منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

غزوة بني المصطلق وحادثة الإفك؛ استعراض للأحداث، واستخلاص للدروس والعبر

محمد أكرت/ غزوة بني المصطلق وحادثة الإفك؛ استعراض للأحداث، واستخلاص للدروس والعبر

0

غزوة بني المصطلق وحادثة الإفك؛ استعراض للأحداث،

واستخلاص للدروس والعبر

محمد أكرت

 

الملخص:

المزيد من المشاركات
1 من 3

لا تزال السيرة النبوية معيناً لا ينضب لكل باحث عن الحق ساعٍ إلى معرفة هدي خير الورى صلى الله عليه وسلم، ومهما كثر على هذا المعين الواردون ونـهل منه الناهلون فسوف يظل كما هو في صفائه وقوته وغزارة مادته.

جاء هذا البحث ليسلط الضوء على جانب من سيرته صلى الله عليه وسلم، وفترة من فترات المسلمين، إنها غزوة بني المصطلق وما تلاها من حادثة الإفك.

فمن هم بنو المصطلق؟ وماهي هذه الأحداث العظام التي أحدثت البلبلة والاضطراب في المجتمع الإسلامي؟ وماهي أهم الدروس والعبر التي تستنبط من هذه الغزوة؟

كل هذه الأسئلة حاولت جاهدا الإجابة عنها وقد سلكت لأجل ذلك المنهج الاستقرائي التحليلي حيث رجعت لأهم المصادر والمراجع في السيرة النبوية.

الكلمات المفتاحية: السيرة، بني المصطلق، الإفك، العبر.

 مقدمة:

كانت السيرة النبوية ولا تزال معيناً لا ينضب لكل باحث عن الحق، ساعٍ إلى معرفة هدي خير الورى صلى الله عليه وسلم. ومهما كثر على هذا المعين الواردون ونـهل منه الناهلون فسوف يظل كما هو في صفائه وقوته وغزارة مادته.

والحديث عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليس الغرض منه الحكي المجرد، إنما المقصد الأسمى والغاية العظمى من دراسة سيرته عليه الصلاة والسلام، قراءة التاريخ بعين فاحصة مدققة تلتقط الدرر الكامنة فيه، وتستضيء بنوره لتسلك طريق النجاة وتواجه به مشكلات الحياة.

ولقد جاء هذا البحث ليتناول الحديث عن جانب من جوانب من سيرته صلى الله عليه وسلم، وفترة من فترات المسلمين. التي كان لها أكبر الأثر في التربية والتشريع وهي غزوة بني المصطلق وما تلاها من حادثة الإفك، مع التركيز على الدروس والعبر التي يمكن استنباطها.

فمن هم بنو المصطلق؟ وماهي هذه الأحداث العظام التي أحدثت البلبلة والاضطراب في المجتمع الإسلامي؟ وكيف واجهها وعالجها الحبيب عليه الصلاة والسلام؟ وماهي أهم الدروس والعبر التي تستنبط من هذه الغزوة؟ هذه كانت اهم الأسئلة التي حاول البحث الإجابة عنها متبعا في ذلك المنهج الاستقرائي لتتبع الأحداث، والمنهج التحليلي لاستخلاص الفوائد والدروس.

فجاء البحث مقسما إلى مبحثين اثنين، الأول منهما عرض أهم الاحداث التي وقعت في غزوة بني المصطلق، أما الثاني فخُصّص للدروس والعبر المستنبطة.

المبحث الأول: غزوة بني المصطلق وتسمى أيضا المريسيع ([1]):

المطلب الأول: التعريف ببني المصطلق:

بنو المصطلق (هم بطن ([2]) من خزاعة ([3]) والمصطلق([4]) جدهم جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، وهو ماء السماء) ([5]).

والمنطقة التي كانت تسكنها بنو المصطلق هي مناطق خزاعة لأنها بطن منها، ومن خلال تحديد مساكن خزاعة نعرف أماكن بني المصطلق، حيث تحدد المصادر أن منازل خزاعة تقع بمكة وما حولها؛ بمر الظهران وعُسْفان وخليص – كزبير- وقديد والجحفة والأبواء ([6]).

وكان لقريش المكانة والسيطرة والحرمة، ذلك أنهم من سكان الحرم وحماة بيت الله، وكانت القبائل تنظر إليها نظرة احترام وتوقير وتتبادل معها المصالح والمنافع، مما جعل قبائل كثيرة ومنها قبيلة بني المصطلق تتأخر في إعلان إسلامها، حفاظا على مصالحها.

ولم تنخرط بني المصطلق في أي عمل عدائي ضد المسلمين حتى غزوة أحد، حيث ساهموا مع قريش ضمن كتلة الأحابيش([7]) التي اشتركت في المعركة تأييدا لقريش.

وقد فقد المسلمون هيبتهم بين القبائل بسبب الخسائر الجسيمة التي لحقت بهم في غزوة أحد مما جعل عدة قبائل تجمع العدد والعدة للإغارة على المدينة والقضاء على المسلمين، منهم بنو أسد بقيادة طليحة وسلمة ابني خويلد، وخالد بن سفيان الهذلي الذي كان مقيما في عرنة قرب عرفات.

فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجمعهم ومحاولتهم اقتحام المدينة جنّد المسلمون أنفسهم عسكريا وسياسيا، ليثبتوا للقبائل بأنهم مخطئون في تصورهم أن المسلمين ضعفوا وأنهم لا يقدرون على المواجهة والمقاومة.

المطلب الثاني: أسباب الغزوة:

انتهزت قبيلة بني المصطلق بقيادة زعيمهم الحارث بن أبي ضرار فرصة انشغال المسلمين ببقية القبائل، فأخذت تجمع الجموع، وتقتني السلاح والخيل، وتسعى في القبائل المجاورة، تحرضها وتشجعها على الانضمام معها في الهجوم على دولة الإسلام.

أمام هذا الموقف، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عيونه لكشف نيات هذه القبيلة (فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم علم ذلك، واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول فأذن له، فخرج حتى ورد عليهم ماءهم، فوجد قوما مغرورين قد تألبوا وجمعوا الجموع، فقالوا: من الرجل؟ قال: رجل منكم، قدمت لما بلغني عن جمعكم لهذا الرجل، فأسير في قومي ومن أطاعني فتكون يدنا واحدة حتى نستأصله. قال الحارث بن أبي ضرار: فنحن على ذلك، فعجل علينا. قال بريدة: أركب الآن فآتيكم بجمع كثيف من قومي ومن أطاعني. فسروا بذلك منه، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر القوم) ([8]).

فلما تأكد لديه صلى الله عليه وسلم صحة الخبر ندب الصحابة وأسرع في الخروج لكسر شوكة هذا العدو وتحطيمه في عقر داره.

المطلب الثالث: تاريخ غزوة بني المصطلق:

اختلف في تاريخ هذه الغزوة على ثلاثة أقوال ([9]):

القول الأول: يرى أصحابه أنها كانت في شعبان من السنة الخامسة، وإلى هذا ذهب رأي جمهور المتقدمين من أصحاب السير كموسى بن عقبة والإمام الواقدي وابن سعد وابن قتيبة وابن هشام والبلاذري والذهبي وابن قيم الجوزية وتبعهم في ذلك محمد الخضري ومحمد الغزالي ومحمد سعيد البوطي.

قال ابن قيم الجوزية: “فصل في غزوة المريسيع وكانت في شعبان سنة خمس” ([10]).

وهو القول الذي رجحه إبراهيم بن إبراهيم قريبي في كتابة مرويات غزوة بني المصطلق.

القول الثاني: أنها كانت في السنة السادسة وإلى هذا ذهب ابن إسحاق وتبعه خليفة بن خياط والامام ابن جرير الطبري وابن حزم وابن عبد البر وابن الأثير وابن خلدون.

قال ابن إسحاق: “فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض جمادى الآخرة ورجبا، ثم غزا بني المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست” ([11]).

القول الثالث: فيرى أصحابه أنها كانت في السنة الرابعة من الهجرة وذهب إلى ذلك المسعودي وابن العربي المالكي وغيرهم.

المطلب الرابع: وصف غزوة بني المصطلق:

في السنة الخامسة على الصحيح، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق في سبعمائة مقاتل ([12])، وثلاثين فرسا ([13])، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري، ويقال: نميلة بن عبد الله الليثي ([14]).

وكان شعار المسلمين في هذه الغزوة: يا منصور أمت أمت( [15]).

وذكر البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: “أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارّون – أي غافلون – وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى سبيهم وأصاب يومئذ (قال يحيى: أحسبه قال: جويرية (أو قال: البتّة) ابنة الحارث” ([16]).

وقال ابن إسحاق: “فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم خرج إليهم، حتى لقيهم على ماء لهم يقال له: المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وقتل من قتل منهم، ونفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم ([17]) فأفاءهم عليه” ([18]).

المطلب الخامس: أهم الأحداث في هذه الغزوة:

1-خرج مع المسلمين في هذه الغزوة عدد كبير من المنافقين، كان يغلب عليهم التخلف في الغزوات السابقة، وذلك لما رأوا من اطراد النصر للمسلمين وطمعا في الغنيمة، وكان المنافقون السبب الرئيسي في جملة من الأحداث سنتعرف عليها فيما بعد.

2-قسمة النبي صلى الله عليه وسلم للغنائم بين المسلمين.

قال الواقدي في المغازي: “فحدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن أبي بكر بن عبد الله ابن أبي جهم، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسرى فكتفوا وجعلوا ناحية، واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب. وأمر بما وجد في رحالهم من رثة [المتاع] والسلاح فجمع، وعمد إلى النعم والشاء فسيق. واستعمل عليهم شقران مولاه، وجمع الذرية ناحية، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَقْسَمِ- مَقْسَمِ الْخُمُسِ- وَسُهْمَانِ الْمُسْلِمِينَ مَحْمِيَةَ بْنَ جَزْءٍ الزّبَيْدِيّ، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس من جميع المغنم، فكان يليه محمية بن جزء الزبيدي. قالوا: فاقتسم السبي وفرق، فصار في أيدي الرجال، وقسمت الرثة وقسم النعم والشاء، وعدلت الجزور بعشر من الغنم وبيعت الرثة فيمن يريد، وأسهم للفرس سهمان ولصاحبه سهم، وللراجل سهم” ([19]).

3-زواجه صلى الله عليه وسلم من جويرية بنت الحارث رضي الله عنها.

قال ابن إسحاق: “وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فو الله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها صلى الله عليه وسلم ما رأيت([20]) فدخلت عليه، فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث ابن أبي ضرار، سيد قومه، وقد أصابني من البلاء، ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي، قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضي عنك كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت. قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار، فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها” ([21]).

4-إثارة المنافقين للعصبية والفتنة بين المسلمين.

فقد خرج مع المسلمين في غزوة بني المصطلق عدد كبير من المنافقين طمعا في الغنيمة، وعند ماء المريسيع كشف المنافقون عن الحقد الذي يضمرونه للإسلام والمسلمين، حيث سعوا إلى إثارة العصبية بين المهاجرين والأنصار.

قال ابن هشام: “فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الماء، وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار، يقال له: جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني، حليف بني عوف بن الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فغضب عبد الله بن أبي بن سلول، وعنده رهط من قومه فيهم: زيد بن أرقم، غلام حدث، فقال: أوقد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم. فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك عند فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه! لا ولكن أذن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها، فارتحل الناس.

وقد مشى عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه، فحلف بالله: ما قلت ما قال، ولا تكلمت به. – وكان في قومه شريفا عظيما، فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل، حدبا على ابن أبي بن سلول، ودفعا عنه.

قال ابن إسحاق: فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار، لقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال: يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة منكرة، ما كنت تروح في مثلها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ قال: وأي صاحب يا رسول الله قال: عبد الله بن أبي، قال: وما قال؟ قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال: فأنت يا رسول الله والله تخرجه منها إن شئت. هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله، ارفق به، فو الله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا.

ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما، وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس. من حديث عبد الله ابن أبي.

ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في ابن أبي ومن كان على مثل أمره، فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن أرقم، ثم قال: هذا الذي أوفى الله بأذنه. وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي الذي كان من أمر أبيه.

قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عبد الله أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر، فأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا” ([22]).

هذه خلاصة تلك المحاولة، وقد ذكر القرآن ذلك في سورة (المنافقون) التي افتتحت بقوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) (المنافقون: 1).

5- محاولة المنافقين الطعن في عرض النبي من خلال اختلاق حادثة الإفك.

بعد فشل المنافقين في المحاولة الأولى لإثارة النعرة الجاهلية، حاولوا ثانية وهذه المرة من خلال النيل من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أهل بيته الأطهار و خلاصة حديث الإفك: أن عائشة رضي الله عنها بعد غزوة رسول الله وحين آذنوا بالرحيل ابتعدت عن الجيش لقضاء شأنها، وبينما هي مقبلة إلى رحلها وجدت أن عقدها قد انقطع فعادت تبحث عنه فوجدته، لكنها لما رجعت وجدت أن الجيش قد رحل فجلست وغلبها النوم فنامت فرآها صفوان بن المعطل السُّلَمي وكان وراء الجيش فاستيقظت باسترجاعه، فأناخ راحلته وأركبها وانطلق حتى أتى الجيش في حر الظهيرة وهم نزول فأشاع عبد الله بن أبي في المعسكر حديث الإفك وانتشر بعد دخولهم المدينة لشدة عداوته لرسول الله ومرضت عائشة رضي الله عنها شهرا واستاء رسول الله استياءً شديدا ثم ذهبت عائشة إلى بيت أبيها، وقد علمت بحديث الناس، وكانت لا تنام الليل من شدة الحزن والبكاء، وكانت ترجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئها الله بها، وما كانت تظن أن الله تعالى ينزل في شأنها وحيا، وبينا رسول الله في حيرة وقلق إذ نزل الوحي عليه ببراءة عائشة رضي الله عنها، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: 11).

وكان نزول براءة عائشة – رضي الله عنها – بعد قدومهم المدينة بسبع وثلاثين ليلة في قول بعض المفسرين ([23]).

6-استفتاء بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن العزل.

قال الواقدي في المغازي ([24]): (وحدثني الضحاك بن عثمان، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبى محيرير، وأبي ضمرة عن أبي سعيد الخدري، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبايا، وبنا شهوة النساء، واشتدت علينا العزبة، وأحببنا الفداء فأردنا العزل فقلنا: نعزل. ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا قبل أن نسأله عن ذلك، فسألناه فقال: ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة.

وكان أبو سعيد يقول: فقدم علينا وفودهم فافتدوا الذرية والنساء، ورجعوا بهن إلى بلادهم، وخيّر من خيرّ منهن أن تقيم عند من صارت في سهمه، فأبين إلا الرجوع.

قال الضحاك: فحدثت هذا الحديث أبا النصر فقال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبن سعيد الخدري، قال: قال رجل من اليهود، وخرجت بجارية لي أبيعها في السوق، فقال لي: يا أبا سعيد، لعلك تريد بيعها وفي بطنها منك سخلة! قال: فقلت كلا، إني كنت أعزل عنها. فقال: تلك الموءودة الصغرى. قال: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ذلك، فقال: كذبت اليهود! كذبت اليهود!).

7-اسلام بني المصطلق وزعيمها الحارث بن أبي ضرار.

لَمَّا استكثر على الصحابة أن يتملكوا أصهار النبي صلى الله عليه وسلم، فحرروا ما بيدهم من الأسرة وردوهم إلى ذويهم، وحيال هذا العتق الجماعي دخلت قبيلة بني المصطلق كلها في الإسلام ([25])، وجاء الحارث بن أبي ضرار بعد الوقعة بفداء ابنته إلى المدينة فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فأسلم ([26]).

المبحث الثاني: الدروس والعبر من غزوة بني المصطلق وحادثة الإفك:

المطلب الأول: الدروس والعبر من الغزوة:

حملت غزوة بني المصطلق الكثير من الدروس والعبر أجملها فيما يلي:

-الإسلام أفعال وليس ردود أفعال.

لمّا شعر النبي عليه الصلاة والسلام أن بني المصطلق تتجمع وتتهيَّأُ، وتكيد له، بادرهم بالهجوم -وقد قيل في شؤون الحرب قديما: إن الهجوم أفضل وسائل الدفاع- ولذلك يتوجب تحصيل أسباب القوة. لأن الاستعداد الجيد، واقتناء السلاح، الهدف منه ليس أن تستعمله، بل أن ترهب به، كما قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) (الأنفال: 60).

-مشروعية القرعة بين النساء حالة التعدد عند إرادة السفر.

لما كانت غزوة بني المصطلق أقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين نسائه كعادته فأصابت القرعة عائشة رضي الله عنها فخرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، قال محمد بن إسحاق من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأَيَّتُهن خرج سهمها خرج بها معه، فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه، كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهن معه، فخرج بي رسول الله صلى الله عليه وسلم) ([27]). وهذا من عدالة الإسلام وسماحته ومراعاته للحقوق الإنسانية، وأدعى إلى إرضاء الجميع وعدم وقوع بغضاء وشحناء بينهن لأنه لو اختار واحدة منهن بدون قرعة لكان في ذلك شقاق ونزاع مع بقية الزوجات، ولاستوائهن في هذا الحق، فكانت القرعة حاسمة لهذا كله”([28]).

-جواز خروج النساء في الغزوات وغيرها.

تقدم حديث عائشة أنها خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي حديث الربيع بنت معوذ عند البخاري أنها قالت:” كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنسقي القوم، ونخدمهم، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة ([29]). وغيرها من النصوص التي تبرز بوضوح كامل قيمة المرأة في المجتمع المسلم، فإنها فيه عضو فعّال، تشارك في الحرب، كما أنها في السّلم سيدة البيت ومربية الأجيال، كل ذلك مقيّد بقيود الإسلام وشروطه التي تهدف إلى صيانة المرأة عن الابتذال والسفور، والخروج عن حد الاعتدال ([30]).

-زواجه صلى الله عليه وسلم من جويرية بنت الحارث رضي الله عنها.

أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرحم بني المصطلق، وكانت هذه سنته صلى الله عليه وسلم في أعدائه المنكسرين. فتزوج عليه الصلاة والسلام من جويرية رضي الله عنها ويسّر الله له في ذلك وبارك له فيه، وتحقق الأمل المنشود من وراء هذا الزواج، حيث أسلمت القبيلة كلها بإسلام جويرية وإسلام أبيها الحارث. وعاد هذا الزواج المبارك على الإسلام والمسلمين بالخير والقوة، والدعم المادي. وهذا الذي يغيب عن بعض المستشرقين فالنبي عليه الصلاة والسلام يتزوج تأليفاً للقلوب، ولتحقيق مصلحة إيمانية راجحة. فليس للمسلم عداوة ثابتة، ولا عداوة شخصية دائمة، وإنما العداوة تنشأ بسبب فساد عمل الآخر. لذلك فالمؤمن يكره من الكافر كفره، ويكره من المنافق نفاقه، ويكره من العاصي معصيته.

-تغلّب الرسول صلى الله عليه وسلم على المشكلات التي صاحبت هذه الغزوة.

لما قوي شأن المسلمين واشتدت شوكتهم، كاد لهم المنافقون، وتعاونوا مع اليهود. لكن لما هُزم اليهود التحق المنافقون بالمسلمين، لأنهم مع القوي دائماً، فالمنافق غير المؤمن، ليس له مبدأ، ومصلحته هي المبدأ، وإلهه هو الهوى، فأينما تميل الكفة، يميل معها. وظهر ذلك جليّاً في غزوة بني المصطلق حيث خرج النبي هذه المرة مع المنافقين الذين لم يعتادوا الخروج معه قبلاً، واغتروا بانتصاراته وغنائمه، ليصيبوا من ذلك سمعة ومالاً.

لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتي براعة فائقة في سياسة الأمور وتربية الناس والتغلب على المشاكل. فلم يقف موقفًا سلبيًّا حيال تلك المؤامرة التي تزعمها ابن سلول لتصديع الصف المسلم، وإحياء نعرات الجاهلية في وسطه، بل اتخذ إزاءها الخطوة الإيجابية التالية:

1- سار رسول الله بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم الثاني حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما. وبهذا التصرف البالغ الغاية في السياسة الرشيدة قضى على الفتنة قضاء مبرمًا، ولم يدع مجالا للحديث فيما قال ابن أبيّ.

2- لم يواجه النبي صلى الله عليه وسلم ابن سلول ومؤامراته المدبرة بالقوة واستعمال السلاح حرصًا على وحدة الصف المسلم، وذلك لأن لابن أبيّ أتباعًا وشيعة مسلمين مغرورين، ولو فتك به لأرعدت له أنوف، وغضب له رجال متحمسون له، وقد يدفعهم تحمسهم له إلى تقطيع الوحدة المسلمة، وليس في ذلك أي مصلحة للمسلمين ولا للإسلام، وإنها لسياسة شرعية حكيمة رشيدة في معالجة المواقف العصبية في حزم وقوة أعصاب وبُعد نظر.

وهذه البراعة في الحكمة والسياسة وتدبير الأمور متفرعة عن كونه صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولاً إلى الناس ([31]) لكي تقتدي به الأمة في تصرفاته العظيمة.

وقد كان لتسامح الرسول صلى الله عليه وسلم مع رأس المنافقين أبعد الآثار فيما بعد، فقد كان ابن أبيّ كلما أحدث حدثًا كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه، ويعنفونه، ويعرضون قتله على النبي صلى الله عليه وسلم والرسول يأبى ويصفح، فأراد رسول الله أن يكشف لعمر رضي الله عنه عن آثار سياسته الحكيمة، فقال: «كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلتَ لي لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم لقتلته» فقال عمر: قد –والله- علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري.

-محاربة العصبية الجاهلية.

إن العصبية الممقوتة والتي نصفها بالجاهلية غير مقتصرة على العصبية القبلية أي الاشتراك في النسب الواحد ونسب القبيلة التي ينتمون إليها، وإنما الاشتراك في معنى أو وصف معين يجعل المشتركين فيه يتعاونون ويتناصرون فيما بينهم بالحق وبالباطل، ويكون ولاؤهم فيما بينهم على أساس هذا المعنى أو الوصف المشترك. فعندما كسع (رفس) رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، قال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بال دعوى الجاهلية؟» قالوا: رجل من المهاجرين كسع رجلا من الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوها فإنها منتنة»، ووجه الدلالة بهذا الخبر، أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر هذه المناداة لما تشعره من معنى العصبية، مع أن المنادي استعمل اسمًا استعمله القرآن وهو (المهاجرين) (والأنصار). فالمهاجري استنصر بالمهاجرين مع أنه هو الذي كسع، فكأنه بندائه هذا يريد عونهم، لاشتراكه وإياهم بمعنى واحد وهو (المهاجرة)، وكذلك الأنصاري استنصر بالأنصار؛ لأنه منهم ويشترك وإياهم بوصف واحد ومعنى واحد وهو مدلول كلمة (الأنصار), وكان حق الاثنين -إذا كان لا بد من الاستنصار بالغير- أن يكون الاستنصار بالمسلمين جميعًا، وعلى هذا فالمطلوب من الدعاة التأكيد على نبذ العصبية بجميع أنواعها سواء كانت عصبية تقوم على أساس الاشتراك بالقبيلة الواحدة، أو على أي أساس آخر، من بلد, أو مذهب، أو حزب، أو عرق، أو لون، أو دم، أو جنس، وأن يكون الولاء والتناصر على أساس الاشتراك بالأخوة الإسلامية التي أقامها وأثبتها واعتبرها الله تعالى بين المسلمين بقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات: 10). وأن يكون التناصر فيما بينهم تناصرًا على الحق لا على الباطل بمعنى أن ينصروا المحق، وأن يكونوا معه، لا مع المعتدي ([32]).

وقد بلغ الأمر بالفقهاء أن أفتوا بتعزير الداعي بدعوى الجاهلية والعصبية، وفي ذلك يقول الإمام السهيلي في تعليقه على هذه الحادثة: “قال (دعوها فإنها منتنة) يعني: إنها كلمة خبيثة لأنها من دعوى الجاهلية وجعل الله المؤمنين إخوة وحزبا واحدا، فإنما ينبغي أن تكون الدعوة يا للمسلمين فمن دعا في الإسلام بدعوى الجاهلية فيتوجه للفقهاء فيها ثلاثة أقوال أحدها: أن يجلد من استجاب لها بالسلاح خمسين سوطا اقتداء بأبي موسى الأشعري في جلده النابغة الجعدي خمسين سوطا، حين سمع يا لعامر فأقبل يشتد بعصبة له. والقول الثاني: أن فيها الجلد دون العشرة لنهيه عليه السلام أن يجلد أحد فوق العشرة إلا في حد والقول الثالث اجتهاد الإمام في ذلك على حسب ما يراه من سد الذريعة وإغلاق باب الشر إما بالوعيد وإما بالسجن وإما بالجلد” ([33]).

-أثر التربية الإيمانية في حياة الصحابة.

لقد كان للتربية الإيمانية أبلغ الأثر في تغيير طباع الصحابة وسلوكهم، فتحوّلوا من عرب جفاة تغلب عليهم العصبية المقيتة، إلى جيل قوي متشبع بروح الإسلام ومبادئه، يستسلم لأمر الله ورسوله. فها هو عبد الله بن عبد الله بن أبيّ يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه من أجل مقالته التي قال، “تقربا إلى الله وتزلفا إلى رسوله مع أن الرسول – عليه السلام – أبعد الناس نسبا منهم وما تأخر إسلام قومه وبني عمه وسبق إلى الإيمان به الأباعد إلا لحكمة عظيمة إذ لو بادر أهله وأقربوه إلى الإيمان به لقيل قوم أرادوا الفخر برجل منهم وتعصبوا له فلما بادر إليه الأباعد وقاتلوا على حبه من كان منهم أو من غيرهم علم أن ذلك عن بصيرة صادقة ويقين قد تغلغل في قلوبهم ورهبة من الله أزالت صفة قد كانت سكنت في نفوسهم من أخلاق الجاهلية لا يستطيع إزالتها إلا الذي فطر الفطرة الأولى، وهو القادر على ما يشاء” ([34]).

المطلب الثاني: دروس وعبر من حادثة الإفك:

جاءت حادثة الإفك منطوية على حكم إلهية باهرة مصداقا لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: 11).

ومن هذه الحكم:

-أن الله يدبر الأمر من السماء.

حيث أن هناك عشرات الاحتمالات التي كانت من الممكن أن تكون سببا في عدم حدوث الإفك، لكن الأحداث التي وقعت في عهد النبي أحداثٌ مقصودةٌ لذاتها.

فكل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلِّقةٌ بالخير المطلق. فأحياناً تقع للإنسان مشكلة، فيقول لو لم أسافر لما كانت. لو لم أسلك هذا الطريق لما كانت. لو لم أركب هذه المركبة لما كانت… لكن لله عز وجل الحكمة البالغة، أدركها الإنسان أو لم يدركها.

-الله عزَّ وجل لطيفٌ لما يشاء.

فالله عزَّ وجل ينقل الإنسان من حال إلى حال، ومن مستوى إلى مستوى، ومن منزلة إلى منزلة، ومن مقام إلى مقام.

الله عز وجل يؤدِّب، ويهذِّب، ويشجِّع، ويقوي، ويعين، ويعطي الخبرات العميقة، فكل مأساة تتضمن في ثناياها كل هذه المعاني. لأن المصائب أحياناً تصنع الرجال وتصنع النساء. تمرّ بالإنسان ظروف صعبة يصبح معها رجلاً بالمعنى الكبير، والمرأة حين تمرُّ بظروف صعبة تصبح معها أماً كبيرةً.

-أن المعركة بين الحق والباطل معركةٌ أزليّةٌ أبديَّة،

لذلك فالمنافقون أرادوا من حديث الإفك، تهجير المسلمين إلى بلادٍ أخرى، عن طريق تشويه سمعة المؤمنين، من خلال تشويه سمعة النبي صلى الله عليه وسلم و اتهام زوجته الطاهرة بالفاحشة.

فالمؤمن يوطِّن نفسه على أن هناك من يناوئه، وهناك من يطعن في نزاهته، وهناك من يريد أن يشوِّه سمعته من أعداء الداخل والخارج، بتلفيق التهم ضده، ورميه في عرضه وفي أنفسه. لكن الله عز وجل يدافع عن الذين آمنوا، ويرد كيد الأعداء في نحورهم، ويزيد أنبياءه وأولياءه الصالحين رفعة في الدنيا وثواباً في الآخرة،

-إبراز بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم.

لقد فاجأت هذه الشائعة سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في طور إنسانيته العادية، يتصرف ويتأمل ويفكر كأي أحد من الناس ضمن حدود العصمة المعروفة للأنبياء والمرسلين. فاستقبلها كما يستقبل مثلها أي بشر من الناس، ليس له اطلاع على غيب مكنون ولا ضمير مجهول، ولا على قصد ملفق كاذب ([35]). لقد كان هذا كله حاسما لما يخشى أن يقع فيه بعض المسلمين فيرفعون رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق منزلته التي أنزله الله إياها ويدعون له ما لم يدعه لنفسه.

-حد القذف وأهميته في الحفاظ على أعراض المسلمين.

كان المجتمع الإسلامي يتربّى من خلال الأحداث. فعندما وقعت حادثة الإفك أراد المولى عز وجل أن يُشرِّع بعض الأحكام التي تساهم في المحافظة على أعراض المسلمين، ولذلك نزلت سورة النور، التي تحدثت عن حكم الزانية والزاني، وعن قبح هذه الفاحشة، وعما يجب على الحاكم أن يفعله إذا رمى أحد الزوجين صاحبه، وعن العقوبة التي أوجبها الله على الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، إلى غير ذلك من الأحكام.

فجُلد من المؤمنين؛ مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، تطهيرا لهم، وتكفيرا عما بدر منهم من الحديث في عرض عائشة رضي الله عنها.

“فإن قذف قاذف اليوم إحدى أمهات المؤمنين سوى عائشة، فيتوجه فيه للفقهاء قولان:

-أحدهما: أن يجلد ثمانين كما يقتضيه عموم التنزيل وكما فعل النبي – صلى الله عليه وسلم – بالذين قذفوا أهله قبل نزول القرآن ببراءتها، وأما بعد نزول القرآن ببراءتها فيقتل قاذفها قتل كفر ولا يصلى عليه ولا يورث لأنه كذب الله تعالى.

والقول الثاني: في قاذف أمهات المؤمنين غير عائشة – رضي الله عنهن أن يقتل أيضا، وبه كان يأخذ شيخنا – رحمه الله تعالى – ويحتج بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا) (الأحزاب: 57). وإذا قذف أزواج النبي عليه السلام فقد سبه” ([36]).

-أن الله هو الحق، وأنه لا بدَّ من أن يحقَّ الحق.

فقد تولى الحق سبحانه وتعالى تبرئة الطاهرة عائشة من فوق سبع سماوات، لأنه عز وجل يتولَّى الدفاع عن أوليائه. لكن من الحكمة والفطنة ألا يجلس المؤمن مجلساً فيه مظنة اتهامٍ له، حتى لا يُلام أو يُتّهم.

-نتعلَّم من هذه الواقعة أن نكون واضحين إلى أبعد الحدود، وقد قيل: البيان يطرد الشيطان.

-نعوّد أنفسنا أن نفعل شيئاً، لا يمكن أن يفسَّر إلا تفسيراً واحداً، الشيء الذي يمكن أن يفسَّر تفسيرين، نبتعد عنه، وإذا تلبّسنا به؛ نوضح قصدنا ومرادنا.

-منهج مواجهة الشائعات.

رسم القرآن الكريم منهجاً واضحا في مواجهة الشائعات – وما أكثرها في زماننا-

فأولى الخطوات:

-عرض الأمر على القلب، واستفتاء الضمير.

فالمؤمن لا ينبغي أن يكون أذنا يمر الكلام عليه بلا تروّ ولا تفهم، وإنما بنقد واعتبار، فيتوقف حتى يتبيّن. قال تعالى مبيناً للمؤمنين أهمية هذه الخطوة في قصة الإفك: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) (النور: 12).

نعم كان هذا هو الأولى؛ أن يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً، وأن يستبعدوا سقوط أنفسهم في هذه الرذيلة، وكذلك فعل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه حينما قالت له امرأته أم أيوب: “أما تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها؟ قال: نعم، وذلك الكذب؛ أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك” ([37]).

وهكذا إذا سمع المسلم شائعة أو تهمة ملفقة رمي بها أحد عباد الله الصالحين أو الدعاة المخلصين، عليه أن يظن بأخيه خيراً، ويعلم أبعاد حرب الحق والباطل، وليعلم أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قبله رمي في عرضه. وليعلم أن هذا هو دأب المنافقين والمأجورين والحاقدين مع عباد الله المؤمنين، الذين يدعون إلى صراط الله المستقيم، وأن هذا هو دأب الجبناء الذين يعملون من خلف الأستار بتلفيق أخس التهم الباطلة.

والخطوة الثانية من منهج مقابلة الشائعات: طلب الدليل الخارجي والبرهان الواقعي. فعند طلب البينة تتضح الحقيقة، ولن يجد المبطل الأفاك بيّنة. قال تعالى مبيناً ذلك: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (النور: 13).

ويبين سبحانه وتعالى خطورة الغفلة عن هاتين الخطوتين بقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: 14). فلقد احتسبها الله للجماعة المسلمة درساً قاسياً، فأدركهم بفضله ورحمته، ولم يمسهم بعقابه أو عذابه.

المطلب الثالث: الآيات التي تناولت حادثة الإفك وما فيها من الدروس:

وفي ختام الحديث عن الدروس والعبر من حادثة الإفك، لابد من استعراض الآيات التي تناولت هذا الحدث العظيمة واستخلاص أهم الحكم والعبر منها ([38]):

  • أولا: تبرئة السيدة عائشة رضي الله عنها من الإفك بقرآن يتلى إلى آخر الزمان.

قال عزو جل: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: 11).

  • ثانيا: الحفاظ على سمعة المؤمنين:

الحرص على سمعة المؤمنين، وعلى حسن الظن فيما بينهم، قال تعالى: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) (النور: 12).

  • ثالثا: تكذيب القائلين بالإفك.

قال عز وجل: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (النور: 13).

  • رابعا: بيان فضل الله على المؤمنين ورأفته بهم.

قال الله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: 14).

  • خامسا: التثبت من الأقوال قبل نشرها:

قال سبحانه وتعالى: (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) (النور: 16).

  • سادسا: النهي عن اقتراف مثل هذا الذنب العظيم أو العودة إليه:

قال الله عز وجل: (يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النور: 17-18).

  • سابعا: النهي عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين.

قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النور: 19).

  • ثامنا: بيان فضل الله سبحانه على عباده المؤمنين ورأفته بهم وكرر ذلك تأكيدًا له، وتذكيرا به.

فقال عز وجل: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (النور: 20).

  • تاسعا: النهي عن تتبع خطوات الشيطان التي تؤدي للهلاك.

قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (النور:21).

  • عاشرا: الحث على النفقة على الأقارب وإن أساءوا.

قال تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور: 22).

  • الحادي عشر: غيرة الله تعالى على عباده المؤمنين الصادقين، ودفاعه عنهم، وتهديده لمن يرميهم بالفحشاء باللعن في الدنيا والآخر.

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) (النور: 23-25).

قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآيات: “ولو فليت القرآن كله وفتشت عما أوعد به من العصاة لم تر الله تعالى قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها، ولا أنزل من الآيات القوارع، المشحونة بالوعيد الشديد والعتاب البليغ والزجر العنيف. واستعظام ما ركب من ذلك، واستفظاع ما أقدم عليه، ما أنزل فيه على طرق مختلفة وأساليب مفتنة. كل واحد منها كاف في بابه، ولو لم ينزل إلا هذه الثلاث لكفى بها، حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعا، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأنّ ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا، وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب الذي هم أهله([39]).

  • الثاني عشر: من سنن الله أن الطيّبون للطيبات، والطيبات للطيبين.

جاء في سياق الآيات بيان سنة من سنن الله الجارية في الكون وهي أن الطيبين يجعلهم الله من نصيب الطيبات، والطيبات يجعلهن سبحانه وتعالى من نصيب الطيبين.

قال سبحانه وهو أصدق القائلين: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (النور: 26).

  • الثالث عشر: الصالحون مستهدفون.

من هذه الحادثة نأخذ أن الأنبياء وأتباعهم مستهدفون من قبل أعداء الإسلام من الكافرين والمنافقين وأتباعهم؛ بتلفيق التهم ضدهم، ورميهم في أعراضهم وفي أنفسهم، ولكن الله يدافع عنهم، ويرد كيد الأعداء في نحورهم، ويزيد أنبياءه وأولياءه الصالحين رفعة في الدنيا وثواباً في الآخرة، وأنه مهما لَفّق الملفّقون من التّهم ورموا به أولياء الله؛ فإن الله تعالى كاشف ذلك.

خاتمة:

سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست ككل السير، بل هي تربية وتعليم، ودروس وعبر، ومنهج حياة للأمة.

ولقد حملت غزوة بني المصطلق وحادثة الإفك الكثير من الدروس والعبر التي تحتاجها الأمة للنهوض من جديد، ومواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية.

وقد خلص البحث إلى جملة من النتائج أهمها:

1-ضرورة الاعتكاف على السيرة النبوية وقراءتها بطريقة جديدة، قراءة لا تقتصر على السرد المجرد، بل دراسة تستنطق الأحداث، وتفهم مغزاها، وتجلّي أسرارها وخباياها.

2-غزوة بني المصطلق من أهم الغزوات التي خاضها المسلمون، لأنها أبرزت الكيد الذي كاده المنافقون للمسلمين وللرسول صلى الله عليه وسلم، وما ترتب عن ذلك من احداث وتصدعات كادت تعصف بوحدة المسلمين.

3-تميزت غزوة المصطلق أيضا بتشريع بعض الأحكام المهمة، كحد القذف، والعزل، ووجوب التثبت من الأخبار قبل نشرها، إلى غير ذلك من الأحكام التي تولى البحث بيانها.

4-حملت غزوة بني المصطلق الكثير من الدروس والعبر والتي تحتاج إلى مزيد من التأمل والفهم، لاستنطاقها أولا، ولاستخراج المزيد منها ثانيا.

5-أن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما كتب عنها، فلا يستطيع أحد ان يصفها بالوصف الدقيق، لذلك نجد دائما من يكتب في السيرة ويأتي بالجديد أو بدراسة مختلفة.


فهرس المصادر والمراجع:

  • القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.
  • .محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي. تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مجموعة من المحققين. طباعة ونشر دار الهداية.
  • إبراهيم بن إبراهيم قريبي. مرويات غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع. جمع وتحقيق ودراسة، وهو في الأصل رسالة لنيل شهادة الدكتوراه بالعقيدة في جامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية. منشورات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. المجلس العلمي. إحياء التراث الإسلامي-5-
  • أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير. اللباب في تهذيب الانساب. دار صادر -بيروت-.
  • أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. المحقق: حسام الدين القدسي. الناشر: مكتبة القدسي، القاهرة. عام النشر: 1414 هـ، 1994.
  • أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي. الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، المحقق: عمر عبد السلام السلامي. نشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت. الطبعة الأولى، 1421هـ/ 2000م.
  • أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله. الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل. دار الكتاب العربي – بيروت. الطبعة: الثالثة – 1407 هـ.
  • أبو بدر محمد بن بكر آل عابد. حديث القرآن عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم. دار الغرب الإسلامي – بيروت- الطبعة الأولى.
  • أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي. الجامع لأحكام القرآن. تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش. الناشر: دار الكتب المصرية – القاهرة الطبعة: الثانية، 1384هـ – 1964 م
  • أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن شهاب الدين بن محمد الزرقاني المالكي. شرح المواهب اللدنية بالمنح المحمدية. دار الكتب العلمية. الطبعة: الأولى 1417هـ-1996م
  • أبو محمد عبد الملك بن هشام المعافري. السيرة النبوية. تخريج وتحقيق: وليد بن محمد سلامة وخالد بن محمد بن عثمان. مكتبة الصفا. الطبعة الأولى:2001م
  • أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي. فتح الباري شرح صحيح البخاري. الناشر: دار المعرفة – بيروت، 1379. رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي. قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب.
  • شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي. تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام. المحقق: الدكتور بشار عوّاد معروف. الناشر: دار الغرب الإسلامي. الطبعة: الأولى، 2003 م.
  • شمس الدين أبي عبد الله محمد بن ابي بكر ابن قيم الجوزية. زاد المعاد في هدي خير العباد. اعتنى به محمد سامح عمر. دار الجوزي بالقاهرة. الطبعة الأولى:2007م
  • علي محمد الصلابي. السيرة النبوية: عرض وقائع وتحليل أحداث. دار المعرفة-بيروت- الطبعة السابعة.2008م.
  • محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي. صحيح البخاري: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه. المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر. الناشر: دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي). الطبعة: الأولى، 1422هـ.
  • محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء، المدني، أبو عبد الله، الواقدي. المغازي، تحقيق: مارسدن جونس. الناشر: دار الأعلمي – بيروت. الطبعة: الثالثة – 1409/1989م.
  • محمد سعيد رمضان البوطي. فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة. دار الفكر المعاصرة ببيروت ودار الفكر بدمشق الطبعة العاشرة:1991م.
  • مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري. صحيح مسلم: المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي. الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت.

([1]) مصغر مرسوع: بئر ماء لخزاعة من ناحية قديد إلى الساحل. (وهو من قولهم رسعت عين الرجل إذا دمعت من فساد.) الروض الأنف للسهيلي، 7/18.

([2]) فرع

([3]) من التخزع وهو التأخر والمفارقة، وذلك أن خزاعة انخزعت من ولد عمرو بن عامر حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام، فنزلت خزاعة بمر الظهران فأقامت بها.

([4]) بضم الميم وسكون” الصاد “المهملة وفتح الطاء المشالة المهملة” المبدلة من التاء لأجل الصاد “وكسر اللام بعدها قاف، هو لقب جذيمة بن سعد، لقب بذلك لحسن صوته، وهو أول من غنى من خزاعة (شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج3/ص3). وقال الإمام السهيلي: والمصطلق مفتعل من الصلق وهو رفع الصوت. (الروض الانف في شرح سيرة ابن هشام، 7/18).

([5]) اللباب في تهذيب الانساب. عز الدين ابن الاثير 3/220.وتاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي 26/39.

([6]) مرويات غزوة بني المصطلق، من ص 53 إلى ص 59.

([7]) هم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، والهون بن مدركة وبنو المصطلق من خزاعة.

([8]) المغازي للواقدي، 1/405.

([9]) مرويات غزوة بني المصطلق من ص 90 إلى ص 102. وحديث القرآن عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم للدكتور أبو بدر محمد بن بكر آل عابد، 312-315.

([10]) زاد المعاد في هدي خير العباد. ابن قيم الجوزية، 2/117.

([11]) السيرة النبوية لابن هشام. 3/183.

([12]) تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير والأعلام، للإمام الذهبي 1/170.

([13]) المغازي للواقدي 1/404.

([14]) نفسه 3/183.

([15]) نفسه 1/407.

([16]) رواه البخاري. كتاب العتق. باب من ملك من العرب رقيقا، فوهب وباع وجامع وفدى وسبى الذرية 3/148.ورواه مسلم في كتاب الجهاد والسير. باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام، من غير تقدم الإعلام بالإغارة 3/1356.

([17]) عند الواقدي: وكانت الإبل ألفي بعير وخمسة آلاف شاة، وكان السبي مائتي أهل بيت. المغازي للواقدي 1/410.

([18]) السيرة النبوية لابن هشام 3/183.

([19]) المغازي للواقدي،1/404.

([20]) فيه ما كان عليه أزواج النبي – صلى الله عليه وسلم – من الغيرة عليه والعلم بموقع الجمال منه. وأما نظره عليه السلام لجويرية حتى عرف من حسنها ما عرف فإنما ذلك لأنها كانت امرأة مملوكة ولو كانت حرة ما ملأ عينه منها، لأنه لا يكره النظر إلى الإماء وجائز أن يكون نظر إليها، لأنه نوى نكاحها، كما نظر إلى المرأة التي قالت له إني قد وهبت نفسي لك يا رسول الله فصعد فيها النظر فيه ما كان عليه أزواج النبي – صلى الله عليه وسلم – من الغيرة عليه والعلم بموقع الجمال منه. ثم صوب ثم أنكحها من غيره وقد ثبت عنه عليه السلام الرخصة في النظر إلى المرأة عند إرادة نكاحها. (الروض الأنف للسهيلي7 /27).

([21]) السيرة النبوية لابن هشام 3/187.

([22]) سيرة ابن هشام 3/174-175.

([23]) الروض الأنف للسهيلي.7/41.

([24]) المغازي 1/413.

([25]) السيرة النبوية: عرض وقائع وتحليل أحداث. الدكتور علي محمد الصلابي ص573.

([26]) حديث القرآن عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم. ص317.

([27]) السيرة النبوية لابن هشام 3/189.

([28]) مرويات غزوة بني المصطلق ص318.

([29]) صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير. باب رد النساء والجرحى والقتلى إلى المدينة، 4/34.

([30]) مرويات غزوة بني المصطلق ص322.

([31]) ينظر فقه السيرة النبوية للبوطي ص307-308، والسيرة النبوية للصلابي ص577.

([32]) السيرة النبوية للدكتور علي محمد الصلابي، ص579.

([33]) الروض الأنف، 7/20.

([34]) المصدر السابق. 7/23-24.

([35]) فقه السيرة النبوية. محمد سعيد رمضان البوطي، ص: 309.

([36]) الروض الانف للسهيلي:7/49.

([37]) سيرة ابن هشام 3/193.

([38]) حديث القرآن عن غزوات الرسول 1/384-388.

([39]) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل. الزمخشري جار الله. ج3/ص223.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.