدة اتخاذ الحيطة والحذر، وقاعدة الشورى، وقاعدة المساواة في تطبيق القانون والشريعة، وقاعدة القبول بالمعارضة، وقاعدة الخضوع للحق ولو كان مرا، وقاعدة الأخوة المبنية على التعاون والمودة، وقاعدة المشاركة الميدانية لقادة الأمة في ميادين العمل؛ تلكم هي قواعد التسيير وأسس الإدارة كما طبقها الرسولﷺ في غزوة بدر الكبرى، فحقق للأمة فوزا كاسحا ونجاحا باهرا؛ وقد قدمنا لكم في الجمعة الماضية درسا منها في قاعدة القبول بالمعارضة، وقاعدة الخضوع للحق ولو كان مرا.

المزيد من المشاركات
1 من 7

فتعالوا بنا اليوم نكشف الستار عن قضية واحدة من القضايا التي اعتمد عليها رسول اللهﷺ فانتصر، قضية العدل والمساواة.
ايها الإخوة المؤمنون؛ من القضايا التي كثر الحديث عنها على مدار الساعة في هذا العصر: المساواة؛ الكل يطالب بها، الكل يهدف إليها، الكل يهتف بها، فكان لا بد من الوقوف عند ضوابطها وحدودها وأسسها، ولا ينبغي الحديث عن المساواة بمعزل عن العدل، فالمساواة لا تنضبط إلا بالعدل والإنصاف، والدعوة إلى المساواة بدون العدل إنما هو كلمة حق أريد بها باطل؛ لأن المساواة في كل شيء بين البشر أمر صعب أو مستحيل، إذ لا يمكن أن نعمدَ إلى الأغنياء فتنزعَ منهم أموالهم ونجردَهم من ممتلكاتهم التي تعبوا في الحصول عليها، لتدفع للفقراء بردا وسلاما حتى نحقق وهم المساواة؛ بل يكفي أن يؤدي الغني من أمواله حقوقها من الزكاة والنفقة وغير ذلك؛ لأن المساواة في الرزق أمر مرفوض، والتفاوت فيه أمر مفروض؛ والله تعالى يقول: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}.
كما لا يمكن أن ندعو في إطار المساواة إلى جعل نصيب الذكر مثل حظ الأنثى في الميراث كما نسمع دائما؛ لأن ذلك ليس عدلا، وهو مخالف لنص القرآن الكريم الذي يقول: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الانْثَيَيْنِ}، وإلا فلِمَ نفرضُ النفقة على الرجل دون المرأة؟ فلندْعُ أيضا للمساواة في النفقة لتروا ماذا سيحدث في الأسر من التخبط والفوضى!
لقد اتضحت هذه المساواة جلية في غزوة بدر، إنها تجلت في أسمى معانيها، وفي أجل أوصافها، في درسين من دروسها:

  • الدرس الأول:

حين كانت مراكب الجيوش المسلمة قليلة، والمسافة بين بدر والمدينة بعيدة، فقسم بينهم الرسولﷺ المراكب بالمساواة، حيث جعل كل ثلاثة رجال يتناوبون على بعير، ولم يميز الأقرباء منه عن غيرهم، ولا الأغنياء عن الفقراء، ولم يعزل القادة عن بقية الجنود، ولم يعزل لنفسه مركبا خاصا يستأثر به في كوكبة من أقربائه وأعوانه، بل إنهﷺ كان يتناوب مع اثنين من أصحابه على بعير، فلما قالا له: اركب يا رسول الله حتى نمشي عنك؟ قال لهمﷺ فيما روى الإمام أحمد: «ما أنتما بأقوى على المشي مني، ولا أنا بأغنى على الأجر منكما».

  • الدرس الثاني:

الرسولﷺ لم يكن يوم بدر يعطي الأوامر من بعيد مترفعا؛ بل نزلﷺ إلى أرض المعركة متواضعا؛ فشارك مشاركة فعالة في إدارتها، يرفع معنويات جنوده وهو يقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر}؛ فلا شك أن معنويات الجندي ترتفع حين يرى قائده بجانبه في الميدان مساويا له في المشاركة، فقد روى الإمام أحمد عن علي قال: «لما حضر البأس يوم بدر اتقينا برسول اللهﷺ وكان من أشد الناس، ما كان أحد أقرب إلى المشركين منه» وروى مسلم أنهﷺ قال لأصحابه يوم بدر: «لا يتقدمن أحد منكم حتى أكون أنا دونه»؛ ومن هذا نتعلم أنه لا يمكن لأية إدارة أن تستقيم إلا بالمشاركة الميدانية المستمرة لقائدها، تلك المشاركة التي تشعر الجميع بالعدل والمساواة في أسمى معانيها وفي أجل أوصافها….
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛
إن من الحقائق الثابتة التي أسسها الإسلام وحث عليها أنه لا يمكن لأية إدارة أن تستقيم -بدأ من الأسرة إلى الدولة- إلا بتحقيق العدل والمساواة؛ ففي مؤسسة الأسرة يقول رسول اللهﷺ فيما روى البخاري ومسلم: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»؛ وفي مؤسسة الدولة يقول الله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}، ولم يقل وإذا حكمتم بين المسلمين، فالعدالة شاملة لجميع الناس مهما اختلفت عقائدهم وأجناسهم، ومن ذلك استخرج العلماء قاعدة إسلامية عظيمة: “العدل أساس الملك”.
وعلى هذا فإن الحماية في الإسلام بالتقوى؛ قال الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، وقالﷺ: «لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى»، وجاء في الأثر: «الناس سواء كأسنان المشط وإنما يتفاضلون بالعافية»؛ فغياب العدل والمساواة في أية إدارة إنما هو علامة على فشلها، وإيذان بهلاكها واندحارها مهما طال الزمن، والرسولﷺ يقول: «إنما هلك من كان قبلكم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.