منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فوائد سنة الابتلاء

فوائد سنة الابتلاء/ أنيسة بنعيم سحتان

0

فوائد سنة الابتلاء

أنيسة بنعيم سحتان

فلا تخلو الابتلاءات والمحن التي تقع على العبد من أن تكون فيها حكم عديدة وفوائد جمة تعود عليه بالنفع والخير في دنياه وآخرته. وأهم هذه الحكم والفوائد:

أ : تقريبهم إليه بالمحن والابتلاءات ورفع درجاتهم:

إن غاية ما يرجو العبد المؤمن المنزلة الرفيعة في الجنة، فيسعى جاهدا مجتهدا في تحصيلها، وقد يقصر به عمله عن إدراكها، فيمن الله عز وجل عليه بها بما يصيبه من أنواع البلاء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ الرَّجُلَ لِتَكُونَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ الْمَنْزِلَةُ فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ فَلَا يَزَالُ اللَّهُ يَبْتَلِيهِ بِمَا يَكْرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ إِيَّاهَا»)[1]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ، لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ، أَوْ فِي مَالِهِ، أَوْ فِي وَلَدِهِ» قَالَ أَبُو دَاوُدَ: زَادَ ابْنُ نُفَيْلٍ: «ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ – ثُمَّ اتَّفَقَا – حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى»[2].

“فالله سبحانه هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته، لم تبلغها أعمالهم ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فيقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليه”[3] .

فالمحن والابتلاءات تقرب العبد من ربه، وترفع من درجته ليبلغ المنزلة العليا التي كتب الله له، وهي بالتالي دليل على حب الله له وليست دليلا على بغض الله له )[4](،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ»)[5]. معناه: يبتليه بالمصائب ليثيبه عليها، وقال غيره: معناه يوجه إليه البلاء فيصيبه)[6].

وقال الترمذي: «إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَط »[7] . قوله: (إن عظم الجزاء) أي: كثرته (مع عظم البلاء) فمن ابتلاهم أعظم فجزاؤه أعظم ( ابتلاهم ) أي اختبرهم بالمحن والرزايا ( فمن رضى ) بما ابتلاهم به ( فله الرضى) منه تعالى وجزيل الثواب(ومن سخط) أي: كره بلاء الله وفزع ولم يرض بقضائه (فله السخط) منه تعالى وأليم العذاب، ومن يعمل سوءا يجز به، والمقصود الحث على الصبر على البلاء بعد وقوعه لا الترغيب في طلبه المنهى عنه[8] .

ب: الرحمة بالعصاة والتخفيف عنهم يوم القيامة :

من حكمة الابتلاء أن يعجل الله تعالى للمذنب عقوبته فتأتيه في الدنيا تخفيفا عنه يوم القيامة، يقول الله تعالى: “وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةِۢ بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٖۖ”  [الشورى:  28]. وقال علي رضي الله عنه: هذه الآية أرجى آية في كتاب الله تعالى . وإذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فما يبقى بعد كفارته وعفوه! وقد روي هذا المعنى مرفوعا عنه ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها النبي صلى الله عليه وسلم: “وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةِۢ بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٖۖ”  [ الشورى : 28 ] ، يا علي ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم. والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه»[9].وعن أنس رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»[10].

وقال ابن عون: إن محمد بن سيرين لما ركبه الدين اغتم لذلك فقال: إني لأعرف هذا الغم، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة. وقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفره له إلا بها أو لينال درجة لم يكن يوصله إليها إلا بها ([11]) .

ج:  تطهيره وتكفير  الخطايا بها عنهم

فإذا أذنب العبد المؤمن ذنبا ابتلاه الله بمحنته رحمة به  لا غضبا عليه، وحبا له لا بغضا له وشفقة به لا نقمة عليه، ليطهره من ذنبه ويخلصه من أثره وعواقبه في دار الآخرة.[12] قال الله تعالى : ” لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهْلِ اِ۬لْكِتَٰبِۖ مَنْ يَّعْمَلْ سُوٓءاٗ يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ اِ۬للَّهِ وَلِيّاٗ وَلَا نَصِيراٗۖ” [النساء: 122]، بمعنى: ” لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ “ أي: ليس الأمر على شهواتكم وأمانيكم أيها المشركون أن تنفعهم الأصنام  “وَلَآ أَمَانِيِّ أَهْلِ اِ۬لْكِتَٰبِۖ “ أي: ولا على شهوات اليهود والنصارى، “مَنْ يَّعْمَلْ سُوٓءاٗ يُجْزَ بِهِ”  أي: من المشركين وأهل الكتاب بدليل قوله تعالى:” وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ اِ۬للَّهِ وَلِيّاٗ وَلَا نَصِيراٗۖ”  وهذا وعيد للكفار”[13]“.

روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» [14]  قوله: “ولا صب” ومعناه: وقيل هو المرض اللازم. ( ولا هم ولا حزن ) هما من أمراض الباطن، ولذلك صاغ عطفهما على الوصب. ( ولا أذى ) هو أعم مما تقدم وقيل هو خاص بما يلحق الشخص من تعدى غيره عليه. (ولا غم) هو أيضا من أمراض الباطن وهو ما يضيق على القلب . وقيل في هذه الأشياء الثلاثة وهي الهم والغم والحزن أن الهم ينشأ عن الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به، وللغم كرب يحدث للقلب بسبب ما حصل، والحزن يحدث لفقد ما يشق على المرء فقده. وقيل الهم والغم بمعنى واحد. وقال الكرماني: الغم يشمل جميع أنواع المكروهات لأنه إما بسبب ما يعرض للبدن أو النفس، والأول إما بحيث يخرج عن المجرى الطبيعي أولا، والثاني إما أن يلاحظ فيه الغير أولا، وإما أن يظهر فيه الانقباض أولا، وإما بالنظر إلى الماضي أولا “[15]“.

وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً»[16] .في هذا الحديث بشارة عظيمة للمسلمين فإنما قلما ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور وفيه تكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها وإن قلت مشقتها وفيه رفع الدرجات بهذه الأمور وزيادة الحسنات[17]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا يَزَالُ البَلَاءُ بِالمُؤْمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ»([18]) يعني: أقرب إلى الله بلاؤه أشد ليكون ثوابه أكثر([19]) .

وقال ابن قيم الجوزية : ” أن البلاء الذي يصيب العبد في الله لا يخرج عن أربعة أقسام. فإنه إما أن يكون في نفسه، أو في ماله، أو في عرضه أو في أهله ومن يحب. والذي في نفسه قد يكون بتلفها تارة، وبتألمها بدون التلف، فهذا مجموع ما يبتلى به العبد في الله “([20]) .

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ، حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ»”[21]

يقول ابن القيم :” فإنه ما أصاب المؤمن من هم ولا غم ولا أذى إلا كفر الله به من خطاياه. فذلك في الحقيقة دواء يستخرج منه داء الخطايا والذنوب، ومن رضي أن يلقى بأدوائه كلها كالداء الكريه من الطبيب المشفق عليه، فلا تنظر إلى مرارة الدواء وكراهته، ومن كان على يديه، وانظر إلى شفقة الطبيب الذي ركبه لك، وبعثه إليك على يدي من نفعك بمضرته”[22] .

إن من نعمة الابتلاء على المؤمن أن يقابل ربه وقد حطت عنه خطاياه وذنوبه، فتحول البلاء والابتلاء إلى نعمة لا يشعر بها إلا من فتح الله قلبه وبصيرته، بأن ما أصابه من محن وابتلاءات هي بمثابة منحة إلهية، ليكفر الله بها عن ذنوبه، ليلقى ربه طاهرا نقيا.

د: تمييز المؤمنين الصادقين من غيرهم:

قوله تعالى : ” أَلَٓمِّٓۖ اَحَسِبَ اَ۬لنَّاسُ أَنْ يُّتْرَكُوٓاْ أَنْ يَّقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَۖ (1) وَلَقَدْ فَتَنَّا اَ۬لذِينَ مِن قَبْلِهِمْۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اَ۬للَّهُ اُ۬لذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اَ۬لْكَٰذِبِينَۖ” (2(( [العنكبوت: 1-2]، ” فحكمة الله وسننه في رسله وأتباعهم جرت بأن يدالوا مرة ويدال عليهم أخرى.

لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائما دخل معهم المؤمنون وغيرهم، ولم يتميز الصادق من غيره؛ ولو انتصر عليهم دائما لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين، النصر والهزيمة، ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق، وما جاءوا به ممن يتبعهم على الظهور والغلبة خاصة”([23]).

” فحكمته لا تقتضي أن كل من قال “إنه مؤمن” وادعى لنفسه الإيمان أن يبقى في حالة يسلم فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض له ما يشوش عليه إيمانه، فإنه لو كان الأمر كذالك لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سننه وعادته في الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتلي المؤمنين بالسراء والضراء، والعسر واليسر والغنى والفقر، ويديل الأعداء عليهم أحيانا. ومجاهدة الأعداء تكون بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة. فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق، وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عما أمر الله به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان ويجاهد شهوته دل ذلك على إيمانه وصحته، ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصرفه عن الواجبات تدل ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه”)[24](. وقوله تعالى :” وَمِنَ اَ۬لنَّاسِ مَنْ يَّقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِے اِ۬للَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ اَ۬لنَّاسِ كَعَذَابِ اِ۬للَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصْرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمُۥٓۖ أَوَلَيْسَ اَ۬للَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِے صُدُورِ اِ۬لْعَٰلَمِينَۖ (9) وَلَيَعْلَمَنَّ اَ۬للَّهُ اُ۬لذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اَ۬لْمُنَٰفِقِينَۖ” (10(( [ العنكبوت: 9-10] .ومعنى: “وَمِنَ اَ۬لنَّاسِ مَنْ يَّقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِے اِ۬للَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ اَ۬لنَّاسِ كَعَذَابِ اِ۬للَّهِۖ “ أي: جزع من عذاب الناس كما يجزع من عذاب الله.  

“وَلَئِن جَآءَ نَصْرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمُۥٓۖ “ الآية في القوم الذين تخلفوا بمكة ممن أسلموا، فلما آذاهم المشركون لم يصبروا، وأعطوهم ما طلبوا.” نَصْرٞ مِّن رَّبِّكَ “أي:  فتح من ربك ودولة للمؤمنين. وقوله: “لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمُۥٓۖ “يعني: كنا مسلمين، وإنما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا : “أَوَلَيْسَ اَ۬للَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِے صُدُورِ اِ۬لْعَٰلَمِينَۖ”  أي: يعلم ما في صدورهم، فيميز صدقهم من كذبهم. “وَلَيَعْلَمَنَّ اَ۬للَّهُ اُ۬لذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اَ۬لْمُنَٰفِقِينَۖ” قد بينا، ويقال: آمنوا أي: وفوا بما عهدوا، وحققوا أقوالهم بأفعالهم، وأما المنافقون خالفوا أقوالهم بأفعالهم[25].

هـ :  أن فيها تنبيها للعبد من الغفلة:

فالمحن والمصائب تنبه العبد من غفلته، وترجعه إلى الله تعالى ، وتقربه إليه، وتزيده تعلقا به سبحانه وتعالى، مع ما يصحبها من كثرة التضرع والالتجاء إلى الله، والتذلل والانكسار بين يديه سبحانه وتعالى عقب نزول البلاء والمحن به. “فهو سبحانه أعلم بمواقع الفضل، ومحال التخصيص، ومحال الحرمان، فبحمده وحكمته أعطى، وبحمده وحكمته حرم، فمن رده المنع إلا الافتقار إليه، والتذلل له، وتملقه، انقلب المنع في حقه عطاء، ومن شغله عطاؤه، وقطعه عنه انقلب العطاء في حقه منعا، فكل ما شغل العبد عن الله فهو مشؤوم عليه، وكل ما رده إليه فهو رحمة منه “([26]).

و: الثواب العظيم الذي أعده الله للمبتلين

فإذا أصابت العبد المصيبة وصبر عليها عوضه الله بها ثوابا في الآخرة، قال الله تعالى:  “جَنَّٰتُ عَدْنٖ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنَ اٰبَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْۖ وَالْمَلَٰٓائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٖ سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْۖ فَنِعْمَ عُقْبَي اَ۬لدّ۪ارِۖ “[ الرعد: 25 ]، ومعنى: “فَنِعْمَ عُقْبَي اَ۬لدّ۪ارِۖ “أي: أن عقبى الدار هذه هي“جَنَّٰتُ عَدْنٖ” أي: حيث تنتهي بالمؤمنين حياتهم الدنيا عند جنات عدن.

“يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنَ اٰبَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْۖ “ أي: أن هذه الجنات التي يجدها المؤمنون عند انقطاع حياتهم الدنيا، هي لهم، مفتحة أبوابها، يدخلونها هم، ومن كان صالحا لدخولها من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، وفي هذا أنس لهم جميعا، حيث يجتمع شملهم، ويكمل نعيمهم...”وَالْمَلَٰٓائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٖ سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْۖ فَنِعْمَ عُقْبَي اَ۬لدّ۪ارِۖ  “ أي: بيان لما يدخل على المؤمنين من مسرات، وهم في جنات النعيم..إذ يحيون فيها من ملائكة الرحمن، تحية ترحيب وتكريم:“سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْۖ”  أي: وهم لا يدخلون عليهم من باب واحد، بل من أبواب كثيرة.. من يمين وشمال، وأمام وخلف،“سَلَٰمٌ عَلَيْكُم” أي: من غير وصله بما قبله، إشارة إلى أن دخول الملائكة عليهم، هو في ذاته سلام وأمن، وهو تحية حية ولو لم ينطقوا بها.. “بِمَا صَبَرْتُمْۖ”  أي: إشارة إلى أن الصبر هو المطية الذلول التي بلغت بالمؤمنين هذا المنزل الكريم، ونقلتهم من عالم الفناء إلى عالم البقاء والخلود في جنات النعيم…” فَنِعْمَ عُقْبَي اَ۬لدّ۪ارِۖ  “أي: فنعم عقبى دار الدنيا، هذه الدار..دار الآخرة..([27]).

عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي  فقال: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لاَ أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا»([28]) أي: وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة، وفيه دليل على جواز ترك التداوي، وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، وأن تأثير ذلك وانفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية، ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما من جهة العليل وهو صدق القصد، والآخر من جهة المداوي وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل، والله أعلم([29]) .

وقال رسول الله : «يَوَدُّ أَهْلُ العَافِيَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ البَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالمَقَارِيضِ»[30] .

إن الثواب الذي أعده الله للمبتلين هو الثواب العظيم في الآخرة، ففي الحديث الشريف: ” يقول الله تعالى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ، إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إِلَّا الجَنَّةُ “[31] وقوله فاحتسب أي: صبر راضيا بقضاء الله راجيا فضله[32] .

وبناء على ذلك فإن الله تعالى جعل الثواب في الآخرة، وجعل الدنيا دار ابتلاء واختبار، فليست الدنيا دار جزاء للمؤمن، فكانت دار امتحان واختبار قدر الله تعالى لها ذلك، حتى تكون محل عمل يعمل فيها العبد ويبنى لأخرته، أو ينسى نفسه فيها ويظن أنها دار مقر، فقد جعلها الله دارا يشهد فيها العبد على حقيقة ذاته وأعماله ظاهرها وباطنها.

ز: إقامة حجة العدل على العباد:

يقول ابن القيم-رحمه الله-:” ومنها إقامة حجة عدله على عبده ليعلم العبد أن الله عليه الحجة البالغة، فإذا أصابه ما أصابه من المكروه فلا يقال: من أين هذا ؟ ولا من أين أتيت ؟ ولا بأي ذنب أصبت ؟ فما أصاب العبد من مصيبة قط دقيقة ولا جليلة إلا بما كسبت يداه وما يعفو الله عنه أكثر وما نزل بلاء قط إلا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة، ولهذا وضع الله المصائب والبلايا والمحن رحمة بين عباده يكفر بها من خطاياهم فهي من أعظم نعمه عليهم وإن كرهتها أنفسهم ولا يدري العبد أي النعمتين عليه أعظم نعمته عليه فيما يكره أو نعمته عليه فيما يجب وما يصيب المؤمن من هم ولا صب ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه، وإذا كان للذنوب عقوبات ولابد فكلما عوقب به العبد من ذلك قبل الموت خير له مما بعده وأيسر وأسهل بكثير ([33]).

ح: أنها دليل على محبة الله لعبده:

فإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، كما قال تعالى : «وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ» [34]كما قال : « مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ»[35] معناه: يبتليه بالمصائب ليثيبه عليها وقال غيره: معناه يوجه إليه البلاء فيصيبه[36].  وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»[37]  . قال الأحوذي: إذا أراد الله بعبده الخير عجل أي: أسرع “له العقوبة” أي: الابتلاء بالمكاره “في الدنيا” ليخرج منها وليس عليه ذنب ومن فعل ذلك معه فقد أعظم اللطف به والمنة عليه (أمسك)( أي: أخر )عنه( ما تستحقه من العقوبة “بذنبه” أي: بسببه “حتى يوافي به يوم القيامة” أي: حتى يأتي العبد بذنبه يوم القيامة. يعني: لا يجازيه بذنبه حتى يجيء في الآخرة متوفر الذنوب وافيها فيستوفي حقه من العقاب([38]) .

ط: الابتلاء وسيلة للتمكين في الأرض:

قيل للشافعي-رحمه الله- يا أبا عبد الله أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟ فقال الشافعي: لا يمكن حتى يبتلى، فإن الله ابتلي نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلما صبروا “على الابتلاء” مكنهم([39]).


[1]   أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في الصبر ثواب الأمراض والأعراض، ح: 2908، 8/169.()

[2]() سنن أبي داود، كتاب: الجنائز، باب: الأمراض المكفرة للذنوب، ح: 3090، 3/173 ،  وقال الألباني هذا حديث صحيح

[3]() زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية، 3/198

[4]() “سنة الابتلاء” لنبيلة الزكري، بحث منشور في معلمة السنن الإلهية في القرآن الكريم، ص: 277.

[5]() صحيح البخاري، كتاب: المرضى، باب: ما جاء في كفارة المريض، ح: 5646، 7/115

[6]() فتح الباري لشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، كتاب: المرض، باب: ما جاء في كفارة المرضى، 10/108

[7]() سنن الترمذي، أبواب الزهد، باب: ما جاء في الصبر على البلاء، ح: 2396، 4/601، قال المصنف: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.

[8]() تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي ، المباركفوري، كتاب الزهد، باب: ما جاء في الصبر على البلاء، 7/65.

[9]() الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: 16/31، وقد روى نحوه الترمذي عن بلال بن أبي بردة وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. انظر سنن الترمذي، ح: 3252

[10]() رواه الترمذي، ح: 2396، 4/601 وقال الألباني: هذا حديث حسن صحيح

[11]() الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 16/31

[12]()”سنة الابتلاء” لنبيلة الزكري، بحث منشور في معلمة السنن الإلهية في القرآن الكريم ، ص: 278

[13]() مدارك التنزيل وحقائق التأويل، للنسفي، 1/298

[14]() صحيح البخاري، كتاب: المرضى، باب: ما جاء في كفارة المرضى، ، ح 5641، 7/114

[15]() فتح الباري لشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، كتاب: المرضى، باب: ما جاء في كفارة المرضى، 10/106. عمدة القاري شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني، كتاب: المرضى، باب: ما جاء في كفارة المرض، 21/209.

[16]() صحيح مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض، ح: 2572، 4/1991.

[17]()  شرح النووي على مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه، ح:2572، 16/128.

[18]() سنن الترمذي، أبواب: الزهد، باب: ما جاء في الصبر على البلاء، ح: 2399، 4/602. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

[19]() تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، أبواب: الزهد، باب: ما جاء بالصبر على البلاء، ح: 2399، 8/68

[20]() إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ابن قيم الجوزية، 2/193.

[21]() سنن ابن ماجة، كتاب: الفتن، باب: الصبر على البلاء، ح: 4023، 2/1334، حكم الألباني: حسن صحيح.

[22]() مدارج السالكين، ابن قيم الجوزية، 2/306

[23]() زاد المعاد في هدي خير العباد ابن قيم الجوزية، 3/196.

[24]() تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، 1/626

[25]() تفسير القرآن، للسمعاني، 4/170

[26]() زاد المعاد، ابن قيم الجوزية، 2/329

[27]() التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب، 3/105-106

[28]() رواه البخاري، كتاب: المرضى، باب: فضل من يصرع من الريح، ح: 5652، 7/116، و مسلم في كتاب: البر والصلة، باب: تواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك، ح2576، 4/1994.

[29]() فتح الباري لشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، باب: عيادة المغمى عليه، 10/115

[30]() سنن الترمذي، أبواب الزهد، ح: 2402، 4/603، حكم الألباني: حسن

[31]() صحيح البخاري، كتاب: الرقاق، باب: العمل الذي يبتغى به وجه الله، ح: 6424، 8/90.

[32]() فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، باب: فضل من مات له ولد فاحتسب، 3/119

[33]() مفتاح دار السعادة، ابن قيم الجوزية، 1/391

[34]() سنن الترمذي، كتاب: الزهد، باب: ما جاء بالصبر على البلاء ، ح: 2396، 4/601 وقد حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، ، ح: 146، 1/276

[35]() صحيح البخاري، كتاب: المرضى، باب: ما جاء في كفارة المريض، ، ح: 5646، 7/115

[36]() فتح الباري لشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، باب: ما جاء في كفارة المرض، ح: 5645، 10/108 .

[37]() سنن الترمذي، كتاب: الزهد، باب: ما جاء بالصبر على البلاء ، ح: 2396، 4/601 حكم الألباني : حسن صحيح

[38]() تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، للمباركفوري، أبواب الزهد، باب: ما جاء في الصبر على البلاء، 7/65.

[39]() الفوائد، ابن قيم الجوزية، 1/208.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.