منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تراجم الرجال مدارس الأجيال

محمد سكويلي

0

 

الحمد لله الذي هتف في أسماع العالمين ألسن أدلته، شاهدة أنه الله الذي لا إله إلا هو، الذي لا عدلَ له معادل، ولا مثلَ له مماثل، ولا شريك له مُظاهر، ولا ولدَ له ولا والد، ولم يكن له صاحبة ولا كفواً أحد، وأنه الجبار الذي خضعت لجبروته الجبابرة، والعزيز الذي ذلت لعزته الملوك الأعزة، وخشعت لمهابة سطوته ذوو المهابة، وأذعن له جميع الخلق بالطاعة طوعاً وكرهاً… فكل موجود إلى وحدانيته داع، وكل محسوس إلى ربوبيته هاد بما وسمهم به من آثار الصنعة من نقص وزيادة، وعجز وحاجة.

أرسل الله إلى الناس رسُلًا يهدونهم إلى الصراط المستقيم، والدين القويم، وختمهم بسيد الأنبياء سيدنا محمد صلوات الله عليه، فبلَّغ صلى الله عليه وسلم رسالة ربه أحسن ما يكون البلاغ، وأدى أمانة الدين أحسن ما يكون الأداء، ثم حمل الأمانة من بعده رجالٌ اصطفاهم الله، واختارهم لتبليغ دينه، ووراثة نبيه الخاتم صلى الله عليه وسلم، وظلَّتْ هذه السلسلة تتواصل إلى يوم الناس هذا، وإلى أن يشاء الله تعالى.

لهذا استحقت الدعوة الإسلامية هذا الشرف المجيد، واستحق المشتغلون بها تكريمًا خاصًّا، ومِن هنا يجب على الدعاة الاهتمام بسِير وتراجم العلماء العاملين، والدعاة المهتدين، والوقوف على جهودهم الدعوية، من أجل أن يكونوا نبراسًا يضيء للأمة طريقها، وبخاصة حين تكون في أَمَسِّ الحاجة لأولئك الدعاة، ولا شك أن ذكر الدعاة وسِيَرهم يَشحذ الهِمة ويقوي العزيمة؛ لأن النفس الإنسانية تميل إلى المحاكاة؛ قال تعالى: ﴿وَكلًّا نَقصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ هود: 120.

فلماذا نترجم للرجال أمواتا وأحياء؟  وماذا نستفيد من الحديث عن مسارهم؟ ولماذا نقتحم عليهم حياتهم؟ وننبش في قبور رجال قضوا مع عصرهم وزمانهم؟

المزيد من المشاركات
1 من 50

للإجابة على بعض هذه التساؤلات، أعرض بين أيديكم أعزائي القراء هاته الورقة الموجزة عن الحكمة من علم التراجم وأهميته في حياتنا.

إن الرحمات تتنزل عند ذِكر الصالحين، وهم القوم لا يَشقى جليسهم؛ جاء في كتاب: “فوائد الارتحال ونتائج السفر في أخبار القرن الحادي عشر” لمصطفى بن فتح الله الحمودي: “إن الاشتغال بنشر أخبار فضلاء العصر – ولو بتواريخهم – من علامات سعادة الدنيا والآخرة؛ إذ هم شهود الله في أرضه، وبذكر الله ينزل الرضوان، وبذكر رسوله تَنزل المحبةُ، وبذكر الصالحين تنزل الرحمة، وهم في السعادة جلساءُ مَن ذكرَهم، ومَن أحبَّ شيئًا أكثر مِن ذكره، ويُرجى لمن أرَّخ لجماعة أن يَشفع السعيد منهم للشقيِّ”.

ويقول الشيخ علي بن عبدالله الزهراني في مقدمة كتابه “مواقف إيمانية من حياة الصالحين” “لا شك أن الاطلاع على سير الصالحين، ومعرفة أخبار المتقين، وآثار الطائعين – له في النفس آثار مدهشة، وعلامات بيِّنة، وآيات واضحة؛ فهو يحيي القلوب الميتة، ويُزيل قسوتها، ويزيل الصدأ الذي تراكَم عليها، ويُشعل في النفوس جَذوة الإيمان، ويصد عنها كيد الشيطان، ويُلَيِّنها لطاعة الرحمن، ويُذهب عنها ما تراكَم عليها مِن غبار الغفلات، وما تعاقَب عليها مِن صدِّ الشهوات، وما علِق بها مِن شؤم الخطيئات، فيعود إليها بريقها الذي خبَت أنوارُه، وصفاؤها الذي مُحِيَت آثاره…”

لذلك نشأ علم معرفة الرجال عند المسلمين، جزءاً من علم مصطلح الحديث الشريف، هذا العلم الذي اختصت به الأمة الإسلامية بهدف رعاية دينها وصون أحاديث نبيها صلى الله عليه وسلم من العبث والكذب، ولهذا فقد حظي هذا العلم بقسط كبير من المصداقية والموضوعية.

ويعدّ علم التراجم عموماً فرعاً من فروع علم التاريخ، الذي يحتاج إليه العالم وطالب العلم على السواء، إذ به يعرف المتأخرون أحوال من تقدمهم من الرجال والعلماء، وبه يُعرف وفاء المتأخرين لمن تقدمهم من أهل العلم والفضل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.