منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الراقي سلم الإحسان

عبد العزيز ثابت

0

تأملات في قوله تعالى: {سَارِعُوٓاْ إِلَيٰ مَغْفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا اَ۬لسَّمَٰوَٰتُ وَالَارْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) اَ۬لذِينَ يُنفِقُونَ فِے اِ۬لسَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَٰظِمِينَ اَ۬لْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ اِ۬لنَّاسِۖ وَاللَّهُ يُحِبُّ اُ۬لْمُحْسِنِينَۖ (134) وَالذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً اَوْ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اُ۬للَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْۖ وَمَنْ يَّغْفِرُ اُ۬لذُّنُوبَ إِلَّا اَ۬للَّهُۖ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَيٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَۖ (135) أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّٰتٞ تَجْرِے مِن تَحْتِهَا اَ۬لَانْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَنِعْمَ أَجْرُ اُ۬لْعَٰمِلِينَۖ (136)}. -سورة آل عمران-

يتهافت الطبع الطيني الراكن إلى أصله الأرضي المغبون في مطلبه على كسب السبق في كل أمر باد أو سيل عاد أو صيحة مناد، وتحصيل الريادة وكسب السيادة وبلوغ المدى وقهر العدا، وينسى أن هناك مضمارا أنقى وأرقى ونوالا أسمى وأبقى من كل ما خطف البصر أو أدركه فانتصر.

1- سباق الآخرة:

في قوله تعالى: {سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والارض}؛ إشارة إلى أن المغفرة يسارع إليها، والجنة يسارع إليها، والتاج خط الوصول وتحصيل القبول وكرامة لا تزول. وتوصيف ميداني لماهية إحدى الجائزتين، {عرضها السموات والأرض}، تشويق وتعليق، حفز وتعظيم، إرضاء لنفس تهوى النفاسة. وتتويج سابق للبطل المتسابق {مغفرة من ربكم}، أنعم بها من خصيصة. ألا يكفي أن تكون الجائزة مغفرة؟ بلى، هي كذلك لكنها زيادة في تعليق القلب بها عندما تنسب إلى الجليل، وتعظيم لمقام التكريم لمن سارع. وهذه الإضافة الغالية للنفس المقلة في حق ربها لربها {ربكم}، يا لكرم الرب الجميل.

ثم هذا الأمر الإلهي الواقع بدءا، الحافز وطئا، المنافي بطئا، بالمسارعة ووزن المفاعلة الدال على المشاركة؛ يدخل مجيب الداعي وملبي النداء في ركب الصحبة حيث التوبة الجماعية ورجاء الفلاح: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المومنون لعلكم تفلحون}. بالمسارعة الجامعة وطرق باب المنافسة المبلغة أعتاب الرضى؛ يثبت لك العطاء الرباني في منأى عن العداء، وخلوص من كل شائبة، و.. وعجيب الخصوم الأخلاء!؟ أي سباق هذا الذي تتسارع فيها الأقدام بالعزم والإقدام والأخذ بالأيادي لبلوغ المرام. سبحان من ألف القلوب على المحبة، وجعل الإلف سببا لنيل القربة، أكرم بها من صحبة.

المزيد من المشاركات
1 من 15

هذا البيان القرآني البديع يصور المغفرة والجنة في مرمى الإدراك، ويميط عن سبيلهما أذى الأشواك، فهما للعين حضوة حاصلة يغنمها من أسرع الخطى الواصلة.

2- أولو السبق:

لا شك أن ناظر أبواب الخير متى فتحت؛ يستبق أجرها نية مما عنه أنوارها انكشفت، ويتطلع لمحصل الخير ما يقتضيه كفاءة ليرى أهلا لمقام العطاء ويستحق فضلا لبسط الوعاء. والآي القرآني حين يخاطب المكلف بأمر الفعل ويبشر بموعود الله من يجيب داعيه سبحانه؛ يفصح عن هذا ال”من”، فمن السعيد بهذه البشارة؟ إنها {للمتقين}، لهم أعدت، ولسبقهم حقت. فهلا من تفصيل في خلالهم؟

على اعتبار أن التقوى بناء عملي للدرع الواقي من عذاب الله عز وجل بإتيان الأمر واجتناب النهي؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخبرنا أن (التقوى ها هنا)، مشيرا إلى صدره الكريم، قد نبه إلى أمر أن التقوى منشؤها القلب، وأيما عمل لجارحة لا يصدر عن القلب خلوصا لله عز وجل؛ فهو رد. لذلك عظمت الأجور لمن بان صدقهم ووقر في الصدور، فأحالوه عملا يبين عن حقيقة المستور: {و اتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور}، المائدة-8.

3- برهان الصدق:

من أكبر البراهين الدالة على انعتاق النفس من شحها، وزهدها في ما أوتيت على حبها له المزين لها من الشهوات فتنة؛ البذل. محك حقيقي يماز به من تعلق قلبه بالفانية، واستأثر همه بذاته يخصها بكل محبوب مرغوب؛ ممن سمت نفسه عن العض على نعيم زائل، وتطلع إلى موعود الله لكريم الشمائل.

{الذين ينفقون في السراء والضراء}، جعل البذل دعامة تقيم صلب المسارع إلى مغفرة الله وجنته، وتخلصه من الشوائب المثبطة، وتخفف حمله من الجاذبية المقعدة عن مواصلة المسير، فما يضيره بعد ذلك ما يلقاه من عقبات الطريق. ولا تخيير في حال البذل، إنفاق في كل الأحوال، في الشدة والرخاء، في العسرة والغنى، في المرض والصحة،… فتم تمام الصدق في العطاء ونيته، ويقين في أن ما عند الله مما في اليد خير وأبقى، وأن ما تقدمه النفس في سبيله سبحانه ؛ به الباذل يوم القيامة يرقى، ومتى كان خالصا لوجهه؛ طهر به فلا شيء من أدرانه يبقى، وهو يومئذ في مأمن لا يضل ولا يشقى، كذاك الغرس بالسخاء يسقى، فيثمر قطفا لدى الكريم عتقا.

جعلت الصدقات تطهيرا وتزكية، ولئن كان نوال أهلها منها على وجه التكليف الشرعي الملزم مثل ذاك من عظيم المنفعة؛ فكيف يكون ثوابها لمن بذل نفلا وطواعية، بل كيف بمن استرخص نفسه ووقته وجهده وكل غال عنده وجعله لوجه الله خدمة وتنفيسا وإسعادا ومواساة. كذاك يكون أهل الصدق والسبق.

فهل من صوى أخرى تنار بها سبيل إدراك خط الوصول؟ {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس}، لجام الفرس الجامح، وخصلة تميز الفارس الرابح. النفس تبغي الانتصار وكسب المواقف، وتأبى إلا أن تكيل الكيد المضاعف، فكيف نجعلها ترضى بالإذعان وتخالف، وتكتم غيظها وقت العصب التالف؟ تلكم العلامة قاب قوسين من إدراك المنزلة، لكن ما يجعلها أقرب هو أن يكون كظم الغيظ مصحوبا بالعفو، فالنجاح في ضبط النفس عند الغضب لا يعني مسامحة الآخر، بقدر ما يعني كف رد الفعل المفضي إلى زيادة السوء. وهذه الصفة فيها تخليص للقلب من الكدر الذي يعلوه عند الإساءة إليه، ودفع الضغينة التي قد تعلق به تجاه المسيء، فيأتي العفو ليصفي هذا الكدر.

ولما كان الله عز وجل قد كتب الإحسان على كل شيء؛ ورغب العبد في طلب المعالي، وعلق غايات الرجال بالتطلع إلى أسمى ما عنده سبحانه؛ فقد اقتضى الأمر تجسيدا عمليا لمعاني الإحسان في علاقاتنا مع الناس تأكيدا لحرص العبد وصدقه في بحث حسن علاقته بالله سبحانه وتعالى. فهل يكفي الإحسان إلى الناس دلالة على ذلك؟ ما هكذا همة الرجال، بل المطلوب أن تكظم غيظك، وتعفو عمن ظلمك، وتحسن إلى من أساء إليك. قمة في الأخلاق وسمو النفس؛ أن تقابل الإساءة بالإحسان. أو ليس وسام: {والله يحب المحسنين} خير حافز على إتيان الفعل. نعم الوسام استحقاق محبته سبحانه، وكفى بها نعمة.

4- الفرار إلى الله:

إن أكبر سباق يخوضه العبد في حياته الدنيا، هو الفرار إلى الله تعالى، وهو سباق ممتد قد تعيقه عقبات، إن لم يبن الفار حينها يقينه في الله عز وجل؛ فقد يهوي في درك اليأس فتخطفه رياح القعود عن مواصلة السير، أو تلبسه حال الهوي المخزي في أحضان الإثم. فما حال موكب المسارعة القاصد عند البلية؟ {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله}. حين يقع العبد في المعصية عند الغفلة عن الله تعالى وضعف النفس استسلاما للشهوات وتكالب الأعداء المضلة عن الجادة؛ يذكر الله عند اليقظة، فيعرف زلته ويقر بخطيئته، ويلجأ إليه سبحانه تائبا مستغفرا، متيقنا من أنه لا ملجأ من الله إلا إليه. التائب يفر من الله إليه، من معصيته إلى طاعته، من سخطه إلى رضوانه، من الغفلة عنه إلى استحضاره وذكره ومراقبته. ثم إن مقام التوبة هاهنا يوقف عند أمور مرتبطة بتحققها، ومنها الاعتراف بالذنب {ذكروا الله}، فذكر العاصي لله تعالى بعد ارتكاب الفاحشة فيه إقرار منه بأن حاله حينها كان بعيدا عن الله، في غفلة عنه، كسب لا يرضاه تعالى، فتكون اليقظة بالذكر طأطأة الندم القلبية المقرة بالجرم. إقرار واستغفار، تطهير للقلب من درن ما علق به من المعصية بالتذلل بين يدي العفو الرحيم. توبة تطرق باب الإقلاع واستنقاذ النفس من درك الشيطنة المبعدة عن السبيل القويم. عاقد العزم يقف على باب التنفيد مستنكرا فعله، فما يستقيم له وقد أدرك فظاعة ما اقترف أن يصر: {و لم يصروا على ما فعلوا}، والحجة ثابتة: {و هم يعلمون}. ثم إن حال الإصرار ليس مرتبطا بحين اقتراف المنهي عنه فقط؛ بل إن نكوص التائب على عقبيه، ومرور سحابة اليقظة العابرة المؤقتة بوخز الضمير، ثم رجوعه إلى سالف عهده مع الإثم يعد إصرارا على الفعل يضرب في حقيقة التوبة وصدقها.

5- مقام التكريم:

وعد الله حق سبحانه وتعالى، لا يخلف الله وعده. لما كان بيان الجائزة لسباق السرعة بدءا مغفرة وجنة عرضها السموات والارض؛ هو ذا الحق جل وعلا يبسطها بين يدي الفارس المغوار، بعد أن أشار إليه إشارة البعيد {أولئك}، بعد قيمي في المنزلة والرفعة، في تسامق الإرادات والهمم والعزائم، في عظم النيات، في خرق العادات وقصد العبادات، في بناء الرجولة الإيمانية من خلال بحث ارتقاء المقامات الإحسانية فعلا حركيا جهاديا،… يبسطها حقيقة على منصة التتويج الأخروي، ختاما لسيرة عطرة لأولي السبق الذين استجابوا لربهم فتحلوا بخصال الرجال، فحق لهم أن يخصوا بعظيم النوال؛ {جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الانهار}.

مغفرة من الله عز وجل ثبتت في ذكرها بداية وختما، وجنة انتقلت من الوصف الخارجي {عرضها السموات والارض}، إلى الحلول الميداني {تجري من تحتها الانهار}، وكأنها حيزت لهم وهم فيها شهود.

سارعوا بأقدامهم وأقوالهم وأفعالهم ونياتهم في الدنيا إلى الله سبحانه وتعالى، ولما كانت المسارعة تقتضي جريا وحثا للخطى فعلا ذاتيا دؤوبا إلى يوم القيامة؛ فقد أبدلهم الله في مقام التكريم نعما تجري بين أيديهم ولخدمتهم، ولا إلى أجل محدود بل {خالدين فيها أبدا}، كذلك يكون العطاء الرباني زائد الفضل.

6- ونعم أجر العاملين:

طابع الرضى والقبول من المنعم سبحانه، بعد أن أمد بالقوة والتأييد، وثبت العبد في اختياره على تحكيم الرأي السديد، ورعاه في كسبه حتى قدر على الفعل الشديد؛ هو ذا جل وعلا يحمد له تاريخه المجيد. عظمت عطاياه ذو التدبير الفريد.

شهد الله تعالى لأولي السبق بعظم الأجر {و نعم أجر العاملين}، وما ذاك إلا بهذا السعي الجماعي التشاركي في المسارعة إلى الله وعطاياه، في بحث زمرة المتقين الموقفة على باب الرضى، في الفعل التضامني الدنيوي الباذل إحساسا بالآخر واستشعارا لوجوده، في إنكار الذات إنفاقا حتى في حال الضيق والشدة، في تزكية النفس بكسر أنانيتها وتعاليها شدا بلجام الغضب أن يشيط بها، في تخليص القلب من كدر الضغينة أن تفتك به عفوا عن الأذى حين يطالها، في السمو بها تفضلا واحتسابا {و الله يحب المحسنين}.

أو ليسوا أهلا للإكرام، أو ما تبغي النفس سبقا عالي المقام، أو لا تهفو أن ينالها نصيب من الإنعام. ضاعت وضيعت إن فاتها ركب الإقدام، فلتغنم فما الخلاص إلا في صحبة الكرام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.