منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة بعنوان: رسالة مفتوحة إلى الناجح في الامتحان

عبد الله بنطاهر التناني

0

خطبة بعنوان: رسالة مفتوحة إلى الناجح في الامتحان
خادمكم عبد الله بنطاهر

الحمد لله الذي جعل الحياة بين الرسوب والنجاح، وجعل من نتائج الجد والاجتهاد الفوز والفلاح، وأشهد أن لا إلـه إلا الله شهادة نتقي بها الشرك الخفي والكفر البواح، شهادة نداوي بها عن أنفسنا الأحزان والجراح، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله تعطر الكون بسيرته وفاح، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ما ظهر النهار في الأفق ولاح.

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

قدمنا لكم في الجمعة الماضية أن الامتحان قد خرجت نتائجه فنجح من نجح ورسب من رسب؛ أما الراسبون فيحتاجون منا إلى التنبيه والتشجيع، وقد خصصنا لهم خطبة الجمعة الماضية ولله الحمد، فقلنا للراسب في رسالة مفتوحة: فلا تيأس ولا تبتئس؛ فأَعِدْ الكرة وأَعِدَّ العدة؛ فراجع واحفظ ودارس وادرس بإخلاص فسوف تنجح بإذن الله. وأما الناجحون؛ فهذه خطبتهم اليوم؛ فهم يحتاجون منا إلى التهنئة والتنبيه:

أما التهنئة؛ فهي تعبير عن فرحنا، ليس بنجاحهم فقط، بل بتعلمهم ودراستهم ومتابعتهم ومراجعتهم التي أعطت لمجتمعنا نجاحهم، ولكن يجب أن يعلموا أن حصولهم على شهادة النجاح إنما هي خطوة في طريق النجاح وليس كل النجاح؛ فالنجاح هو في الحصول على العمل والممارسة، وليس فقط في تحصيل العلم والمدارسة.

المزيد من المشاركات
1 من 14

وأما التنبيه؛ فإياكم والأمْرَيْن الأمَرَّيْن وهما: الغرور؛ والتكبر؛ فمن نحج فمن الله ومن سقط فسبحان الله؛ فالغرور والكبر متلازمان؛ فالمتكبر مغرور متعجرف قد يكون متكبرا مغرورا بنجاحه، وقد يكون متكبرا مغرورا بماله، وقد يكون متكبرا مغرورا بجماله، وقد يكون متكبرا مغرورا بعلمه وعمله.

فالغرور هو الإعجاب بالنفس ومهلكة الإيمان ومحرقة الإحسان؛ والله تعالى لم يقبل الإعجاب بالنفس من الصحابة وهو خير القرون؛ فقال الله تعالى لهم: {وَيَوۡمَ ‌حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ} وروى الطبراني أن رسول اللهﷺ قال: «‌ثلاث ‌مهلكات…: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه»؛ فكثير من النجاحات في الأمة أفسدها الغرور؛ فالمسلم أعلم بنفسه من غيره؛ فلا يغرنك كثرة المادحين ولا يضرنك كثرة القادحين، والغرور ضد التوكل على الله فمن اغتر بعمله غاب التوكل عن قلبه؛ فالغرور والتوكل ضدان لا يجتمعان، وعلاج داء الغرور في دواء التوكل على الله؛ فلا تغترَّ ولا تتكبر.

نعم يجب بذل أقصى ما يمكن من الاجتهاد، ولكن يجب أن يكون على الله الاعتماد؛ فالاجتهاد بالعمل منك، والاعتماد في قلبك على الله؛ وقد كان النبيﷺ يلازم التوكلِ على الله في شأنه كله حتى سمَّاه الله المتوكل؛ فقد روى البخاري أن الله تعالى قال له: «أنت عبدي ورسولي، ‌سميتك ‌المتوكل»؛ ولكنهﷺ لم يترك العمل؛ والإسلام يعلمنا التوكل على الله في كل شيء بداية ونهاية

● أما في البداية؛ فإليكم نماذج منها:

• إذا أردت أن تفعل أي شيء؛ فتوكل على الله؛ قال الله تعالى: {فَإِذَا ‌عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ}؛ لأن التوكل على الله يمنعك من ارتكاب الحرام؛ فهل يمكن أن يتوكل المسلم في قلبه على الله وهو يسرق أو يزني أو يرتشي؟

• إذا أعرضت عن الجاهلين وتركت مواجهتهم؛ فتوكل على الله؛ قال الله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً}.

• إذا أعرض عنك الناس ورفضوا قبول الحق منك؛ فتوكل على الله؛ قال الله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

• إذا نزلت بك مصيبة؛ فتوكل على الله؛ قال الله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.

• إذا خرجت من منزلك؛ فتوكل على الله؛ روى أبو داود والترمذي أن رسولَ اللهﷺ كان إذا ‌خرج من بيته قال: «بسم الله، ‌توكلت ‌على ‌الله، اللهم إنا نعوذ بك أَن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أَو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظلِمَ أوْ أُظْلَم، أو أَجهَلَ أو يُجهَلَ عليَّ»؛ فكم واحد منا يقول إذا خرج من بيته «بسم الله، ‌توكلت ‌على ‌الله»؟

• إذا ذهبت لعملك لأجل تحصيل أرزاقك؛ فتوكل على الله؛ روى الترمذي أن النبيﷺ قال: «لو أنكم كنتم تتوكلون على الله حق توكله: لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو ‌خماصا وتروح بطانا»؛ أي تخرج خماصا جياعا خاليات البطون من الأكل وترجع بطانا شباعا ممتلئات البطون منه.

• إذا تلبست بعبادة الله من الصلاة وغيرها؛ فتوكل على الله؛ قال الله تعالى: {فاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}. فلا تغترَّ ولا تتكبر.

● وأما في النهاية؛ فإليكم نماذج منها:

•إذا أردت تحقيق النصر والنجاح في نهاية علمك وعملك وفي مدارستك وممارستك؛ فتوكل على الله؛ قال الله تعالى: {فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ}.

•إذا حصلت في النهاية على مرادك وحققت مرغوبك من النجاح في أي مجال؛ فتوكل على الله؛ قال الله تعالى: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} ولنقل كما علمنا الله سبحانه: {ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي ‌هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ ‌هَدَىٰنَا ٱللَّهُ}، وما كنا لننجح ونفوز لولا أن أنجحنا الله.

• وفي النتيجة؛ من توكل على الله أحبه وكفاه وحماه؛ أما محبة الله له فلقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ، وأما كفاية الله له فلقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}، وأما حماية الله له فلا سبيل للشيطان إلى المتوكلين قال الله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}، ومن حفظه الله من إبليس نجاه من كل بأس، ومن شرور الناس وشرور النفس؛ {وَعَلَى ٱللَّهِ ‌فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ}؛ فلا تغترَّ ولا تتكبر.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والحمد لله رب العالمين…

الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون. إن التكبر كبيرة من كبائر الذنوب وهو أول ذنب عصي به الله تعالى، والذي عصاه به هو إبليس؛ {إِلَّآ إِبۡلِيسَ ‌أَبَىٰ ‌وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ}؛ فالكبر يؤدي إلى انحرافات كثيرة منها: ازدراء الناس واحتقارهم وسوء الظنِ بهِم والشك فيهم وحب السيطرة عليهم، والأنانية والكذب على النفس بادعاء ما ليس فيها، وحتى لو عمل المتكبر صالحا أبطله بالافتخار والرياء والمَنِّ والأذى.

والكبر يظهر على لسان المتكبر وفي مشيته وفي حركاته وفي مواقفه، فيدفع الحق من غيره ولو كان واضحا ويدافع عن الباطل منه ولو كان فاضحا؛ روى الإمام مسلم أن النبيﷺ قال: «لا يدْخُلُ الجنةَ مَنْ كان في قلبه مثقالُ حبَّة من كِبْر، فقال رجل: إنَّ الرجلَ يحب أن يكون ثوبُه حَسَناً، ونعلُه حسنة، قالﷺ: إن الله جميل يحب الجمال، الكبِرْ: ‌بَطَرُ ‌الحقِّ، وغمطُ الناس» أي: رد الحق واحتقار الناس؛ والأدلة في ذم التكبر كثيرة؛ قال الله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}، وقال سبحانه: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}، وقال سبحانه: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}؛

وعلاج داء الكبر في دواء التواضع؛ فإذا رزقك الله النجاح تواضع لله تعالى لا تفتخر على غيرك بخيرك وإلا تحول إلى الشر منك؛ روى الإمام مسلم: أن رسول اللهﷺ قال: «ما نقصَت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلَّا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلَّا رفعه الله»، وروى مسلم أيضا أنهﷺ: «إنَّ الله أوحى إليَّ أنْ تَواضعُوا؛ حتى لا يَفْخَر أحدٌ على أحدٍ، ولا يبغي أحدٌ على أحد».
فأقول لكل ناجح في رسالة مفتوحة: هنيئا مريئا؛ لكن لا تُعْجَب بنفسك ولا تغتر بنجاحك ولا تتكبر على غيرك.
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.