منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(4) مكانة إبراهيم عليه السلام في الكتاب المقدس – تتمة –

د. مصطفى العلام

0

ـ إبراهيم عليه السلام يقدم سارة لأبي مالك على أنها أخته:

فبعد قصة تقديم إبراهيم لزوجته سارة إلى فرعون على أنها أخته كما أشرنا إليها سابقا، يتحدث سفر التكوين في الإصحاح 20: 1-18، على أن هذه القصة ستتكرر ، ولكن هذه المرة مع أبي مالك وهو الملك الكنعاني ملك جَرار وبئر السبع«وَانْتَقَلَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ هُنَاكَ إِلَى أَرْضِ الْجَنُوبِ، وَسَكَنَ بَيْنَ قَادِشَ وَشُورَ، وَتَغَرَّبَ فِي جَرَارَ.

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ سَارَةَ امْرَأَتِهِ: «هِيَ أُخْتِي». فَأَرْسَلَ أَبِيمَالِكُ مَلِكُ جَرَارَ وَأَخَذَ سَارَةَ. فَجَاءَ اللهُ إِلَى أَبِيمَالِكَ فِي حُلْمِ اللَّيْلِ وَقَالَ لَهُ: «هَا أَنْتَ مَيِّتٌ مِنْ أَجْلِ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَخَذْتَهَا، فَإِنَّهَا مُتَزَوِّجَةٌ بِبَعْل».
وَلكِنْ لَمْ يَكُنْ أَبِيمَالِكُ قَدِ اقْتَرَبَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: «يَا سَيِّدُ، أَأُمَّةً بَارَّةً تَقْتُلُ؟ أَلَمْ يَقُلْ هُوَ لِي: إِنَّهَا أُخْتِي، وَهِيَ أَيْضًا نَفْسُهَا قَالَتْ: هُوَ أَخِي؟ بِسَلاَمَةِ قَلْبِي وَنَقَاوَةِ يَدَيَّ فَعَلْتُ هذَا». فَقَالَ لَهُ اللهُ فِي الْحُلْمِ: «أَنَا أَيْضًا عَلِمْتُ أَنَّكَ بِسَلاَمَةِ قَلْبِكَ فَعَلْتَ هذَا. وَأَنَا أَيْضًا أَمْسَكْتُكَ عَنْ أَنْ تُخْطِئَ إِلَيَّ، لِذلِكَ لَمْ أَدَعْكَ تَمَسُّهَا فَالآنَ رُدَّ امْرَأَةَ الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَيُصَلِّيَ لأَجْلِكَ فَتَحْيَا. وَإِنْ كُنْتَ لَسْتَ تَرُدُّهَا، فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَوْتًا تَمُوتُ، أَنْتَ وَكُلُّ مَنْ لَكَ»..  فَبَكَّرَ أَبِيمَالِكُ فِي الْغَدِ وَدَعَا جَمِيعَ عَبِيدِهِ، وَتَكَلَّمَ بِكُلِّ هذَا الْكَلاَمِ فِي مَسَامِعِهِمْ، فَخَافَ الرِّجَالُ جِدًّا. ثُمَّ دَعَا أَبِيمَالِكُ إِبْرَاهِيمَ وَقَالَ لَهُ: «مَاذَا فَعَلْتَ بِنَا؟ وَبِمَاذَا أَخْطَأْتُ إِلَيْكَ حَتَّى جَلَبْتَ عَلَيَّ وَعَلَى مَمْلَكَتِي خَطِيَّةً عَظِيمَةً؟ أَعْمَالًا لاَ تُعْمَلُ عَمِلْتَ بِي». وَقَالَ أَبِيمَالِكُ لإِبْرَاهِيمَ: «مَاذَا رَأَيْتَ حَتَّى عَمِلْتَ هذَا الشَّيْءَ؟» فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «إِنِّي قُلْتُ: لَيْسَ فِي هذَا الْمَوْضِعِ خَوْفُ اللهِ الْبَتَّةَ، فَيَقْتُلُونَنِي لأَجْلِ امْرَأَتِي. وَبِالْحَقِيقَةِ أَيْضًا هِيَ أُخْتِي ابْنَةُ أَبِي، غَيْرَ أَنَّهَا لَيْسَتِ ابْنَةَ أُمِّي، فَصَارَتْ لِي زَوْجَةً. وَحَدَثَ لَمَّا أَتَاهَنِي اللهُ مِنْ بَيْتِ أَبِي أَنِّي قُلْتُ لَهَا: هذَا مَعْرُوفُكِ الَّذِي تَصْنَعِينَ إِلَيَّ: فِي كُلِّ مَكَانٍ نَأْتِي إِلَيْهِ قُولِي عَنِّي: هُوَ أَخِي». فَأَخَذَ أَبِيمَالِكُ غَنَمًا وَبَقَرًا وَعَبِيدًا وَإِمَاءً وَأَعْطَاهَا لإِبْرَاهِيمَ، وَرَدَّ إِلَيْهِ سَارَةَ امْرَأَتَهُ. وَقَالَ أَبِيمَالِكُ: «هُوَذَا أَرْضِي قُدَّامَكَ. اسْكُنْ فِي مَا حَسُنَ فِي عَيْنَيْكَ». وَقَالَ لِسَارَةَ: «إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُ أَخَاكِ أَلْفًا مِنَ الْفِضَّةِ. هَا هُوَ لَكِ غِطَاءُ عَيْنٍ مِنْ جِهَةِ كُلِّ مَا عِنْدَكِ وَعِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ، فَأُنْصِفْتِ». فَصَلَّى إِبْرَاهِيمُ إِلَى اللهِ، فَشَفَى اللهُ أَبِيمَالِكَ وَامْرَأَتَهُ وَجَوَارِيَهُ فَوَلَدْنَ. لأَنَّ الرَّبَّ كَانَ قَدْ أَغْلَقَ كُلَّ رَحِمٍ لِبَيْتِ أَبِيمَالِكَ بِسَبَبِ سَارَةَ امْرَأَةِ إِبْرَاهِيمَ.”.

ويا للعجب من كل تنسبه هذه الإصحاحات من سفر التكوين لنبي الله إبراهيم عليه السلام، من أنه متزوج من سارة وهي أخته من أبيه وليست من أمه، حيث أن اليهود ينسبون إلى ديانتهم كل من كان من أم يهودية، وأيضا يقدم زوجته سارة إلى أبي مالك وهو يعلم ما سيفعل بها.إنها صورة أخرى منحطة أخلاقيا على مستوى مكانة الأنبياء عند الله. فأين هي دعوى الإبراهيمية التي تحملها الديانة اليهودية مع كل هذا؟.

ـ هاجر ‘الجارية’ تلد الولد لسارة:

المزيد من المشاركات
1 من 28

فبعد نبي الله إبراهيم لم تسلم زوجته هاجرأيضا من ادعاءات اليهود في سفر التكوين( الإصحاح 16: 1-2) التي تحط من كرامتها، ومن رمزيتها باعتبارها زوج نبي الله إبراهيم عليه السلام ” وَأَمَّا سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ فَلَمْ تَلِدْ لَهُ. وَكَانَتْ لَهَا جَارِيَةٌ مِصْرِيَّةٌ اسْمُهَا هَاجَرُ، فَقَالَتْ سَارَايُ لأَبْرَامَ: «هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ الْوِلاَدَةِ. ادْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي لَعَلِّي أُرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ». فَسَمِعَ أَبْرَامُ لِقَوْلِ سَارَايَ.” تشير هذه الإصحاحات إلى أن السيدة هاجر كانت جارية عند السيدة سارة، وهو ادعاء لايستند إلى أساس، بل الغرض منه هو الحط من كرامة العرق العربي الذي جاء من نسل سيدنا اسماعيل عليه السلام وأمه هاجر، وفي المقابل الرفع من مكانة النسل الذي ينحدر منه اليهود من إسحاق عليه السلام وأمه سارة.كما أن هذه الإصحاحات تشير إلى أن الولد الذي سيأتي من هاجر سيصبح ولد سارة وإن لم تلده.وهو ادعاء باطل أيضا يحط من مكانة هاجر وسارة على السواء ومن ورائهما إبراهيم عليه السلام، على اعتبار أن الابن ينسب لأمه التي ولدته وإن كانت جارية  رقيقةكما يدعون، ولاينسب إلى سيدتها سارة، على الرغم من أن بعض الباحثين اعتبروا الأمر طبيعيا لأنه عرف كان سائدا في تلك المرحلة التي عاشها إبراهيم عليه السلام.

ـ إبراهيم عليه السلام يقدم هاجر لسارة لتفعل بها ماتشاء:

ولاتنتهي هذه الادعاءات التي تنسج علاقات متوثرة بين هاجر وسارة و تقحم نبي الله إبراهيم عليه السلام في هذا التوثر، وهذا ما يشير إليه سفر التكوين( الإصحاح 16: 3-4-5-6) “فَأَخَذَتْ سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةَ جَارِيَتَهَا، مِنْ بَعْدِ عَشَرِ سِنِينَ لإِقَامَةِ أَبْرَامَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَأَعْطَتْهَا لأَبْرَامَ رَجُلِهَا زَوْجَةً لَهُ.
فَدَخَلَ عَلَى هَاجَرَ فَحَبِلَتْ. وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرَتْ مَوْلاَتُهَا فِي عَيْنَيْهَا. فَقَالَتْ سَارَايُ لأَبْرَامَ: «ظُلْمِي عَلَيْكَ! أَنَا دَفَعْتُ جَارِيَتِي إِلَى حِضْنِكَ، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرْتُ فِي عَيْنَيْهَا. يَقْضِي الرَّبُّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ». فَقَالَ أَبْرَامُ لِسَارَايَ: «هُوَذَا جَارِيَتُكِ فِي يَدِكِ. افْعَلِي بِهَا مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْكِ». فَأَذَلَّتْهَا سَارَايُ، فَهَرَبَتْ مِنْ وَجْهِهَا”.وصورة هاجر وسارة في هذه الإصحاحات لاتستقيم لأن هاجر امرأة مؤمنة وسارة أيضا امرأة مؤمنة. أما مكانة إبراهيم عليه السلام فلم تتغير حيث يقدم هاجر لسارة لتفعل بها ماتشاء، فذلتها حتى هربت. وكل هذه الأخلاق أيضا تنافي الإبراهيمية والأخلاق الميثالية لأنبياء الله الذين لايرضون بالظلم بل جاءت رسالتهم لمحاربته.

ـ سارة تطرد هاجر وإسماعيل والرب يدعو إبراهيم عليه السلام للتنفيذ :

في الإصحاح( 21: 8-13) تستمر صورة سارة، تلك المرأة الشريرة التي تأمر إبراهيم أن يطرد زوجته هاجر وابنه إسماعيل ويبقي عليها وعلى ابنها إسحاق، ويأمره الرب أن يسمع لكلامها” وَرَأَتْ سَارَةُ ابْنَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةِ الَّذِي وَلَدَتْهُ لإِبْرَاهِيمَ يَمْزَحُ، فَقَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ: «اطْرُدْ هذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّ ابْنَ هذِهِ الْجَارِيَةِ لاَ يَرِثُ مَعَ ابْنِي إِسْحَاقَ». فَقَبُحَ الْكَلاَمُ جِدًّا فِي عَيْنَيْ إِبْرَاهِيمَ لِسَبَبِ ابْنِهِ. فَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ».”. لايمكن لأي إنسان عاقل أن يصدق ماجاء في هذا الإصحاح، حيث يصف سارة بتلك المرأة الشريرة الحقودة والبغيضة على هاجر وابنها إسماعيل،  والمنحازة إلى إبنها إسحاق. ويصف أيضا بأن الرب ينحاز إلى ماقالته سارة ويأمر إبراهيم بالتنفيذ، وكأن الرب يبارك هذا الظلم، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.وأين هي الإبراهيمية من كل هذه الصفات سواء المتعلقة بسارة زوج النبي إبراهيم عليه السلام،أو المتعلقة بإبراهيم نفسه الذي ينفذ ماتأمره به سارة، أو المتعلقة بالرب الذي سيبارك هذا الظلم ويدعو إبراهيم لتنفيذه؟

– إبراهيم عليه السلام يعطي كل مايملك لإسحاق ويستثني إسماعيل:

صورة أخرى من صور سفر التكوين( الإصحاح25: 5-6) تظهر نبي الله إبراهيم بهذه العنصرية اتجاه ابنه وفلذة كبده إسماعيل عليه السلام، فيهب كل مايملك لابنه إسحاق عليه السلام ولايترك شيئا لإسماعيل عليه السلام وهو ولده البكر” وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ. وَأَمَّا بَنُو السَّرَارِيِّ اللَّوَاتِي كَانَتْ لإِبْرَاهِيمَ فَأَعْطَاهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَطَايَا، وَصَرَفَهُمْ عَنْ إِسْحَاقَ ابْنِهِ شَرْقًا إِلَى أَرْضِ الْمَشْرِقِ، وَهُوَ بَعْدُ حَيٌّ.” ولذلك نتساءل مرة أخرى عن الإبراهيمية التي توصف بها الديانة اليهودية وهي تصور نبي الله إبراهيم عليه السلام عنصريا منحازا لأحد أبنائه دون الآخر.
وخلاصة القول في كل ماسبق، أن سفر التكوين ينسب إلى نبي الله إبراهيم عليه السلام العديد من التهم والصفات والأخلاق الذميمة من قبيل( الكذب ـ الجبن ـ الدياثة ـ المتاجرة بعرض زوجته ـ الزواج بأخته…). كما يصف سفر التكوين بأن الصلة التي تربط نبي الله إبراهيم عليه السلام بربه تقوم على أساس المنافع المادية والدنيوية، وتتسم بالسخط وسوء الأدب، وليست علاقة تقوم بين نبي وربه أساسها التسليم والطاعة والانقياد. وكل ذلك يمثل جزءا يسيرا يثبت بما يدع مجالا للشك أن وصف الديانتين اليهودية والمسيحية بالإبراهيمية يظل بعيدا عن الإنصاف.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 17
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.