منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

زمن ما قبل كورونا

1

قد يتفق الكثيرون أن الأوضاع ستعرف تغييرات عميقة ما بعد كورونا في كثير من أوجه الحياة الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية، البعض منها سيكون مباشرة بعد انتهاء هذه الجائحة – عجل الله برفعها عن الانسانية جمعاء – و الآخر سيكون تدريجيا.

ثم يأتي السؤال البديهي؛ هل هذه التغييرات ستكون إيجابية أم سلبية في عمومياتها ؟. يصعب التكهن أو التقدير في النتائج، بغض النظر عن كون هذا الوباء طبيعي أو اصطناعي، ذلك أن الاصطناعي يعد في الأصل لخدمة أجندة محددة، في الغالب لضرب بعض القوى أو لقلب الموازين؛ كعمل الحروب، و رغم هذا فالنتائج قد تكون في صالح المفتعل و قد تقلب ضده، “و يمكرون و يمكر الله، و الله خير الماكرين.” الآية 30 الانفال

لكن الذي بين أيدينا يقينا؛ هو وضع ما قبل كورونا، الذي نحتاج بسط بعض أوجهه البارزة في مختلف بقاع الأرض وعلى أكثر من صعيد، قبل استشراف التغييرات التي قد تكون في صالح الإنسان؛ وهي كذلك، كما هي سنة الله في الأرض.

قبل كورونا، طغت المادة على القيم الإنسانية، فلا سمع ولا طاعة إلا للأرقام. وتنكرت الدول العظمى لحق الإنسان في العيش الكريم، وتجاهلت المواثيق الدولية التي سطرتها بأيديها من قبل، واستغلت قوتها ونفوذها في التحكم في المنظمات العالمية، وتسييرها كما تشاء؛ كمنظمة الأمم المتحدة، ومنظمة الفاو وغيرهما…

قبل كورونا، تغول نفود الصهاينة؛ فتعطلت كل قرارات الإدانة للكيان الصهيوني، بل وسانده علنا عظماء أوروبا فضلا عن أمريكا؛ المساند الأول والدائم له، ولاحت بداية القرن الواحد والعشرين أيادي مرفوعة لبعض حكام العرب؛ لتعلن موافقتها التطبيع والاعتراف به، وإعطاءه الضوء الأخضر للإجهاز على الشعب الفلسطيني أمام كاميرات العالم، وبلا حياء يعلنون نتائج القصف والعدوان كل مساء بابتسامة عريضة.

المزيد من المشاركات
1 من 24

قبل كورونا، نكل بالمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، من البوسنة إلى الشيشان ثم أفغانستان … ولم يسلم المسلمون العرب من التنكيل؛ فذاق العراقيون الويلات من إخوانهم قبل أعدائهم، ومن نفس الكأس تجرع أشقائهم السوريون واليمنيون والمصريون والليبيون والصوماليون وآخرون … أما البورميون فهجروا من أراضيهم هربا من الإبادة وكذلك شأن الإيغور والكشمريين في العهد القريب. و بالجملة، فالمسلمون نالوا الحظ الأوفر من أنواع التقتيل و الظلم و التهميش مقارنة مع باقي أجناس الناس في العالم.

قبل كورونا، غاب المجتمع المدني بالعالم العربي، والعالم الثالث، وأسلس القياد لحكام الجبر والانقلاب والاستفراد. ودجنت المعارضة؛ فلا حس ولا صوت يعلو على الحاكم المبجل الملهم، الذي إن غاب انفرط العقد وجاع الشعب.

قبل كورونا، استنزفت خيرات الأرض، رغم أصوات الاستغاثة المتعالية من الجمعيات و علماء و البيئة و الحياة، في كل مرة يدقون ناقوس الخطر، حتى اندثر بحر بكامله وسط آسيا، و بلغ الانبعاث الحراري مداه، و كذا تلوث الأجواء و انقراض الحياة البرية لمجموعة من الكائنات، و المجال الأخضر في تناقص منذر و … كل هذا و الأقوياء في تسابق محموم نحو التصنيع و الإنتاج و احراز النقاط بالبورصات العالمية، غير مكترثين بحياة البشر و الكائنات الحية و مستقبل الانسانية.

قبل كورونا، بلغت الفوارق الطبقية مستويات غير مسبوقة، إن على مستوى العالم، وإن على مستوى الدولة الواحدة، حتى بتنا نسجل موت الآلاف من البشر جوعا يوميا، مقابل العيش المترف لفئة من الناس أو المجتمعات في تنكر سافر لمبادئ الإنسانية، وواجب الأخوة، ثم يطلون علينا في الشاشات الملونة بإعلانات حقوق الحيوان والرفق بالحيوانات وكأن الموتى من البشر جوعا أدنى من الحيوانات.

هذا غيض من فيض، ولست أزايد في شيء منها، هي فقط إحصائيات وتقارير دولية وواقع معاش ومعروف لدى الجميع، ولست ممن يضع نظارات سوداء ليرى بها العالم، نعم؛ هناك جوانب إيجابية تحققت قبل كورونا، فالاختراعات والبحث العلمي في تصاعد مطرد يوما عن يوم، والعالم أضحى قرية صغيرة بعد ثورة الاتصالات والتواصل والأنترنت، والمجال الطبي خطى خطوات كبيرة في محاربة الداء وابتكار الدواء، وكذا مجموعة من العلوم. لكن ما ذكرناه من تراجعات و تدني في المجال الاجتماعي، و البيئي، و السياسي، و الحقوقي، والإنساني، وصل مدى أنذر أكثر من مرة  بزلال أو ردة فعل من الطبيعة أو المجتمعات.

ولئن بات التغيير حتميا، وجائحة كورونا قد تكون سببه أو من أسبابه، فإن دلائل التاريخ وسنة الله في أرضه، يثبتان أنه لن يكون إلا إيجابيا؛ على شكل صلاح ما أفسده المفسدون أو طهارة الأرض من المفسدين، أو تغيير موازين القوى بما يخدم المستضعفين، فأغلب شعوب الأرض تحررت من الاستعمار بعد الحرب العالمية، وسياسة المدينة تطورت بعد الطاعون العظيم الذي ضرب لندن، والاسلام بلغ أقصى الشرق بعد غزو المغول. قال تعالى:” وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم.” البقر216، ووعد سبحانه بالفرج و اليسر بعد كل ضيق و شدة، قال تعالى:” سيجعل الله بعد عسر يسرا”، و الله غالب على أمره و هو أرحم الراحمين.

تعليق 1
  1. Mohamed el asaad يقول

    اصبت . هي صفحات التاريخ تعاد.وهده رحمة من عند الله ان يوقفنا لنراجع انفسنا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.