منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بين قلب وقلب (قصة قصيرة)

بين قلب وقلب (قصة قصيرة) / ذ. فؤاد هراجة

0

بين قلب وقلب (قصة قصيرة)

ذ. فؤاد هراجة

كانت الساعة الثامنة إلا ربع، التوأمان إيمان وإحسان تتناولان وجبة الفطور على مائدة فارهة كأنها نزلت من السماء أو كأنها لوحة رسمت بكل ألوان الحياة، تسابقان الزمان وهما تنتقلان كالنحلتين من طابق لآخر، وأعينهما على السلم تترقبان كالعادة لحظة نزول السيد الوالد لتهرعا إليه، وكل واحدة منهما تُسِرُّ في نفسها أنها الأجمل والأكثر أناقة والأجدر باحتلال أكبر مساحة في قلب أبيها.

تتسلل موسيقى هادئة صامتة من المكتبة حيث الأم دعاء، لتزين رتابة هذا الصباح الجديد، وتضفي الدفء على طقسه البارد. يترامى إلى المسامع صرير باب من الأعلى، ثم يتراءى عبد الله بحلته الزرقاء المفتوحة اللون، وتحتها قميص يكاد ينسيك زرقة الحلة من شدة بياضه، تتوسطه ربطة عنق حمراء كأنها برزخ بين حدين. يتبختر عبد الله كالسلطان من على السلم وهو يضع حذائه اللامع الذي يشتاق هباء الغبار دون جدوى ان يرسو ذات يوم على جلده الفاخر، ينزل حتى يخال للناظر أن كل درج يأخذ فرصته للاحتفاء والترحيب به.

وبينما هو ينحني لضم ابنتيه المتسارعتين صوب ذراعيه وصدره، كما دأبتا على ذلك، إذ به يتردى ويتدحرج من أعلى السلم إلى أسفله، فيتعالى الصراخ ويشق سكون المنزل، فتهرع الأم دعاء من مكتبها وكل المصائب تتزاحم في خيالها، إلا أن يكون سبب الصراخ مكروه أصاب زوجها. كاد الخوف يغتالها قبل أن تدرك مسرح الحادثة، ارتمت على زوجها، بعدما اطمأنت على ابنتيها، تحدثه وكأنه جثة هامدة.

جاهدت نفسها وتظاهرت برباطة الجأش، حتى ببدو الأمر للبنتين عاديا، وأن ما وقع مجرد وعكة لا تدعو إلى كثير من القلق والخوف. حملت هاتفها ويداها ترتعدان وهي تردد، الطبيب، الطبيب، الطبيب…، رنت ورنت، فإذا بعبد الشافي الطبيب الذي يقطن بجانبهم يجيب، صباح النور ما الخطب أستاذة دعاء؟ زوجي، زوجي على حافة الموت، ألحقنا من فضلك! لم تنته الدقيقة، التي كانت عند دعاء كخمسين سنة، حتى دخل عبد الشافي، قام بفحص أولي لعبد الله، وأخبر دعاء بضرورة حمله إلى المشفى.

تكلف هو بحمل عبد الله في سيارته، على أن توصل هي البنتين إلى المدرسة وتلحق به إلى المشفى الذي يعمل به. بعد إجراء الفحوصات تبين أن قلب عبد الله في حالة حرجة وأنه في أمس الحاجة إلى عملية دقيقة وفي أقرب الآجال. وُضِعَ تحت العناية المركزة في قسم الإنعاش ريثما يتم الانتهاء من كل الترتيبات لإجراء العملية.

تردد عبد الشافي كثيرا بينه وبين نفسه، فدفعته قيم الجوار والأمانة والمسؤولية لنصح دعاء بأن تحمل زوجها إلى مشفى آخر حيث يوجد طبيب متخصص له دراية عالية، تتلمذ في مساره المهني على يد أطباء مهرة، وعاين وشارك عمليات قلب صحبة جراحين كبار. قال لها وهو يقدم نصحه: ”القلب لا يمكن المغامرة والمقامرة به فهو يحتاج طبيب متمرس خبير في مجاله، يعرف خبايا وعقبات كل العمليات الجراحية. تلقفت دعاء نصيحة جارها الطبيب، وأسرعت بإجراءات تحويله، وما هما إلا يومان حتى كان في قسم العمليات، وتكللت العملية بنجاح، وزُفَّتِ البشرى لدعاء والتوأمين إيمان وإحسان.

انصرمت أيام النقاهة، وتعافى الجرح، وها هو ذا عبد الله يغادر المشفى إلى جنة بيته حيث قرة عيناه تنتظرانه بلهف وشغف كبيرين .

وبعد ثلاثة أشهر، استعاد عبد الله كامل قواه وعاد إلى عمله، لكنه رجع أيضا إلى عاداته السيئة، وهو الذي أدمن شرب الخمر وارتياد الكازينوهات للعب القمار مع علية القوم. هناك بعيدا عن أنظار المجتمع يقترف كبار المسؤولين وبأناقة متناهية ما يفعله الصعاليك في زوايا وأطراف الأحياء الفقيرة، الفرق الوحيد، أن الفريق الأول يزاول هذه الرذائل على الطاولات والكراسي الفخمة، وتحت الحراسة، وبالملايين مع معاقرة كؤوس الخمرة الباهضة الثمن، في حين أن الفريق الثاني يفترشأصحابه الأرض قرب المزابل والحافات التي لا تكثر فيها الخطى، يجثون على ركابهم يتداولون دراهم معدودة وهم يحتسون في أكياس بلاستيكية شراب ”الماحيا“ المعصور في طنجرات الضغط من مواد لا يعلم بها إلا الله ومستعملوها.

مشهدان لا فرق بينهما اللهم من حيث المظهر، أما المخبر فسيان. هكذا كلما عاد عبد الله مساء إلى بيته ورأي إيمان وإحسان، تتلألأ عيناهما من المحبة والصفاء، تساءل في نفسه هل فعلا قلبه يستحق ما تكنان له من محبة؟ وما ذنبهما أن يكون لهما والد على هذه الشاكلة؟ ماذا لو اكتشفتا حال نفاق قلبه وتطلعات على أفعاله؟ أما الزوجة دعاء فمن شدة يأسها من نصح زوجها، الذي تغيرت حياته فجأة نتيجة رفقة السوء، فقد احترفت الدعاء له وأصبح ديدنها آناء الليل وأطراف النهار. ظل وخز الضمير وصورة التوأمين لا تفارق عبد الله، وهو الذي يُذَكِّر نفسه كلما استيقظ قلبه، ماذا لو كنت قد مت عند الصدمة القلبية أو أثناء العملية…؟ يجيب نفسه بهمهمات أنه سيضع حدا لأفعاله التافهة، لعل الصغيرتين إيمان وإحسان تترعرع في أحضان قلب سليم يستحقهما، لكن سرعان ما يغلب الطبع التطبع فتعود حليمة لعادتها القديمة! وبعد صراع مرير مع نفسه وأهوائها قرر عبد الله أن يستشير جاره الطبيب في أمره الجلل، وكيف أنه مع رغبته القوية في الإقلاع عن موبقاته، لكنه يفشل دائما ويستسلم.

صارح عبد الله جاره الطبيب عبد الشافي بكل خبايا حياته، وطلب منه أن ينصحه ويرشده بالصدقه نفسه الذي سلكه معه في مرض قلبه لما دل زوجه دعاء على الطبيب الخبير. تفاجأ عبد الشافي بما سمع، وبدت على محياه سمات الذهول، وهو الذي كان يرى في عبد الله رجل الأعمال المثالي، وكان يضرب به المثل لأبنائه في المثابرة والصبر والترقي الاجتماعي المستمر.

استجمع عبد الشافي أطراف حكمته واستثمر معرفته في مجاله، وقال لجاره: ”تعلم يا عبد الله أنني كنت قد نصحت زوجك دعاء بأن تحملك إلى مشفى آخر غير الذي أشتغل فيه، أتدري لماذا؟ لأن به طبيبا خبيرا لا يخيب عنده ظن أحد، ولئن كان مرضك الأول قلبي مادي، فإن مرضك الثاني قلبي معنوي.

ولئن سقط جسدك عند مرض قلبك المادي وانهارت قواه، فإن فشلك في تدبير إرادتك وسقوطك عبدا لهواك، إنما مرده إلى مرض قلبك المعنوي. وكما نصحتك بطبيب خبير في الأمراض القلبية المادية، سأنصحك بطبيب خبير في الأمراض القلبية المعنوية، كل ما عليك فعله أن تتصرف مع طبيب القلوب المعنوية بنفس اليقين والتسليم الذي دخلت به غرفة العمليات فشفيت وكفيت من مرضك المادي، وأن تواضب على وصفة الدواء التي سيصفها لك.

واعلم أن الطبيب الذي سأرسلك عنده خبير في تصفية القلوب، لا يصف الدواء من بعيد، بل هو نفسه الدواء، صحبته ومجالسته ومحبته ومخاللته تُشِعُّ على قلبك نورا يمحو ظلمة النفس والهوى ويجعل قلبك دائم اليقظة… ، قاطعه عبد الله بلهفة وأين هو، هل قريب أم بعيد، داخل البلد أم خارجها، إني والله كالسمكة المختنقة التي تبحث عن الماء لتعود لها الحياة.

إنه قريب، إنه قريب..، عندما تجالسه للوهلة الأولى بيقين وسلامة قلب، ستعود إلى بيتك وقد تغيرت نظرتك كليا إلى زوجك دعاء، وتوأميك إيمان وإحسان، سيسكنان قلبك إلى الأبد…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.