منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المعيقات الخارحية للحرية في فكر مالك بن نبي: (3) القومية.

0

    أولا: مفهوم القومية:

تطلق القومية قديما على العصبية التي تجمع بين أفراد القبيلة في تكتل واحد، وقد سمى القرآن الكريم ذلك بالحمية الجاهلية. ففكرة القومية كانت سائدة في المجتمع الجاهلي قبل الإسلام، فكان العرب تجمعهم روح القبلية والدموية. لكن لما بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أمره بنبذ العصبية الفردية والجماعية والعبودية لغير الله.
يقول مالك بن نبي:” ومن المعلوم أن جزيرة العرب مثلا لم يكن بها قبل نزول القرآن إلا شعب بدوي يعيش في صحراء مجذبة، يذهب وقته هباء لا ينتفع به لذلك فقد كانت العوامل الثلاثة: الإنسان والتراب والوقت راكدة خامدة، وبعبارة أصح، مكدسة لا تؤدي دورها في التاريخ، حتى إذا ما تجلت الروح بغار حراء – كما تجلت من قبل بالوادي المقدس، أو بمياه الأردن – نشأت من بين هذه العناصر الثلاثة المكدسة حضارة جديدة، فكأنما ولدتها كلمة ( اقرأ ) التي أدهشت النبي الأمي وأثارت معه وعليه العالم. فمن تلك اللحظة وثبت القبائل العربية على مسرح التاريخ حيث ظلت قرونا طوالا تحمل للعالم حضارة جديدة، وتقوده إلى التمدن والرقي “.
يرى مالك بن نبي أن العصبية والحمية الجاهلية جعلت العرب خارج مسرح التاريخ، وأن الوحي هو من جعل القبائل العربية تؤسس حضارة إسلامية جديدة وتقود العالم إلى التمدن والرقي والنهضة والازدهار.
والقومية هي: حركة سياسية فكرية ضيقة متعصبة تمجد جماعة محدودة من الناس، يضمها إطار جغرافي ثابت، ويجمعها تراث مشترك، وتنتمي إلى أصول عرقية واحدة، تدعو إلى إقامة دولة موحدة لهم، على أساس من رابطة الدم والقوم، واللغة والتاريخ، وإحلالها محل الدين ”
يقول عبد السلام ياسين رحمه الله: ” وأكثر ما تكون الأنانية والاستكبار والاستعلاء وضيق الأفق عن الإخاء الإنساني في الدولة القومية وهي صيغة الدولة العصرية.. في كل رقعة من دار الإسلام خلف الاستعمار بعد انسحابه الشكلي أداة هيمنته، ومهبط إيحاءاته، ومأوى أوليائه ووكلائه. خلف الدولة القومية القطرية. فلا تذهب بعيدا في البحث عن مصدر آلامنا، ولا نبدد جهودنا في محاربة ظواهر المرض عوض الصمود إلى أصل الداء لحسمه واقتلاع جذوره “.
يقول عبد السلام ياسين عن القومية:” الإنسان أنا، ودولتي القومية هي المحيا والممات والحرب والسلم، وحق الشعوب التي لم تدمرها حربان عالميتان ولم تعلمها الحرب الباردة وصراعية العمالقة ضرورة الوحدة ينحصر في التمتع بقزامتها الخصوصية، والركود في فقرها، وقتال الأقوام الأخرى، وعبادة الدولة القومية كما يعبد الرهبان الصليب، والتسلح حتى تكون صربا غالبين أو بوسنة مبادين، أو صومالا تغيثهم حقوق الإنسان الأممية بعد أن يفنى شطر منهم جوعا وشطر آخر نزاعا قبليا “.
ومن الأسس التي تقوم عليها القومية: العرق والتاريخ واللغة واللون والجنس والأرض والمصالح المشتركة…

ثانيا: نقد مالك بن نبي للقومية:

يرى مالك بن نبي أن القومية والحمية الجاهلية هي رأس كل خطيئة، وأن العصبية للون أو اللغة أو الجنس أو التاريخ أو القوم مرفوضة، ويستدل على ذلك بما ورد من توجيهات نبوية في حجة الوداع.
يقول عليه الصلاة والسلام:” يا أيها الناس إن ربكم واحد. وإن أباكم واحد. كلكم لآدم وآدم من تراب. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر، فضل إلا بالتقوى “.
فمالك بن نبي يرفض من الناحية المبدئية القومية والطائفية والعصبية، ويرى أن كل قومية تتعارض مع الإسلام والعروبة فهي قومية مرفوضة.
ينظر مالك بن نبي إلى القومية على أنها كارثة تاريخية أصابت العالم الإسلامي، فالعصبية والقومية هي حولت مجرى التاريخ الإسلامي فأخرجته من جو المدينة الذي كان مشحونا بهدى الروح وبواعث التقدم، إلى جو دمشق حيث تجمعت مظاهر الترف وفتور الإيمان.

يقول مالك بن نبي:” ونحن نجد مثلها في الكارثة التي أصابت العالم الإسلامي في واقعة صفين فأخرجته من جو المدينة الذي كان مشحونا بهدى الروح وبواعث التقدم، إلى جو دمشق حيث تجمعت مظاهر الترف وفتور الإيمان”.
ويؤكد مالك بن نبي أن الأفكار لابد أن تكون منسجمة مع الذاكرة التاريخية للأمة الإسلامية، ومن ثمة لا يمكن أن نستورد حلولا جاهزة من الشرق أو الغرب، لأن ذلك مضيعة للجهد ومضاعفة للداء، فكل تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار.

المزيد من المشاركات
1 من 75

يقول مالك بن نبي:” وعليه فلا يجوز لأحد أن يضع الحلول والمناهج، مغفلا مكان أمته ومركزها، بل يجب عليه أن تنسجم أفكاره وعواطفه وأقواله وخطواته مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمته، أما أن يستورد حلولا من الشرق أو الغرب فإن ذلك تضييعا للجهد، ومضاعفة للداء، إذ كل تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار”.

وبالتالي فإن استيراد الأفكار والايديولوجية والقومية تضييع للجهد وجهل وانتحار ومضاعفة للداء.
وبناء على ذلك فإن ” كارثة صفين ” مثل ضربا من ضروب الفتنة والطائفية التي حذر منها رسول الله صلى عليه وسلم، فقد مثلت “صدمة صفين” نموذجا حيا للقومية والحمية الجاهلية التي أدت إلى انشطار جماعة المسلمين إلى: أهل السنة والشيعة. هذا الانشطار الذي كان نتيجة ” الصراع حول السلطة “.

يقول مالك بن نبي:” ولست أدري لماذا لم ينتبه المؤرخون إلى هذه الواقعة، التي حولت مجرى التاريخ الإسلامي، إذ أخرجت الحضارة الإسلامية إلى طور القيصرية الذي يسوده عامل العقل، وتزينه الأبهة والعظمة، في الوقت الذي بدأت تظهر فيه بوادر الفتور الدالة على أفول الروح. فإن مؤرخينا لم يروا في تلك الكارثة إلا ظاهرة ثانوية، وهي نشوء التشيع في العالم الإسلامي، مع تداولهم لحديث ألمح فيه الرسول إلى تلك الكارثة، وقد ورد فيه ما معناه: أن الخلافة بعده تكون أربعين عاما ثم تكون ملكا عضوضا “.

وقد ناقش مالك بن نبي ذلك في معرض حديثه عن صدمة صفين وما ترتب عنها من آثار:
– الصراع حول السلطة وفساد الحكم، حيث أخرجت الحضارة الإسلامية إلى طور القيصرية والملك العاض.
– انشطار جماعة المسلمين إلى أهل السنة والشيعة.
– الفتور والوهن وأفول الروح…
وعلى كل حال فإن أي فكر قومي لابد أن نخضعه لرابطة العقيدة الإسلامية، فكل تفاخر بالأنساب والجنس واللغة واللون والقوم فهو حرام. وهو ما تؤكده الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
– قال تعالى: ﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾
– قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
– قال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾
– قال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
– قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ دعوها فإنها منتنة ﴾

نخلص مما سبق إلى أن القومية والعصبية والطائفية والمذهبية والحمية الجاهلية للجنس أو اللغة أو التاريخ أو الأرض أو القوم مرفوضة، ولا يمكن أن تؤسس لدولة مدنية ديمقراطية، أيا كانت هذه القومية: ناصرية، اشتراكية، شيعية، كردية، أمازيغية، علمانية، ماركسية… ومعظم القوميات في العالم الإسلامي أثبتت التجارب التاريخية فشلها. والبديل هو منح الحرية والسيادة للشعوب في العالم الإسلامي لتختار من يحكمها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.