منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ما حكم اتخاذ النحت والرسم حرفة أو هواية؟

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني / ما حكم اتخاذ النحت والرسم حرفة أو هواية؟

0

ما حكم اتخاذ النحت والرسم حرفة أو هواية؟

للشيخ عبد الله بنطاهر التناني

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى سنته وهديه.

وبعد؛ يمكن جعل الحكم في هذه المسألة على أربعة أنواع:

شرك اتفاقا، وحرام اتفاقا، وحلال اتفاقا، ومختلف فيه؛ وهي على قسمين حسب ما يلي:

المزيد من المشاركات
1 من 26

القسم الأول:

ما يُعبَد من دون الله؛ مثل الصليب، ومريم وفي يدها طفلها، أو الهيكل اليهودي، أو بناء تماثيل لبوذا؛ كان نحتا أو رسما، فحكمه على نوعين:

1) شرك اتفاقا؛ إذا كان الإنسان يتعاطى ذلك لنفسه؛ أي: من أجل أن يعبده هو بنفسه؛ فهذا لا شك أنه شرك بالله تعالى، والعامل مشرك؛ رساما كان أو نحاتا؛ والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}(1).

2) حرام اتفاقا؛ إذا كان يتعاطى ذلك لغيره؛ أي: من أجل أن يعبده غيره؛ فهذا حرام، ولكن لا نكفر به العامل؛ رساما كان أو نحاتا؛ لأنه قد ارتكب حراما مع احتفاظه بإيمانه بوحدانية الله تعالى.

القسم الثاني:

ما لا يُعبَد؛ مثل من يرسم أو ينحت أجساما لذات أرواح كالإنسان أو الحيوان، ولكنها لا تعظم تعظيم تقرب، ولا تحترم احترام تعبد؛ فحكمه على ثلاثة أنواع:

1) حرام اتفاقا؛ إذا كان يرسم أو ينحت أجساما عارية قد بدت سوآتها، وانكشفت عوراتها؛ مثل رسم أو نحت امرأة عارية أو شبه عارية، أو رجل بأعضائه التناسلية.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

2) حلال اتفاقا؛ إن كانت لُعَبَ أطفال؛ لأن النبيﷺ قد أذن في صنع العرائس من أجل ألعاب الأطفال، ويقاس عليها كل ما كان منها من أجل الألعاب والفرجة والترفيه عن النفس وإن كانت للكبار؛ روى البخاري ومسلم وأبو داود واللفظ له عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول اللهﷺ وجد عندها صور بنات لعب فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي، ورأى بينهنَّ فرسا له جناحان من رِقاع، فقال: وما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان، قال: فرس له جناحان؟ قالت: أما سمعت أن لسليمان عليه السلام خيلا لها أجنحة؟ فضحك حتى رأيتُ نواجذه»(2).

3) مختلف فيه؛ إن كانت لغير اللعب بها؛ مثل التزيين والهواية الفنية والاتجار بها والارتزاق بها؛ فهذه فيها خلاف:

أ) إذا اعتبرنا أن علة المنع هي عبادة غير الله تعالى؛ نقول بالجواز؛ لانتفاء العلة هنا؛ بدليل ما روى الإمام مسلم، عن مسلم بن صُبيح قال: “كنت مع مسروق(3) في بيت فيه تماثيل مريم، فقال مسروق: هذه تماثيل كسرى؟ فقلت: لا؛ هذا تماثيل مريم، فقال مسروق: أما إني سمعت عبد الله بن مسعود يقول: قال رسول اللهﷺ: «أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون»”(4).

فالإمام مسروق لم يستدل بالحديث على تحريم التماثيل لما قال له تلميذه ابن صُبيح: “هذه تماثيل كسرى”؛ ولكن لما قال له: “هذا تماثيل مريم” استدل به؛ فدل ذلك على أن الحديث إنما جاء في تماثيل تعبد من دون الله.

ب) إذا اعتبرنا أن علة المنع هي: المضاهاة لخلق الله تعالى (5) قلنا بأن كل ذلك حرام مطلقا؛ عُبد، أو لو لم يُعبد.

الخلاصة:

الذي ظهر لي أن النحت والرسم إذا لم يتناول ما يُعبد من دون الله، ولم يصور العورات فهو حلال وقد تكون فيه شبهة؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، والحرام لا يتحقق إلا بالدليل الصريح الصحيح؛ وعلاوة على ذلك فقد أصبح النحت والرسم اليوم فنا وعملا وهواية وحضارة وتجارة تدر أموالا طائلة؛ فهناك لوحات فنية لرسامين ونحاتين عالميين بيعت بالملايين من الدولارات؛ وتحريمه من غير دليل نوع من التخلف.

هذا إذا كان النحت والرسم لذوات الأرواح من الإنسان والحيوان؛ أما إذا كان للجمادات الطبيعية؛ من الجبال والأشجار والبنايات، والمآثر وعجائب الدنيا السبع، والشمس والقمر، والأفق من غروب وشروق…، وغير ذلك من كل ما ليس له روح؛ فهو حلال باتفاق العلماء.

والله الموفق للصواب وهو سبحانه المأمول في الأجر والثواب.


الهامــــــــــش:

(1) النساء: 47.
(2) صحيح البخاري: كتاب الأدب: باب الانبساط إلى الناس: (ح6130)، وصحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة: باب في فضل عائشة رضي الله عنها: (ح2440)، وسنن أبي داود: كتاب الأدب: باب في اللعب بالبنات: (ح4931) و (4932).
(3) هو الإمام التابعي مسروق بن الأجدع الوادعي(ت62ه).
(4) صحيح مسلم: كتاب اللباس: باب تحريم تصوير صورة الحيوان: (ح2109).
(5) شرح النووي على مسلم: (14/81).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.