منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(7) تدوين الأناجيل |الأناجيل الأربعة في الميزان

د. مصطفى العلام

0

1 – تأخير تدوين الأناجيل:

فقد سبق وأشرنا من ذي قبل إلى الفترة الزمنية التي شغلتها تقديرات كتابة الأناجيل التي تبدأ من ثلاثين عاما تقريبا إلى حدود الستين عاما من رفع المسيح عليه السلام، وهي فترة زمنية طويلة ظل فيها الإنجيل تلى شفاهيا فقط، وهذا ماأشار إليه ‘محمد السعدي’ قائلا: « أولها وهو إنجيل مرقص كتب بعد أكثر من ثلاثين عاما من رفع المسيح، بينما كتب آخرها وهو إنجيل يوحنا بعد أكثر من ستين عاما. وهكذا ظلت روايات الأناجيل شفهية أكثر من ثلاثين عاما حتى أخذت طريقها للتدوين.» [5]

أما تدوين ما يصطلح عليه العهد الجديد فلم يكن متاحا إلا أواسط القرن الثاني الميلادي، يقول ‘عرفان عبد الفتاح’: « ومعلوم تاريخيا أن الكنائس المسيحية لم تعرف عهدا جديدا مدونا مجموعا حتى أواسط القرن الثاني الميلادي، وكانت عملية التوصل والاتفاق على جمعه وتقديسه، مسألة شاقة امتحنت فيها المسيحية في أول عهدها، أيما امتحان.» [6]

كما أن هذا الفاصل الزمني بين تدوين الأناجيل ودعوة عيسى – عليه السلام – والذي شغل حيزا طويلا من الزمن، كان كفيلا لنسيان كتبة الأناجيل كتبهم، لذلك فإنهم أشاروا في غير من ذي موضع في أناجيلهم على أنهم كتبوها بالقدر الكافي من الدقة التي سمحت بها ذاكرتهم. وفي رأيي، هذا دليل صريح على أن الأناجيل اعتمدت في تدوينها على الذاكرة البشرية المعرضة للنسيان، وأن أصحاب الأناجيل لم يكتبوها بإلهام كما يدعون.

وجدير بالذكر كذلك أن بعض العلماء يرجعون سبب تأخير كتابة الأناجيل – إلى ما سبق وأشرنا إليه من ذي قبل – إلى الاضطهاد الذي تعرضت له الكنيسة لفترة طويلة، وبسبب اعتقاد تلاميذ المسيح أنه سيعود إلى الدنيا قبل أن يفنى ذلك الجيل الذي عاصره ومن هنا فلا حاجة لكتابة الأناجيل.

المزيد من المشاركات
1 من 22

2 – انقطاع السند:

لقد سبق وأشرنا بصورة مقتضبة وموجزة إلى الاضطهاد الذي حل بأتباع عيسى عليه السلام، الذي كان من أهم أسباب ضياع الإنجيل وانقطاع سنده، يقول الإمام ‘محمد أبو زهرة’:« فاتفقت المصادر الدينية وغير الدينية على أن المسيحيين نزل بهم بعد المسيح بلايا وكوارث، جعلتهم يستخفون بديانتهم، ويفرون أحيانا ويصمدون للمضطهدين مستشهدين أحيانا أخرى، وهم في كلتا الحالتين لا شوكة لهم ولا قوة تحميهم، وتحمي ديانتهم وكتبهم، وأنه في وسط هذه الاضطهادات يذكرون أنه دونت أناجيلهم الأربعة التي يؤمنون بها، ودونت رسائلهمǃǃ«[7]

وهم أنفسهم يعترفون بعدم وجود سند متصل لكتبهم، ويقرون بانقطاعها إلى أصحابها، يقول رحمة الله الهندي:« وطلبنا مرارا من القسيسين العظام السند المتصل فما قدروا عليه، واعتذر بعض القسيسين في محفل المناظرة التي كانت بيني وبينه فقال: إن سبب فقدان الإسناد عندنا وقوع المصائب والفتن على المسيحيين إلى مدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة »[8]

بالإضافة كذلك إلى السرية التي كتبت فيها أناجيلهم مما يجعل العقل غير مطمئن إلى ما يحكى عما يحدث فيها، وهذا مايشير إليه ‘رحمة الله الهندي’ بالقول« فإذا جرى الشك والريب فيما دون من كتب المسيحية التي فقدت سندها بسبب هذا الاضطهاد، والتي كتبت في ظلمة السرية يكون قد وقع حيث وجدت دواعيه، وقامت شواهده.» [9]

فبعد اتفاق المصادر الدينية وغير الدينية واعتراف كبار قسيسيهم بضياع سند كتبهم المقدسة، لا يبقى المجال إلا للظن والتخمين ـ والظن لا يغني من الحق شيئا ـ في أمر كبير الأهمية كهذا، وعليه تضيع حجية الإنجيل ويبقى احتمال نسبته إلى عيسى عليه السلام ضعيف جدا.

خاتمة:

فمن خلال ما سبق عرضه من النتائج التي توصل إليها الباحثون من العلماء من انقطاع سند هذه الأناجيل برسول الله عيسى عليه السلام، وانقطاع سند نسبتها إلى كتابها، والبيئة التي كانوا يعيشون فيها، والوقت الذي كتبت فيه هذه الأناجيل، نخلص إلى أن الإنجيل عبارة عن روايات شفهية تم تناقلها لفترة طويلة من الزمن، ثم كتب بعض الأشخاص كل منه على حدة كتابا سماه إنجيلا بناءا على فهمه من تلك الروايات الشفهية المختلفة، ووضع كل واحد من هؤلاء آراءه وتوجيهاته وإيمانه.


مقالات أخرى للكاتب
1 من 13

هوامش

[5] حول موثوقية الأناجيل والتوراة، محمد السعدي، جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، ص 24.

[6] – النصرانية نشأتها التاريخية وأصول عقائدها، عرفان عبد الحميد فتاح، دار عمار للنشر. الطبعة الأولى– 2000 م، ص:

[7] محاضرات في النصرانية، محمد أبو زهرة، ص 28.

[8] إظهار الحق، رحمة الله الهندي، تحقيق محمد ملكاوي، الجزء الثاني، ص 616 – 617.

[9] المرجع نفسه، ص 38 – 39.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.