منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من دلالات غزوة بـدر؛ عزة المؤمنين

الدكتور أحمد الإدريـــسي

0

مقدمة:

حين استولى المشركون على أموال المسلمين وممتلكاتهم بعد هجرتـهم إلى المدينة المنورة كان لابد من تحيُّـن الفرصة المناسبة ولابد من إجراء يُـتخذ ضد الظلم والاعتداء وسلب الأموال، والإجراء الذي كان في هذه الغزوة هو الاستيلاء على قافلة قريش المتجهة إلى الشام بقيادة أبي سفيان.

وعندما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخروج قريش، وتوقع حدوث المعركة وأن قريشا تريد القضاء على المسلمين وعلى الدعوة وتريد القتال، استشار أصحابه في طلب العير أو النفير. وقد أيده أصحابه رضوان الله عليهم على ما يراه وسُر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين إما العير، وإما النفير.

نستلهم من غزوة بدر التاريخية الكثير من الدروس والعبر، وكلما ذكرت هذه الغزوة ارتاحت لها نفوس المؤمنين وامتلأت عزةً وكرامةً. وكلما ذكرناها وذكّرنا بها نشعر ببداية التاريخ وبداية النصر وبعزة موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه، فهي استشراف بالتاريخ لكل الأجيال، إنـها غزوة عِـزة الإسلام، فقد أعز الله تعالى المؤمنين بعد أن كانوا أذلة، قال تعالى: “وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (آل عمران:123).

أولا: مفهوم العزة؛

المزيد من المشاركات
1 من 57

العزة مأخوذة من العِز، وهو: ضد الذل. قال الراغب الأصفهاني: “العزة حالة مانعة للإنسان من أن يُغلَب”. وقولهم: أرضٌ عَزَازٌ، أي: صُلْبةٌ”. والعَزيز هو الحق سبحانه، والذي لا يُقهر. قال تعالى: “إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم” (العنكبوت: 26).

وقال ابن الجوزي: ذكر بعض المفسرين أَن الْعِزَّة فِي الْقُرْآن على ثَلاثَة أوجه:

أَحدهَا: العظمة. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى فِي الشُّعَرَاء: “وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ” (الشعراء: 44)، وَفِي ص: “قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ” (ص: 82).

وَالثَّانِي: المنعة. وَمِنْه قَوْله تَعَالى: “أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا” (النساء: 139).

وَالثالِث: الحمية. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: “وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ” (البقرة: 206). وقله عز وجل: “بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ” (ص: 2).

وكل هذه الصفات وأوجه العزة نجدها واضحة جلية في غزوة بدر.

ثانيا: أسباب عزة المسلمين:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 23

– الولاء والبراء للمؤمنين: من الأسباب العظيمة للعزة، هو الولاء للمؤمنين وفي المقابل من الأسباب التي تؤدي إلى فقد العزة للأمة الإسلامية أن يطلبوا العزة من أعدائهم بعد توليهم ومحبتهم فيذلهم الله، قال تعالى: “بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعا” (النساء:138- 139).

– الربانية والتوجه القلبي إلى الله تعالى. والتحاب بين المؤمنين والتناصح والتعاون على دين الله تعالى وعزته.

– الشوق إلى الآخرة وحب الشهادة في سبيل الله، فهو سبب عظيم للعزة والشرف. قال عز وجل: “مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ” (آل مران:152). وفي المقابل يؤدي حب الدنيا وكراهية الموت إلى الذل والهوان أمام الخصوم والأعداء.

ثالثا: العزة للمسلمين في غزوة بدر؛

من خلال هذه الغزوة نستلهم الدروس والعبر في عزة المؤمنين، ومن ذلك:

– أعز الله تعالى المؤمنين بعد أن كانوا أذلة، قال تعالى: “وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (آل عمران:123).

– العزة لا تكون إلا للمؤمنين الصادقين، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾. قال الإمام البغوي في تفسيره: “فعزة الله: قهره مَن دونه، وعزة رسوله: إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين: نصر الله إياهم على أعدائهم”.

– الإحساس بالفخر والاعتزاز بالإسلام، ولو في مرحلة الاستضعاف، واستقواء أعداء المسلمين، يقول تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

– كان لانتصار المسلمين في غزوة بدر أثر إيجابي في نفوسهم، حيث رُفعت معنوياتُـهم وفي المقابل هزت كيان المشركين والمنافقين وأعداء الإسلام وأصبحوا ينظرون إلى المسلمين على أنهم قوة لا يستهان بها.

– التمييز بين الحق والباطل: تعدُّ غزوة بدر حدثا فاصلا في تاريخ الإسلام، ولذلك سماها الله تعالى “يوم الفرقان”، قال تعالى: “وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَان” (الأنفال: 41)، وسمي هذا اليوم بالفرقان؛ “لأن الله فرق فيه بين الحق والباطل، بأن أعلى كلمة الإيمان والحق على كلمة الكفر والباطل، وأظهر دينه، ونصر نبيه وحزبه”[1]. وتحدث الشهيد سيد قطب عن وصف الله تعالى ليوم بدر بأنه يوم الفرقان، وعن حكمة هذه التسمية فقال: (كانت غزوة بدر، التي بدأت وانتهت بتدبير الله وتوجيهه وقيادته ومدده، فرقانًا بين الحق والباطل، كما يقول المفسرون: إجمالًا وفرقانًا بمعنى: أشمل وأدق وأوسع وأعمق كثيرا)[2].

– إن تأييد الله وإعانته للمؤمنين بتنزيل الملائكة؛ إشعار للمؤمنين بأنهم ليسوا وحدهم، فالله يختص أهل الحق والإيمان بالتأييد بشتى أنواع وأشكال العون، قال تعالى: “إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا. سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان” (الأنفال:12). فكان ذلك قوة عظمى وثباتا راسخا للمؤمنين، حينما يوقنون بأنهم ليسوا وحدهم في الميدان، وأنهم إذا حققوا أسباب النصر، واجتنبوا موانعه، فإنهم أهل لمدد السماء، وهذا الشعور يعطيهم جرأة في مقابلة الأعداء)[3].

وإن الحكمة من هذا الإمداد تحصيل ما يكون سببًا لانتصار المسلمين، قال تعالى: “إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِين” (الأنفال:9). فقد قاموا بكل ما يمكن أن يكون سببًا لنصر المسلمين، من بشارتهم بالنصر ومن تثبيتهم بما ألقوه في قلوبهم؛ من بواعث الأمل في نصرهم، والنشاط في قتالهم. وهو في نفس الوقت عامل قوي في تحطيم معنوية الكفار وزعزعة يقينهم، وذلك حينما يشيع في صفوفهم احتمال تكرار نزول الملائكة الذين شاهدهم بعضهم عيانًا، إنهم مهما قدروا قوة المسلمين وعددهم فإنه سيبقى في وجدانهم رعب مزلزل من احتمال مشاركة قوى غير منتظرة لا يعلمون عددها ولا يُـقَدرون مدى قوتها، وقد رافق هذا الشعور المؤمنين في كل حروبهم التي خاضها الصحابة رضي الله عنهم في العهد النبوي، وفي عهد الخلفاء الراشدين، كما رافق بعض المؤمنين بعد ذلك فكان عاملاً قويًا في انتصاراتهم المتكررة الحاسمة مع أعدائهم[4].

– إن المنافقين وكذلك أصحاب القلوب المريضة، من أسباب هدم بنيان المسلم بخداعهم، وما ينجي العبدَ منهم هو التوكل على الله، فإنهم لما أشرفوا على المسلمين ورأوا قلة عددهم قالوا مشيرين إلى المسلمين: غر هؤلاء دينهم، أي: اغتروا فأدخلوا أنفسهم فيما لا طاقة لهم به”.

– إن من نتائج غزوة بدر أن قَـوِيت شوكة المسلمين، وأصبحوا مرهوبين، يهابهم الناس، في المدينة وما جاورها، وتعززت مكانة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وارتفع نجم الإسلام فيها، ولم يعد المتشككون في المدينة يتجرؤون على إظهار كفرهم وعداوتهم للإسلام، وكذلك ازدادت ثقة المسلمين بالله سبحانه وتعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم، واشتد ساعدهم، ودخل عدد كبير من مشركي قريش، ومن مجاوري المدينة، في الإسلام.

– كانت خسارة قريش فادحة، فإضافة إلى مقتل أبي جهل وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وغيرهم من زعماء الكفر، وأسر عدد كبير منهم، فقد كانت المعركة خسارة معنوية عليهم، أما اليهود فقد هالهم أن ينتصر المسلمون في المعركة، وأن تقوى شوكتهم، فأخذوا يدبرون المكائد وينقضون العهود.

– كسب المسلمون من المعركة مهارات عسكرية، وأساليب جديدة في الحرب، وانتعش حال المسلمين المادي والاقتصادي بما أفاء الله عليهم من غنائم، فأصبحوا في عزة ومنعة.

خاتمة:

لقد أراد الله للمسلمين أن يصبحوا أمة، وأن تصبح لهم دولة، وأن يصبح لهم قوة وسلطان، وأن يعلموا أن النصر ليس بالعدد وليس بالعدة، وليس بالمال والخيل والزاد إنما هو بمقدار اتصال القلوب بقوة الله التي لا تقف لها قوة العباد.

وضرب شهداء غزوة بدر المثل الأعلى في الإخلاص لله ولدينه حيث اندفعوا بعزة يطلبون الشهادة في سبيل الله فنالوها واستحقوا خلود الذكر، فهم شموس مضيئة على مدى التاريخ فما ذكرت غزوة من الغزوات في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو معركة من المعارك الإسلامية على امتداد التاريخ الإسلامي إلا وذكر شهداء هذه غزوة حيث إنـهم القدوة في البذل والفداء كما أحسنوا البلاء في سبيل الله فكانوا الرعيل الأول من الشهداء.

وسنبقى نتعطر بذكر غزوة الكبرى، ومعانيها، وبفاتحة البشرى الأولى للمسلمين، والمدرسة النبويّةً المتكاملة، لما تحمله بين ثناياها من الدروس العظيمة والفوائد الجليلة، فهي إحدى الغزوات المليئة بالعظات والعبر، والمعاني والدلالات، وأصبحت أيضا أصبحت بداية للأمل المشرق، وإضاءة لمستقبل واعد للإسلام، ترتاح القلوب لاسترجاعها ويفيء إليها الوجدان، وتفيض بذكراها المشاعر.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – ابن كثير. تفسير القرآن العظيم. ج:4/ ص:65.

[2] – سيد قطب، في ظلال القرآن.

[3] – التاريخ الإسلامي للحميدي، ج:4/ص:143.

[4] – يُـنظر التاريخ الإسلامي للحميدي، ج:4/ص:145.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.