منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(1) لمسات بيانية من أحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم

يحي زركيط / (1) لمسات بيانية من أحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم

0

 

(1) لمسات بيانية من أحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم 

ذ. يحي زركيط

مقدمة:

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أفصح العرب لسانا وأعذبهم بيانا وأحسنهم خطابا، إذا تحدث كان حديثه حكمة، وإذا بيّن كان لبيانه وقعا بليغا على القلب والعقل معا.

المزيد من المشاركات
1 من 40

قال الجاحظ واصفا كلام النبي صلى الله عليه وسلم:” هو الكلام الذي قَلَّ عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجَلّ عن الصنعة، ونُزِّه عن التكلف…، استعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي. فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشُدّ بالتأييد، ويُسِّرَ بالتوفيق. وهذا الكلام الذي ألقى الله المحبة عليه، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام…”[1]

وقال القاضي عياض المالكي في كتابه الماتع “الشفا بتعريف حقوق المصطفى: “وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول، فقد كان – صلى الله عليه وسلم – من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل؛ سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معانٍ، وقلة تكلف. أُوتي جوامع الكلم، وخُص ببدائع الحِكَم، وعلم ألسنة العرب. يخاطب كل أمة منها بلسانها، ويحاورها بلغتها، ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله. ومَن تأمل حديثه وسبره علم ذلك وتحققه”[2].

وفصاحته صلى الله عليه وسلم في هذا الباب مردها إلى التوفيق الإلاهي والعناية الربانية. فقد كان رضاعه في بادية بني سعد ونشأته في بني هاشم، ولا يخفى على أحد أن للبيئة والمخالطة تأثير على اللسان.

قال له علي كرم الله وجهه وقد سمعه يخاطب وفد بني نهد: (يا رسول الله نحن بنو أب واحد، ونشأنا في بلد واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره فقال: «أدبني ربي فأحسن تأديبي وربيت في بني سعد بن بكر»)[3]، فكان صلى الله عليه وسلم يخاطب كل وفد أو قبيلة من قبائل العرب بما يفهمونه و يحدثهم بما يعرفونه.

ومن فصاحته صلى الله عليه وسلم أنه أوتي جوامع الكلم، ينبع من كلماته القليلة المعاني الجليلة ومن ألفاظه المعدودة العلم الغزير، وهذا من دلائل نبوته وخاصية لم يعطها أحد قبله ولا بعده. فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَاخْتُصِرَ لِيَ الْكَلاَمُ اخْتِصَارً»[4].

ومرد هذه الفضيلة أن الله تعالى قد هيأه لأعظم وظيفة متمثلة في تبليغ الرسالة وتبيين ما نزل إلى الناس.

يقول الرافعي :” وليس في العرب قاطبة من جمع الله فيه هذه الصفات، وأعطاه الخالص منها، وخصه بجملتها، وأسلس له مآخذها، وأخلص له أسبابها كالنبي صلى الله عليه وسلم فهو اصطنعه لوحيه، ونصبه لبيانه، وخصه بكتابه، واصطفاه لرسالته”[5].

ويكفي أن نطالع كتب النحويين وأهل البيان وكتب الأمثال لنجدها زاخرة بالأحاديث النبوية التي جعلوها شواهد لقواعد أصلوا لها أو مادة علمية للتدارس واستنباط الفوائد.

  • أسلوب الالتفات

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ»[6].

قال ابن حجر في الفتح: ” و قوله (بي) فيه عدول من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم فهو التفات، وقال ابن مالك كان اللائق في الظاهر هنا إيمان به ولكنه على تقدير اسم فاعل من القول منصوب على الحال، أي انتدب الله لمن خرج في سبيله قائلا لا يخرجه إلا إيمان بي ولا يخرجه مقول القول لأن صاحب الحال على هذا التقدير هو الله وتعقبه شهاب الدين بن المرحل بأن حذف الحال لا يجوز وأن التعبير باللائق هنا غير لائق فالأولى أنه من باب الالتفات”.[7]

والالتفات كما عرفه الزركشي: ” نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب آخر تطريةً واستدرارا للسامع وتجديدا لنشاطه وصيانة لخاطره من الملال والضجر بدوام الأسلوب الواحد على سمعه”[8].

ومن فوائد الالتفات أنه “يحدث في النفس حركة الانتباه قصدا، ليتقرر فيها ما تلتفت إليه تنشيطا لداعي التأثر به…وقد خصته البلاغة بالعدول عن مقام من المقامات الثلاثة التي يعبر عنها بالضمير (التكلم و الخطاب و الغيبة) إلى أحد أخويه الآخرين”[9]

و أقسامه كثيرة، منها الالتفات من الغيبة إلى التكلم كما جاء في الحديث، وكقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً﴾[فصلت: 12].

وفائدته في الحديث المذكور استرعاء انتباه السامع، فهذا الانتقال المفاجئ من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم تنبيه للمخاطب لما ينبغي أن يستحضره الخارج في سبيل الله من إيمان بالله وطلب رضاه وتصديق رسوله واتباعه ونصرته.

  • المقابلة في علم البديع

عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله  عليه وسلم قال: « يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ [10]«.

في الحديث واحدة من أنواع البديع وهي المقابلة وهي نوع من المحسنات المعنوية.

“والمقابلة هي أن يؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب”[11] .

ومن مقابلة اثنين باثنين: قوله تعالى: ﴿فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون﴾ التوبة-82-

وقول النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: «إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّر» [12].

قال ابن حجر: “واختلف في المراد بقوله كاسية وعارية على أوجه أحدها كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغنى عارية في الآخرة من الثواب لعدم العمل في الدنيا، ثانيها كاسية بالثياب لكنها شفافة لا تستر عورتها فتعاقب في الآخرة بالعري جزاء على ذلك، ثالثها كاسية من نعم الله عارية من الشكر الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب، رابعها كاسية جسدها لكنها تشد خمارها من ورائها فيبدو صدرها فتصير عارية فتعاقب في الآخرة، خامسها كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح عارية في الآخرة من العمل فلا ينفعها صلاح زوجها كما قال تعالى:﴿ فلا أنساب بينهم﴾ ذكر هذا الأخير الطيبي ورجحه لمناسبة المقام واللفظة وإن وردت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لكن العبرة بعموم اللفظ، وقد سبق لنحوه الداودي فقال كاسية للشرف في الدنيا لكونها أهل التشريف وعارية يوم القيامة قال ويحتمل أن يراد عارية في النار” .[13]

  • الوصف

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلاَ سَقَتْهَا، إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ»[14].

“للوصف في البيان النبوي أعظم القيمة في كشف المعاني وتحديد المفاهيم، به تكمل الصورة على الوجه الذي يقررها في النفس تقريرا لا تطلب بعده المزيد”[15]  .

“التعبير عن القصة بالماضي صدر الحديث تأكيد لحصولها، لأنها خبر المعصوم، وهي على هذا الوجه تبين خطر السبب الذي قد يحسبه أناس هينا وهو عند الله عظيم، فدخول المرأة النار إنما هو في (هرة) ولكن ما شأن هرة تدخل الإنسان النار؟ إن الجمل المتتابعة التي وُصفت بها النكرة هي في الواقع وصف مشترك بين المرأة والهرة لاتصال الفعل بضمير المرأة فاعلا وبضمير الهرة مفعولا، فهي لبيان حالهما معا: حال امرأة تدخل النار وهرة تكون سببا في ذلك، فليس الصفة في الحديث ترفا ولا عبثا، وإنما هي مناط الحكم، والمحظور الذي يحذر الشارع خطورته…إن الحديث يعطينا المثل بالأدنى ليفهم من هداه الله للفهم مقام الرحمة من الإيمان”[16] . فكيف بمن يحبس إنسانا ظلما حتى يموت، وكيف بمن يجوع شعبا مستضعفا بغية إذلاله؟

  • الاستفهام المجازي

عن عائشة رضي الله عنها قالت: “قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ، مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»[17].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ، فَيَجِيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ، وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ، فَجَعَلَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ، فَقَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ»[18].

الاستفهام نوعان حقيقي ومجازي. فأما الأول فهو طلب معرفة شيء لم يتقدم لك علم به، باستعمال أداة من إحدى أدواته، وأما الثاني فهو ما لا يتطلب جوابا وإنما يحمل أغراضا بلاغية كالتشويق والإنكار والتقرير والتهكم وغيرها من المعاني التي تفهم من خلال سياق الحديث ودلالة الكلام. فهو من الأساليب الإنشائية العجيبة في مرونتها.

“والرسول الكريم عليه السلام يتخذ من الاستفهام بابا واسعا لتقرير المعاني ولزيادة الإيضاح، فكم جاء استفهامه تشويقا للسامع وقسرا لانتباهه أو استدراجا وتقريرا، ليصل عن طريق الاعتراف إلى الاقتناع بخطأ أو صواب، أو غير هذا…”[19]

في الحديث الأول تلطف في الإنكار، فالرسول الكريم عليه السلام يشرع لأمته بأرقى أنواع الأدب في الخطاب حتى حال الإنكار، فيبهم في أحوال كثيرة المنكر عليه ضمن العموم سترا وتنبيها إلى عدم الاختصاص بالحكم .

وغرض الاستفهام بالهمزة في الحديث الثاني التقرير لحمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه وإلجاؤه إليه، ونظيره من كتاب الله تعالى: (أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) الزمر-52-

وفيه “تأديب لأحب الناس إليه، يثيره منه أن يُقرب من فمه تمرة من تمر الصدقة، والصدقات أوساخ الناس تخرج من أموالهم فتطهرها”[20] .

فوقعت عبارة اللوم الاستفهامية تعليلا لما قام به النبي صلى الله عليه وسلم من إخراج التمرة من فيه أو لعبارة الزجر (كخ كخ) كما في بعض الروايات.

  • التشبيه التمثيلي

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا)[21]

وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَاليَهُودُ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ عَمِلَتِ النَّصَارَى عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلاَةِ العَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ “، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ: «هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟» قَالُوا: لاَ، فَقَالَ: «فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ)[22].

حفل البيان النبوي بالصور التمثيلية التي تخاطب الحس والوجدان وتنمي في الإنسان ملكة التذوق الفني فتجعل المعقول في قالب محسوس لتحقيق أغراض متعددة، كالتأثير والإقناع والترغيب والترهيب وغيرها من المقاصد التربوية التي ترتقي بالمسلم في مدارج القيم السامية وتجدد الإيمان وترسخ اليقين في قلبه. وأسلوب التمثيل عده كثير من البيانيين من قبيل ” التشبيه المركّب الذي يكون وجه الشبه فيه منتزعاً من متعدّد”[23].

أما الحديث الأول فتضمن تمثيلا بديعا يعرض قضية معنوية في صورة محسوسة مفعمة بالحياة، فشبه الصلوات الخمس في جعلها سببا  لمحو خطايا المسلم وذنوبه بماء النهر في إزالة الأوساخ والأدران عن الجسد. هذه الصورة المتخيلة في الأذهان لنهر جار يغتسل منه المسلم خمس مرات في اليوم تبعث في النفس همة وحافزا للإقبال على الصلاة من خلال إدراك النتيجة المتمثلة في تحصيل الطمأنينة وراحة الروح بالتطهر من الخطايا كما يرتاح الجسد وينتعش بالتطهر من الأقذار.

قال ابن حجر: ” وفائدة التمثيل التأكيد ، وجعلُ المعقول كالمحسوس. قال ابن العربي : وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه ويطهره الماء الكثير فكذلك الصلوات تطهر العبد عن أقذار الذنوب حتى لا تبقي له ذنبا إلا أسقطته”[24].

” والمماثلة بين الحالين مقصود منها إثبات الغاية التي هي جهتها، وقد جاءت للتقرير مصرَّحا بها على وجه التقابل. فتكرار الصلوات يمحو الخطايا كما أن تكرار الاغتسال لا يبقي من الدرن شيئا، وهنا ينتقل المؤمن كلما توضأ ليصلي أو كلما سمع النداء إلى تصور نهر لا يُجهده بعدُه إذ هو قريب ببابه، وتصور درن يؤذيه بقاؤه إذ هو مشين فوق جسمه، وتصور اغتسال يورث النشاط ويزيل الدرن، فيرى نفسه مندفعا إلى الصلاة سعيدا بها لينقى مما يشينه ويبرأ مما يثقله”[25].

كما تضمن الحديث الشريف استفهاما تقريريا يؤكد حقيقة لا ينكرها السامع تدفع به إلى الإقرار بما يسمع وهو أجدى من إملاء الحكم من الأمر أو النهي الصريحين.

وأما الحديث الثاني ففيه تمثيل لحال الأمم مع أنبيائهم في الاتباع أو الإعراض بالأجراء مع من استأجرهم، مع بيان فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم من حيث الأجر والثواب على سائر الأمم السابقة التي حرفت شرائع أنبيائهم. واستحقاق المسلمين الأجر مضاعفا فضل وتكرم من مولاهم كما يتكرم المستأجِر على أحد عماله دون أن يحرم البقية من توفية أجورهم.

“وفي الحديث دليل على أن الثواب للأعمال ليس على قدر التعب، ولا على جهة الاستحقاق لأن العبد لا يستحق على مولاه لخدمته أجرة بل المولى يعطيه من فضله، وله أن يتفضل على من يشاء من العبيد على وجه المزيد. فإنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد”[26] .


 

[1]البيان و التبيين للجاحظ ج2/13.

[2]الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ج1/167.

[3]قال السخاوي في المقاصد الحسنة(ص73): ذكره العسكري في الأمثال و سنده ضعيف جدا ولكن معناه صحيح.

[4]رواه العجلوني في كشف الخفاء 1/263، وذكر أنه حديث مرسل وله شواهد في الصحيح.

[5]إعجاز القرآن و البلاغة النبوية لمصطفى صادق الرافعي ص267.

[6]صحيح البخاري كتاب الإيمان باب الجهاد من الإيمان رقم 36.

[7]فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني ج1/126.

[8]البرهان في علوم القرآن للزركشي ج3/380 تحقيق المرعشلي و آخرين.

[9]الحديث النبوي الشريف من الوجهة البلاغية للدكتور كمال عز الدين ص 346.

[10]صحيح البخاري كتاب التهجد باب تحريض النبي صلى الله عليه و سلم على قيام الليل 1126.

[11]البلاغة الواضحة لعلي الجارم ومصطفى أمين ص 262.

[12]رواه ابن ماجة عن أنس بن مالك رقم 195.

[13]فتح الباري ج13/30.

[14]صحيح البخاري كتاب الشرب و المساقاة باب فضل سقي الماء رقم 2365.

[15]الحديث النبوي الشريف من الوجهة البلاغية ص 413.

[16]نفسه ص418، 419.

[17]صحيح البخاري كتاب البيوع باب إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل رقم 2060.

[18]صحيح البخاري كتاب الزكاة باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل، وهل يترك الصبي فيمس تمر الصدقة رقم 1485.

[19]الحديث النبوي الشريف من الوجهة البلاغية ص 361.

[20]نفسه ص 374.

[21]صحيح البخاري كتاب مواقيت الصلاة باب الصلوات الخمس كفارة رقم 528.

[22]صحيح البخاري كتاب الإجارة باب الإجارة إلى صلاة العصر رقم 2269.

[23]البلاغة العربية لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة ج2/161.

[24]فتح الباري ج2/11،12.

[25]الحديث النبوي الشريف من الوجهة البلاغية ص 156.

[26]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لعلي بن محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري ج9/4045.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.