منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

البركة / مفهومها، مشتقاتها، أنواعها

البركة / مفهومها، مشتقاتها، أنواعها / الدكتور أشرف فؤاد عثمان أدهــم

0

البركة

مفهومها، مشتقاتها، أنواعها

الدكتور أشرف فؤاد عثمان أدهــم

 

أبدأ بسم الله، بالتوحيد، والحمد، والصلاة على الحبيب  وأشهد أن لا إله إلا الله، والحمد لله رب العالمين. فإن من مسائل العلم النافعة التى ينبغى معرفتها والحرص عليها هى “البركة”، والتى ورد ذكرها صراحةً فى مواقع كثيرة من الكتاب والسنة. وإنَّه لمعرفة أسبابها، وموانعها، ومواقعها، أهميةً كبيرة للمسلم الحريص على الخير، لأن البركة ماحلت فى قليل إلا كَثُر، ولا كثير إلا زادت منفعته. وثمراتِها وفوائِدها عَديدة، ومتنوعة فى الدنيا والآخرة. والبركة هى نتيجةٍ حتميةٍ للإيمان، والتقوى، كما ورد صراحةً فى قولِه تعالى: “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ” الأعراف:96. كما وردت البركة على لسان عيسى بن مريم عليه السلام بقَولِه: “وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا” مريم:31. كما وردت فى تقدير الأقوات فى الارض فى قوله سبحانه وتعالى: “وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ” فصلت:10. كما ورد ذِكر البرَكَة أيضًا صراحةً فى الحديث الشريف: عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن أمّ سُلَيم أَنَّها قَالتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، “أَنَس بن مالك” خَادِمُكَ، ادْعُ اللَّهَ لَه،ُ فقَالَ : “اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ”، ووردت البركة أيضاً فى فضل “السحور”، عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال النبي : “تسحَّروا، فإن في السُّحورِ بركةً”، متفق عليه.

أولاً: تعريف البركة ومشتقاتها:

فى اللغة: بَرَكْ: البعير (بروكاً)…وقع على “بَرَكِه” وهو صدرِه (2).

بَرَكْ: بَركْ البعير بروكاً من باب قَعَدْ. وقع على بَركه وهو صَدِره، والأكثر أثخنته فَبَرَكْ….والبركه الزيادة والنماء، وبارك الله تعالى فيه فهو مُبارك، والأصل مُبارك فيه (3).

البَرَكَه: النماء والزيادة، والسعادة، والبَرْك (الصدر)، وما يلى الأرض من صدر البعير (4).

ب، ر، ك: (بَرَكْ) البعيرُ من باب دخل، أى إستناخ، و(أبْرَكَه) صاحبه فَبَرَك وهو قليل، والأكثر أناخَهُ. و(البِرْكَةُ) كالحوض، والجمع (البِرَكْ)، قيل سُمِيَت بذلك لإقامة الماء فيها، وكل شىء ثَبَتْ وأقام فقد (بَرَكْ)، و(البَرَكَه) النماء والزيادة، و(التبريك) الدُعاء بالبركة. و(تَبَاركَ) الله أى بَارَكَ، و(تَبَّركَ) به تيمن به (5).

بَرَكْ: البَرَكَه: النَّماء والزيادة. والتبريك: الدعاء للإنسان أو غيره بالبركة. يُقال: بَرَكَت عليه تبريكاً، أى قُلتَ له بارك الله عليك. وبارك الله الشىء، وبارك فيه وعليه: وضعَ فيه البَرَكَة، وطعامٌ بَريك: كأنه طعامٌ مُباركْ.

وقال الفراء* فى قوله: رحمةُ الله وبركاته عليكم، قال: البركات السعادة. وقال أبو منصور**: وكذلك قوله فى التشهد: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاتُه، لأن من أسعده الله بما أسعد به النبى ، فقد نال السعادة المبارَكَة الدائمة (6).

* الفراء هو “حيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي، أبو زكرياء”، المعروف بالفراء: إمام الكوفيين، وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب، كان يقال: الفراء أمير المؤمنين في النحــــــــو.

** أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الأزهري الهروي اللغوي الشافعي، الملقب بالأزهري، وُلِدَ فى خراسان وعاش فى بغداد، من عُلماء الفقه والنحو.

تبارك: بمعنى تقَددَّسْ، أى تَطَهَّر، والمُقَدَّس: المُطَهَّر، وهى لا تُقال إلا لله. والتبريك: الدعاء للإنسان وغيره بالبركة.

المُباركْ: ما ياتى من قِبَلِه الخيرُ الكثير، “وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ” الأنعام:155. والعرب تقول: “باركك الله، وبارك فيك” (7).

 

ويمكن إيجاز ما سبق بما ورد فى بدائع الفوائد للعلامة “إبن القيم الجوزيه”: بأن البركة فى اللغة: هى الثبوت واللزوم والإستقرار، ومنها البِركه بكسر الباء كالحوض فى الوادى، وسُميت بذلك لإقامة الماء فيها، ثم أطلِقَت على ثبوت الخير الإلهى فى الشىء، كثبوت الماء فى البِركه. وبالنسبة للتبرُك بمفهومه الإصطلاحى: يُراد به طلب البركه عن طريق أشياء أو معان مَيَّزها الله تعالى بمنازل ومقامات خاصة، وخصَّها بالتبريك، وآثرها بعنايته عن سواها.

والبركة المنسوبة لله تعالى نوعان: أحدهما: بركة فى فعله تبارك وتعالي، والفعل منها بَارَك، ويتعدى بنفسه تارة، وبأداة “على” تارة، وبأداة “فى” تارة، والمفعول منها مُبارك. والنوع الثاتى: بركة تُضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تَبَارَك، ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له فهو وحده سبحانه المُبارك (8).

فى الشرع:

وردت كلمة “البركة”، أربعاً وثلاثين مرة، فى أثنتين وثلاثين آية بصيَغ مختلفة: بارَك، بارَكنا، تَبارك، بَرَكاتْ، بَرَكَاتُه، مُبَارَكْ، مُبارَكَه. وبتأمُل هذه الآيات وتفاسيرها يتضح أن البركة فى اللغة هى نفسها فى القرأن الكريم، بمعنى ثبوت الخير من الله مع دوامه.

جاءت الأية 96: الأعراف “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ” لتوضِح أن بركات السماء فى المطر، وبركات الأرض فى الإنبات، وكل ما تحمله من خيرات فوقها وفى باطنها، وكل ذلك من فضل الله تعالى، وإحسانه على عباده. وأصل البركة هنا: ثبوت الخيرالإلهى فى الشىء، وعلى ذلك سُمّىَ المطر بركة لثبوت بركة الله فيه، وكذا ثبوت البركة فى نبات الارض لنشأته عن بركات السماء وهى المطر (9).

كما جاءت الآية 137: الأعراف ” وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ”، والمقصود هنا قوم بنى اسرائيل الذين كانوا يُستضعفون ويُستذَلون بالخدمة فى مشارق الأرض ومغاربها، والمقصود هنا غالباً أرض مصر والشام، وقد بارك الله فى هذه الأراضى بالأنهار، ومختلف الثمار والزروع المطلوبة للحياة للإنسان والحيوان، ويتفق هنا كثرة الخير وزيادته مع المعنى اللغوى بأن البَرَكَة هى النماء والزيادة (10). كما ورد بالآية 73: هود ” قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ”، ونجد هنا أن النص القرآنى هنا أفرد الرحمة وجمع البركة، وكذلك فى السلام فى التشهد، أفرد السلام والرحمة وجمع البركة فى قوله “بركات” (11).

 

وأوضح الرازى: أن البركة لها تفسيران: أحدهما: البقاء والثبات، والثانى: كثرة الآثار الفاضلة والنتائج الشريفة، وكلا التفسيرين لا يليق إلا بالحق سبحانه وتعالى، فإن حمَّلتُه على الثبات، والدوام فالثابت والدائم هو الله سبحانه وتعالى وحده….وإن فسَّرنا البركة بكثرة الآثار الفاضلة فالكل بهذا التفسير من الله تعالى، لأن الموجود إما واجب وإما ممكن لذاته، والواجب لذاته ليس إلا هو، وكل ما سواه ممكن، وكل ممكن لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، وكل الخيرات منه، وكل الكمالات فائض من وجوده وإحسانه، فلا خير إلا منه، ولا إحسان إلا من فيضِه ولا رحمةً إلا وهى حاصلة منه (12).

كما ورد فى خواطر الإمام محمد متولى الشعراوى أفضلية أن تكون النعم مصحوبة بالبركة: “…..وكأن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: أن الفرد أعجز من أن يستنبط كل ما فى الآيات، ولكن على كل واحدٍ منكم أنتم البشر أن يستنبط آية، وكل إنسان يستنبط آية ينتفع بها هووغيره من الناس وهكذا. إنها آيات يتوزع إستنباطها على الخلق الذين يملكون البصيرة والأخذ بأسباب الله ليُشيع الحق الإستنباط من أسرار الله لكل خلق الله المؤمنين إلى أن تقوم الساعة، وليبين لنا أصحاب العقول الحقيقية التى لا تنشغل بالنعمة عن المُنعِم بالنعمة، لأن لله إمداداً حين خلقَ من عَدم، وإمداداً حين أمد من عدم، وإمداداً آخر حينما يلقى على نعمته شيئاً من البركة، فالذى أخذ نعمة الله التى سبقت وجوده، وبعد ذلك غفل عن الحق سبحانه وتعالى فإن النعمة ُتعطيه، لكنها لا تكون مصحوبة بالبركة.

ومعنى البركة أيضاً أن يكون الشىء الحاصل والمستنبط من حركتك لا يأتى منه لك ولا للناس إلا الخير. فقد يُعطيك الله بالأسباب والمسببات، لكن الله لا يعطيك البركة إذا أخذت النعمة وتركت المُنعِم، فلو أنك عند كل شىء ذكرت الله لأخذت النعمة والبركة، لذلك حين ترى شيئاً تحبه عليك أن تقول “ماشاء الله لا قوة إلا بالله”… وهنا تكون قد رددت مصدر النعمة إلى خالقها فلن ترى فيها سوءاً أبداً لأنك رددتها إلى خالقها (13).

فى الحديث الشريف:

وردت لفظة البركة وما تصرف منها فى مواضع كثيرة من أحاديث الرسول ، حوالى مائة وثلاثين مرة، وبصيغ متعددة “بَارَكَ، بُورِكَ، مُبارَك، مُباركة، مُباركات، تَبَارَك،….الخ”، وقد وردت لفظة البركة بالفرد أو الجمع حوالى ستين مرة. ومعنى البركة فى أحاديث الرسول ، هو نفس معناها فى القرآن الكريم “ثبوت الخير ودوامه، أو كثرة الخير وزيادته، أو هما معاً. وقال إبن الأثير*: عند شرحه ما جاء فى حديث الصلاة على النبى : “وبارك على محمد وعلى آل محمد”، أى أثبِت له، وأدِم له ما أعطيته من التشريف والكرامة، وهو من بَرَكْ البعير إذا ناخ فى موضع فلزمَه، وتطلق البركة ايضاً على الزيادة. وكمثال على أن المقصود بالبركة هى “كثرة الخير”، قصة “جويرية بنت الحارث بن المصطلق” رضى الله عنها، حين أعتق الصحابة رضى الله عنهم سباياهم من غزوة “بنى المصطلق”، لما تزوج الرسول  بها، فقد قالت عائشة رضى الله عنها: “فما رأينا إمرأة كانت أعظم بركةً على قومها منها، ُأعتِقَ فى سببها مائةً من أهل بيت بنى المصطلق” (14).

*المعروف بـ ابن الأثير الجزري، مؤرخ إسلامي كبير، عاصر دولة صلاح الدين الأيوبي، ورصد أحداثها  ويعد كتابه الكامل في التاريخ مرجعا لتلك الفترة من التاريخ الإسلامي.

ثانياً: كلمة “تبارك” فى القرآن الكريم

وردت هذه الكلمة فى القرأن الكريم تسع مرات، كلها منسوبة إلى الله تبارك وتعالى، فلا يوصف بها إلا الله:

الأولى: “إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” الأعراف: 54، وقد ورد فى تفسير القرطبى إن “تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ”، “تَبَارَكْ” تفاعل، من البركة وهى الكثرة، والإتساع. يُقال: بُورِكَ الشىء، وبُورِك فيه (15). وقال الأزهرى: “تَبَاركْ”: تعالى وتعاظم، وارتفَع. وقيل: إن باسمه يُتَبَرَّك، ويُتَيَمَّن (16).

الثانية: “ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ” المؤمنون:14، وقد ورد فى تفسير القرطبى أن “فَتَبَارَكَ” تفاعل من البركة، كما يُروى عن عمر بن الخطَّاب رضى الله عنه، لَمَّا سمع صدر الآية إلى قوله “خَلْقًا آخَرَ” قال: “فتبارك الله أحسن الخالقين”، فقال النبى  “هكذا ُأنزِلَتْ” (17).

الثالثة: ” تَبَارَكْ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا” الفرقان:1، وقد ورد فى تفسير القرطبى ” تَبَارَكْ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ” “تبارك” إختُلِفَ فى معناها، فقال الفراء: هو فى العربية “تَقَدَّس”، وهى للعظمة. وقال الزَجَّاج: “تبارك” تفاعل من البركة. وقال معنى البركة: الكثرة من كل ذى خير، وقيل “تبارك”: تعالى. وقيل: تعالى عطاؤه، أى زاد وكثُر. وقيل: المعنى دامَ وثَبَت إنعامُه. قال النَحَّاس: مِن بَرَكْ الشىء: إذا ثَبَتْ، ومنه بَرَكْ الجمَل أى ثَنَى رِجْلَيْهِ وَأَلْصَقَ صَدْرَهُ وَمِنْطَقَةَ بَطْنِهِ بِالأرْضِ، وبَرَك الطير على الماء، أى: دام وثبت فوق سطح الماء (18).

الرابعة: ” تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا” الفرقان:10.

وجاء فى الخبر أن هذه الآية أنزلها “رضوان” خازن الجنان إلى النبي ، ولما نزل سلم على النبي ، ثم قال: يا محمد، إن رب العزة يُقرئكَ السلام، وهذا سفط*، فإذا سفط من نور يتلألأ، يقول لك ربك: هذه مفاتيح خزائن الدنيا، مع أنه لا ينقص ما لك في الآخرة مثل جناح بعوضة، فنظر النبي  إلى جبريل كالمستشير له، فضَرَبَ جبريل بيده الأرض يشير أن تواضع، فقال : “يا رضوان لا حاجة لي فيها، الفقر أحب إلىَّ وأن أكون عبداً صابراً شكوراً”. فقال رضوان: أصبتْ (19).

* السفط: وعاء يوضع فيه الطِّيبُ ونحوُه من أَدوات النساء، أو الفاكهة.

الخامسة: ” تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا” الفرقان:61. وجاء فى إبن كثير: ” تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا” يقول تعالى ممجداً نفسه، ومعظماً على جميل ما خلق فى السماء من البروج – وهى الكواكب العِظام – فى قول مجاهد، وقتادة، وفى رواية عن على بن أبى طالب، وإبن عبَّاس، محمد بن كعب، وابراهيم النخعى، و… هى قصور فى السماء للحرس (20).

السادسة: ” اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” غافر:64. وجاء تفسير الطبرى هنا يقول: “فتبارك الله رب العالمين” المقصود تبارك الله مالك جميع الخلق، جِنَهُم وإنسَهُم، وسائر أجناس الخلق غيرهم (21).

السابعة: ” وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ” الزخرف:85. وجاء تفسير الطبرى: “تبارك الذى له سلطانُ السموات السبع والأرض، وما بينهما من الأشياء كلها، جارٍ على جميع ذلك حُكمُه، ماضٍ فيهم قضاؤُه. يقول: فكيف يكون له شريكاً من كان فى سلطانه، وحُكمُه فيه نافذ؟ (22).

الثامنه: ” تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ” الرحمن: 78. وجاء تفسير إبن كثير: “أى هو أهل أن يُجَلْ فلا يُعصى، وأن يُكرَم فيُعبَدْ، ويُشكَرْ فلا يُكفَرْ، وأن يُذكَرْ فلا يُنسىَ (23).

التاسعة: ” تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” المُلك:1. وجاء تفسير السعدى: “أى: تعاظم و تعالى وكَثُرَ خَيرُه، وعمَّ إحسانُه، من عظمته أن بيده مُلك العالم العلوى والسُفلى، فهو الذى خَلَقَه ويتصرف فيه بما شاء من الأحكام القدَريَّة والأحكام الدينية التابعة لحكمته. ومن عظمته كمال قدرته التى يَقدِر بها على كل شىء، وبها أوجَد ما أوجَد من المخلوقات العظيمة، كالسماوات والأرض (24).

وبعد تأمل تلك الآيات وتفاسيرها يتبين أن المقصود بالبركة، وما يتصرف منها:

ثبوت الخير ودوامه: وهذا يتفق مع المعنى اللغوى الأول للبركة “الثبوت واللزوم”. وقال “الراغب الأصفهانى” فى “المفردات فى غريب القرآن”: “والبركة: ثبوت الخير الإلهى فى الشىء، قال تعالى: ” وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ” الأعراف:96، وسمى بذلك لثبوت الخير فيه، ثبوت الماء فى البِركَه، والمُبَارَك هو ما فيه ذلك الخير.

كثرة الخير وزيادته: وهذا يتفق مع المعنى اللغوى الثانى للبركة وهو “النماء والزيادة”. وقد ذكر الإمام القرطبى فى تفسيره لقوله تعالى ” إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ” آل عمران: 96، جعله مُبارَكاً لتضاعف أجرالعمل فيه، فالبركة كثرة الخير. كما جاء فى كتاب “أضواء البيان للشنقيطى” رحمه الله: ” وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ ۚ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ” الأنبياء: 50، أى كثير البركات والخيرات لأن فيه خير الدنيا والآخرة (25).

 

ثالثاً: أنواع البركة:

مقدمة: حديثنا حول التبرك المشروع، والتبرك الممنوع، له أهمية كبيرة، لوقوع كثير من الناس فى الخلط بينهما، والإستدلال على أحدهما بأدلة الآخر، حتى وقع فى ذلك بعض من ينتسبون للعلم، ونستدل فى ذلك على نماذج مما فعله الرسول ، والخليفة الفاروق عمر بن الخطاب، والعديد من الصحابة رضى الله عنهم جميعاً.

بالنسبة للتبرك بآثارالنبى ، كالأثار الجسمية مثل الشعر والعرق، وفضل ماء الوضوء، واللعاب، والدم، وماشابه ذلك فيجب أن لا يتعدى ذلك إلى الآثار المكانية كالشجرة التى بايع تحتها النبى  “بيعة الرضوان”، او الأماكن التى صلى فيها النبى . لذلك قَطْع عمر بن الخطاب رضى الله عنه الشجرة التى بايع تحتها النبى  بيعة الرضوان، عندما لاحظ تَخَلُف نفرٌ من الرجال ليتعبدون تحتها، كما نهى عن تتبع المواضع التى سجد فيها النبى ، رغم ثبوت أفعال بن عمر رضى الله عنه فى تتبع هذه المواضع، ولكنه كان يفعل ذلك إقتداءً بما يفعله الرسول  ليس أكثر من ذلك. ورغم ما توضح فقد نهى عمر بن الخطاب رضى الله عنه إبنه عبد الله، وغيره من الصحابة عن فعل ذلك، كما أمر بقطع الشجرة سداً للذريعة، لكى لا يتخذ الناس هذه الأماكن بتقادم الزمن كأماكن مقدسة للتعبد فيها، فإذا تقادم العهد ومضى الزمان، قد يؤدى ذلك للوقوع فى الشرك والعياذ بالله.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.