منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بين الفعل الإلهي والتدبير النبوي في غزوة بدر الكبرى

عبد الله الهلالي

0

 

الجزء الأول: من مظاهر الفعل الإلهي في غزوة بدر الكبرى

أولا:ظروف الذكرى

لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى، عقلها من عقلها، وجهلها من جهلها، تحل بالمسلمين ذكرى غزوة بدر الكبرى رمز الانتصارات والعزة والرجولة الإيمانية، تحل في زمن الانتكاسة الكبرى للأمة والهزيمة تلو الأخرى، والتطبيع السياسي والتربوي والثقافي والسياحي والاقتصادي العلني مع الصهاينة، والخيانة للدين والمبادئ والأمة.

كما تحل هذه الذكرى في زمن ابتلى الله فيه البلدان والعباد بوباء كورونا. وباء فرض غلق الحدود وتعليق الحركة الداخلية والخارجية وإغلاق المدارس والجامعات والمساجد بما فيها الحرمين الشريفين. تعود بنا هذه الذكرى والعالم الإسلامي يعيش تغولا للسلطات والحكام واستبدادا يجعل الأجيال الحاضرة لا تكاد تصدق انتصارات الأجداد والأسلاف، ومنها انتصار وملحمة غزوة بدر وعظمة ذلك الجيل الذي حقق تلك الانتصارات في غياب العدة والعدد.

المزيد من المشاركات
1 من 64

لقد أبانت جل الأنظمة العربية والإسلامية عن سوء تدبير الأزمة، إن لم تكن حمدت الله عليها. فنشطت قوانين الطوارئ والحجر الصحي، والتضييق على الحريات والتنكيل بالمعارضين الحقيقين من صحفيين وأبناء الحركة الإسلامية الواقفين في وجه الظلم والاستبداد والتدجين والتطبيع والتمييع. كل هذا يدفع وبحق إلى القنوط واليأس من الانفراج والتغيير، لولا الإيمان العميق لثلة من المؤمنين بالتأييد الغيبي والنصر الموعود لهذه الأمة. ألا إن نصر الله قريب.

ثانيا: مميزات غزوة بدر الكبرى

هي أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول مواجهة بين المسلمين والكفار في الإسلام بعد الهجرة النبوية. لم يخرج إليها الرسول صلى الله عليه وسلم أول الأمر قاصدا القتال، بل خرج طالبا عير قريش و قافلتها التجارية. من مميزاتها أيضا عدم الاستعداد لها و التفاوت البين في العدة والعدد واضحا بين المسلمين والمشركين.

يعتبرها أصحاب السير والمغازي فاصلا بين مرحلتين أساسيتين من تاريخ الإسلام: مرحلة الاستضعاف والدفاع ومرحلة الجهاد والخروج للعدو ومواجهته. وتصنف غزوة بدر بأنها مواجهة بين قوة الإيمان واليقين فيما عند الله تعالى، وبين كثرة العدد والسلاح. وهي  كذلك الغزوة التي شاركت فيها الملائكة في القتال، بنص الكتاب والسنة. قال الله تعالى:” إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ “[1] كما كانت تعليما للمسلمين وتأسيسا لمبادئ الشورى وفقه الغنائم، وقواعد الطاعة والامتثال للقادة وحرية إبداء الرأي ولو كان مخالفا لرأي القيادة. كما أبانت عن التوفيق الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين.

ثالثا:مظاهر الفعل الإلهي في غزوة بدر

إن غزوة بدر بحق تعد ملحمة عظيمة أدارتها المشيئة الإلهية بامتياز. ويظهر هذا من خلال:

  • قرار القتال والمواجهة

كما سبقت الإشارة، فلم يخرج المسلمون للمواجهة والقتال، بل خرجوا للعير والقافلة، لعلهم يسترجعون بعضا من أموال المهاجرين الذين سلبت وتركت في مكة للمشركين. قال الله تعالى:” وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ[2]. لذا فإن قرار القتال والمواجهة قرار إلهي. والآية صريحة في إظهار فعلين إلاهيين هما:

1.وعد الله رسوله بإحدى الطائفتين:

العير أو الفئة التي خرجت من قريش لقتال المسلمين ورغبة في استئصالهم بالمرة.

2.الفعل الثاني هو اختيار الله تعالى لرسوله وللمسلمين:

وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ. وهذا إيذان أن إحقاق الحق قد يستدعي المواجهة وما تكره النفوس. وهذا تدريب عملي رائع على الرضا باختيار الله تعالى، ولا يختار ربك إلا خيرا. يقول ابن عطاء الله السكندري : “لا يَكُنْ تأَخُّرُ أَمَدِ العَطاءِ مَعَ الإلْحاحِ في الدُّعاءِ مُوْجِباً لِيأْسِكَ. فَهُوَ ضَمِنَ لَكَ الإِجابةَ فيما يَخْتارُهُ لَكَ لا فيما تَخْتارُهُ لِنَفْسِكَ. وَفي الوَقْتِ الَّذي يُريدُ لا فِي الوَقْتِ الَّذي تُرْيدُ” [3] وهو مصداق قول الله تعالى” وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم”[4]

  • الإمداد بالملائكة

من مميزات غزوة بدر: الإمداد بالملائكة، فبعد الدعاء وحالة الافتقار والاضطرار التي عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم- وذلك هم المطلوب- جاء المدد من الله تعالى على شكل كتيبة من الملائكة قوامها ألف من الملائكة، قابلة للزيادة. قال الله تعالى:” فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ” اختلف المفسرون في نوع الإمداد ، أهو مادي عددي أم معنوي تشجيعي تكثيرا لعدد المسلمين وسوادهم.وقد قال الله تعالى في هذا الشأن:إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ”[5]كما اختلفوا أيضا في العدد. وقيل” فقال قوم نزل جبريل عليه السلام في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر، وميكائيل في خمسمائة على الميسرة، وفيها علي بن أبي طالب في صورة الرجال عليهم ثيابهم بيض وقاتلوا. وقيل قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ويوم حنين، وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود: من أين كان الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصا قال هو من الملائكة فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم، وروى أن رجلا من المسلمين بينما هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذ سمع صوت ضربة بالصوت فوقه فنظر إلى المشرك وقد خر مستلقيا وقد شق وجهه فحدث الأنصاري رسول الله فقال صدقت. ذاك من مدد السماء،”[6] وقال الطاهر بن عاشور:” وقد ثبت أن الملائكة نزلوا يوم بدر لنصرة المؤمنين، وشاهد بعض الصحابة طائفة منهم، وبعضهم شهد آثار قتلهم رجالاً من المشركين.”[7] .

   3. غشيان النعاس

عادة عندما يشتد التوتر والخوف والهلع، لا يستطيع الإنسان النوم ولو كان متعبا مرهقا، لكن الله تعالى برحمته وحسن تدبيره لجيش المسلمين أنزل على المسلمين النعاس راحة لأبدانهم وأمنا وأمانا من الخوف والقلق الذي أصابهم وتخلصا من وساوس الشيطان. والنعاس هو من أول مراحل النوم يستفيد منه الإنسان كثيرا.

  4.إنزال المطر

قال الله تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ[8] من الآيات المعجزة-وهي عديدة- التي وقعت في غزوة بدر الكبرى؛ إنزال المطر على الفريقين، لكنه كان ماء للشرب والري والطهارة والانتعاش وتثبيت الأقدام على الأرض الرملية لجيش المسلمين. فكان هذا المطر رحمة وسببا من أسباب المعية والتثبيت والنصر للمسلمين. كما كان هذا المطر مصدرا للقلق وزيادة التوتر وسببا لتوحل الأرض تحت أقدام المشركين وإعاقة حركتهم وحركة جيادهم وإبلهم. وهذا الفعل الإلهي العظيم لا شك أنه رسالة ربانية للمسلمين، بل رسالة لمن يفهم عن الله تعالى.

  5.أمر الملائكة بتثبيت الذين آمنوا

قال الله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ[9]. الآية أمر من الله العزيز الحكيم ملائكته بتثبيت المؤمنين وبأنه سبحانه تكفل بإلقاء الرعب والهلع والخوف في قلوب الكافرين. بل تعد الأمر إلى تحديد أماكن الضرب والقتل: الأعناق للقتل وضرب الأيدي لشل الحركة فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ. والآية صريحة في مشاركة الملائكة في القتال مع المؤمنين في غزوة بدر الكبرى.

  6.قتل الكافرين ورميهم

قال الله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 

جاء في   في تفسير هذه الآية: “ وأضاف جل ثناؤه قتلهم إلى نفسه، ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتلوا المشركين، إذ كان جل ثناؤه هو مسبِّب قتلهم، وعن أمره كان قتالُ المؤمنين إياهم. ففي ذلك أدلُّ الدليل على فساد قول المنكرين أن يكون لله في أفعال خلقه صُنْعٌ به وَصَلوا إليها. وكذلك قوله لنبيه عليه السلام:  وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فأضاف الرميَ إلى نبي الله، ثم نفاه عنه، وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي، إذ كان جل ثناؤه هو الموصل المرميَّ به إلى الذين رُمُوا به من المشركين, والمسبِّب الرمية لرسوله”[10].

والآية صريحة في فعل إلهي آخر، يتجلى في نصر المؤمنين وقتل الكافرين، بل إن الله تعالى نسب كلا من القتل والرمي لنفسه

  7. تحديد وتقسيم الغنائم

قال الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[11].

تولى الله تعالى بنفسه تقسيم الغنائم. وهذا فعل إ لهي آخر يراد منه التعليم والتشريع واستحضار حكم الله تعالى في مختلف الأمور ، حتى الحربية منها. والأمر منطقي جدا؛ إذ النصر إنما هو من عند الله ومن توفيقه، لذا كان بذل جزء  يسير من الغنائم وتخصيصه لله ولرسوله ، إنما هو شكر للمنعم على نعمة النصر والتوفيق والمعية.

رابعا: خاتمة

إن غزوة بدر الكبرى، بما تحمله من دلالات وخصوصيات، سواء بالنسبة للدعوة ولتاريخ الجهاد، ام بخصوص المجتمع المدني قاطبة، تعد غزوة من فعل واختيار الله تعالى بامتياز. إنها غزوة أدارتها العناية والمشيئة الإلهية. وهي دعوة للمسلمين اليوم لالتماس أسباب النصر من مظانها واتخاذ كل الأسباب المشروعة لتنزيل قدر الله وحكمه.

ألا وإن من قدر الله تعالى الذي لا يحابي أحدا ، أن نصر الله ومعيته وتثبيته لا يتنزل على القاعدين المتواكلين القانطين والآيسين من غد الإسلام، ومن نصر الله. ألا إن نصر الله قريب. إن المسلمين في بدر اتخذوا كل الأسباب المشروعة لتحقيق النصر بعيدا عن الحسابات الأرضية؛ فجاء النصر واضحا مبينا، لأنتهم حققوا حقيقة العبودية لله تعالى ونالوا محبته التي تقتضي النصر والتثبيت والمعية، مصداقا لقول الله تعالى في الحديث القدسي:” من عادى لي ولياً فقد آذنته بحرب مني، وما تقرب لي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ومازال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها وقدمه التي يمشي بها وإذا سألني لأعطينه وإذا استغفرني لأغفرن له وإذا استعاذني لأعيذنه.[12]


 [1] سورة الأنفال الآية 9

[2] سورة الأنفال الآية7

[3] الحكم العطائية، الحكمة 6

[4] سورة البقرة ، الآية 216

[5] سورة الأنفال

[6] تفسير الرازي

[7] التحرير والتنوير

[8] سورة الأنفال الآية 11

[9] سورة الأنفال ن الآية 12

[10] تفسير الإمام الطبري

[11] سورة الأنفال الآية 41

[12] أخرجه البخاري و البيهقي وأحمد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.