منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(3) مكانة إبراهيم عليه السلام في الكتاب المقدس

د. مصطفى العلام

0

تقديم

بعد أن تحدثنا في المحورين  السابقين عن حقيقة مصطلح الديانات الإبراهيمية، وحاولنا أن نبسط بين يدي القارئ خفايا هذه التسمية وأهدافها الغير المعلنة، نرجع في هذه المحاور المتبقية لنعرف مكانة ابراهيم الخليل في الكتاب المقدس، وذلك من خلال قراءة في عدد من النصوص المقدسة المرتبطة بالموضوع. فأتباع الديانتين اليهودية والمسيحية يؤكدون انتسابهم للنبي إبراهيم عليه السلام، لكن مكانة إبراهيم الخليل في الكتاب المقدس ـ كما سنرى ـ تجعل هذا الانتساب محط تساؤل، وتجعل  هاتين الديانتين بعيدة كل البعد عن صفة الإبراهيمية التي تجمعهما مع الإسلام .

فماهي إذن مكانة إبراهيم عليه السلام في نصوص الكتاب المقدس؟  وهل من الإنصاف نعث الديانتين اليهودية والمسيحية بالإبراهيمية؟

بداية ولتناول مكانة  إبراهيم عليه السلام في نصوص الكتاب المقدس لابد من التذكير:

ـ أننا سنركز فقط في الكتاب المقدس على نصوص العهد القديم، لأن العهد الجديد امتداد طبيعي له وللمؤمنين به ولم يحمل جديدا يميزه عن العهد القديم.

المزيد من المشاركات
1 من 28

ـ  أننا سنركز فقط على النصوص الدينية المقدسة التي تسيء إلى النبي إبراهيم عليه السلام، لنكشف عن التناقض الحاصل بين ادعاء الإبراهيمية والمكانة المخصصة له في النصوص المقدسة ذاتها.

أولا:  مكانة إبراهيم عليه السلام في نصوص الكتاب المقدس

وقد تناولت النصوص المقدسة في العهد القديم شخصية إبراهيم عليه السلام بكثير من التفاصيل المتعلقة بولادته وبأصوله وفروعه وزواجه وحروبه وهجرته و… وخاصة في سفر التكوين:

ـ أبرام العبراني:

يخبرنا سفر التكوين الإصحاح 14-13 أن اسمه أبرام العبراني ” فَأَتَى مَنْ نَجَا وَأَخْبَرَ أَبْرَامَ الْعِبْرَانِيَّ. وَكَانَ سَاكِنًا عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا الأَمُورِيِّ، أَخِي أَشْكُولَ وَأَخِي عَانِرَ. وَكَانُوا أَصْحَابَ عَهْدٍ مَعَ أَبْرَامَ”.ويرى عباس محمود العقاد أن إبراهيم الخليل لم يكن من العبرانيين، وإنما كان من البيئة العربية من أسرة حديثة عهد بالهجرة من اليمن إلى جنوب العراق: « فلا يقال عن إبراهيم إنه إسرائيلي، لأن يعقوب هو أول من تسمى بإسرائيل، ويعقوب حفيذ غبراهيم، ولايقال عن لإبراهيم إنه يهودي، لأن اليهودي ينسب إلى يهوذا رابع أبناء يعقوب، ولم يكن ينسب إليه إلا بعد أن أصبح اسمه على الإقليم الذي قسم له عند تقسيم الأرض بين أبناء يعقوب، ولايقال إنه عبري إذا كان المقصود بالعبرية لغة مميزة بين اللغات السامية تتفاهم بها طائفة من الساميين دون سائر الطوائف…فإذا فتشنا عن نسب إبراهيم لم نجد أصدق من البيئة العربية، وأصح التقديرات أنه من أسرة حديثة عهد بالهجرة من اليمن إلى جنوب العراق»[1]. ويرى أحمد سوسة أيضا أن إبراهيم من القبائل العربية وتحديدا من القبائل الآرامية: « يرجع بعض المؤرخين المسلمين أصول إبراهيم عليه السلام إلى القبائل الآرامية، وهي قبائل عربية هاجرت من وطنها الأصلي في جنوب الجزيرة العربية، واستقرت على ضفاف نهر الفرات شمال سورية في منطقة’حاران’ وذلك حوالي الألف الثانية قبل الميلاد»[2].

ـ تغيير الإسم من ‘أبرام’ إلى ‘إبراهيم’:

وفي سفر التكوين( الإصحاح 17/1-5) نقرأ أيضا كيف تغير اسم ‘أبرام’ إلى ‘إبراهيم’ وهو ابن التسعة والتسعين من العمر، حيث يشير هذا الإصحاح إلى أن اسم ‘إبراهيم’ تسمية من الرب وتعني أب لجمهور من الأمم  ” وَلَمَّا كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: «أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلًا، فَأَجْعَلَ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَأُكَثِّرَكَ كَثِيرًا جِدًّا». فَسَقَطَ أَبْرَامُ عَلَى وَجْهِهِ. وَتَكَلَّمَ اللهُ مَعَهُ قَائِلًا: «أَمَّا أَنَا فَهُوَذَا عَهْدِي مَعَكَ، وَتَكُونُ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ، فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ.”. أما بخصوص معنى الإسميين معا، فيشير قاموس الكتاب المقدس إلى أن « معنى”أبرام” الأب الرفيع، او الأب المكرم، فهو عظيم الأب، كريم النسب. ومعنى”إبراهيم” فهو أبو الجمهور، وأبو الناس الكثيرين»[3].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 17

وأبوة إبراهيم عليه السلام لاتقتصر على اليهود، بل تتعداهم إلى المؤمنين بيسوع المسيح كما جاء في سفر يوحنا(الإصحاح 8: 56) على لسانه” أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ”.

ـ ابراهيم عليه السلام وامرأته عند ملك مصر:

فإذا كانت الديانة اليهودية تدعي الانتساب إلى إبراهيم الخليل عليه السلام، فإن سفر التكوين (12: 10-20) اتهمه بالمتاجرة بعرض زوجته سارة ،« ليكون له خير بسببها » ويحصل على الهدايا والأموال ” وَحَدَثَ جُوعٌ فِي الأَرْضِ، فَانْحَدَرَ أَبْرَامُ إِلَى مِصْرَ لِيَتَغَرَّبَ هُنَاكَ، لأَنَّ الْجُوعَ فِي الأَرْضِ كَانَ شَدِيدًا. وَحَدَثَ لَمَّا قَرُبَ أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَ أَنَّهُ قَالَ لِسَارَايَ امْرَأَتِهِ: «إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ امْرَأَةٌ حَسَنَةُ الْمَنْظَرِ.  فَيَكُونُ إِذَا رَآكِ الْمِصْرِيُّونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هذِهِ امْرَأَتُهُ. فَيَقْتُلُونَنِي وَيَسْتَبْقُونَكِ. قُولِي إِنَّكِ أُخْتِي، لِيَكُونَ لِي خَيْرٌ بِسَبَبِكِ وَتَحْيَا نَفْسِي مِنْ أَجْلِكِ». فَحَدَثَ لَمَّا دَخَلَ أَبْرَامُ إِلَى مِصْرَ أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ رَأَوْا الْمَرْأَةَ أَنَّهَا حَسَنَةٌ جِدًّا. وَرَآهَا رُؤَسَاءُ فِرْعَوْنَ وَمَدَحُوهَا لَدَى فِرْعَوْنَ، فَأُخِذَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَصَنَعَ إِلَى أَبْرَامَ خَيْرًا بِسَبَبِهَا، وَصَارَ لَهُ غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَعَبِيدٌ وَإِمَاءٌ وَأُتُنٌ وَجِمَالٌ. فَضَرَبَ الرَّبُّ فِرْعَوْنَ وَبَيْتَهُ ضَرَبَاتٍ عَظِيمَةً بِسَبَبِ سَارَايَ امْرَأَةِ أَبْرَامَ. فَدَعَا فِرْعَوْنُ أَبْرَامَ وَقَالَ: «مَا هذَا الَّذِي صَنَعْتَ بِي؟ لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي أَنَّهَا امْرَأَتُكَ؟ لِمَاذَا قُلْتَ: هِيَ أُخْتِي، حَتَّى أَخَذْتُهَا لِي لِتَكُونَ زَوْجَتِي؟ وَالآنَ هُوَذَا امْرَأَتُكَ! خُذْهَا وَاذْهَبْ!». فَأَوْصَى عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ رِجَالًا فَشَيَّعُوهُ وَامْرَأَتَهُ وَكُلَّ مَا كَانَ لَهُ.” . فأي ديانة إبراهيمية هاته التي تعطينا صورة بشعة  تحط من كرامة أنبياء الله وزوجاتهم، فتصور إبراهيم – عليه السلام – بهذا الخلق المنحط؟، يقول عبد الفتاح الزيات: « والمغزى من هذه الروايات، الإيحاء الضمني بإباحة استخدام الزوجية اتقاء لضر متوهم، أو ابتغاء لكسب مرجو، وهي قاعدة من القواعد الأخلاقية التي عليها اليهود- الغاية تبرر الوسيلة.». [4]

ـ خلاف إبراهيم ولوط عليهما السلام حول المواشي:

يتحدث سفر التكوين أيضا في الإصحاح 13(: 6-7-8-9) عن الخلاف والخصومة التي حدثت بين إبراهيم ولوط عليهما السلام، بسبب كثرة مواشيهما وخلافات رعاتهما “وَلَمْ تَحْتَمِلْهُمَا الأَرْضُ أَنْ يَسْكُنَا مَعًا، إِذْ كَانَتْ أَمْلاَكُهُمَا كَثِيرَةً، فَلَمْ يَقْدِرَا أَنْ يَسْكُنَا مَعًا. فَحَدَثَتْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنَ رُعَاةِ مَوَاشِي أَبْرَامَ وَرُعَاةِ مَوَاشِي لُوطٍ. وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ وَالْفَرِزِّيُّونَ حِينَئِذٍ سَاكِنِينَ فِي الأَرْضِ. فَقَالَ أَبْرَامُ لِلُوطٍ: «لاَ تَكُنْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ رُعَاتِي وَرُعَاتِكَ، لأَنَّنَا نَحْنُ أَخَوَانِ. أَلَيْسَتْ كُلُّ الأَرْضِ أَمَامَكَ؟ اعْتَزِلْ عَنِّي. إِنْ ذَهَبْتَ شِمَالًا فَأَنَا يَمِينًا، وَإِنْ يَمِينًا فَأَنَا شِمَالًا». وهي صورة أيضا تنافي الإبراهيمية، ولا تتفق مع الشخصية الإيمانية الرسالية لإبراهيم ولوط عليهما السلام.

ـ سخط إبراهيم عليه السلام على ربه:

يشير سفر التكوين (الإصحاح15: 1-2-3) إلى الحوار الذي دار بين نبي الله إبراهيم عليه السلام وربه بعد أن وعده الرب وعودا، وطلب إليه فعل أشياء تزيد من إيمانه،”  بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ صَارَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى أَبْرَامَ فِي الرُّؤْيَا قَائِلًا: «لاَ تَخَفْ يَا أَبْرَامُ. أَنَا تُرْسٌ لَكَ. أَجْرُكَ كَثِيرٌ جِدًّا». فَقَالَ أَبْرَامُ: «أَيُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ، مَاذَا تُعْطِينِي وَأَنَا مَاضٍ عَقِيمًا، وَمَالِكُ بَيْتِي هُوَ أَلِيعَازَرُ الدِّمَشْقِيُّ؟» وَقَالَ أَبْرَامُ أَيْضًا: «إِنَّكَ لَمْ تُعْطِنِي نَسْلًا، وَهُوَذَا ابْنُ بَيْتِي وَارِثٌ لِي». لكن النبي إبراهيم عوض التسليم والطاعة للرب نراه في هذا الإصحاح من سفر التكوين يخاطب الرب بلهجة المتسخط غير الراضي بقدر الله، وهي صورة أخرى بعيدة عن الإبراهيمية التي تدعيها الديانة اليهودية.

ـ إبراهيم عليه السلام يسيء الأدب مع ربه:

في سفر التكوين دائما الإصحاح 18: 23-25، نجد أن إبراهيم عليه السلام يسيء الأدب مع ربه، وهي صورة منافية لأخلاق الأنبياء عليهم السلام، ومنافية لدعوى الديانة الإبراهيمية التي يصف بها البعض  الديانة اليهودية:”فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: «أَفَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ؟ عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ. أَفَتُهْلِكُ الْمَكَانَ وَلاَ تَصْفَحُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الْخَمْسِينَ بَارًّا الَّذِينَ فِيهِ؟
حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ، أَنْ تُمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ، فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلًا؟» “وهي صورة أخرى تصور نبي الله إبراهيم وهو ينكر على الرب فعله، ويعترض عليه بشدة وغلظة  ويبين له خطأه وحرمة فعله.


الهوامش

[1] عباس محمود العقاد: إبراهيم أبو الأنبياء، دار النهضة، مصر، بدون طبعة، ص: 177-178

[2] أحمد سوسة: العرب واليهود في التاريخ ـ حقائق تاريخية تظهرها المكتشفات الآثارية، سلسلة الكتب الحديثة، العربي للإعلان والنشر والطباعة، الطبعة الثانية، ص:478-508.

[3] قاموس الكتاب المقدس، جمعة من اللاهوتيين، منشورات مكتبة المشعل، بإشراف رابطة الكنائس الإنجيلية في الشرق الأوسط، الطبعة السادسة 1981م

[4] اليهودية، عبد الفتاح حسين الزيات، مركز الراية الطبعة الأولى 1998 م، ،ص 44.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.