منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ما هو أكثر دم النفاس (دم الولادة)؟ وهل تنتظر المرأة أربعين يوما ولو طهرت؟

عبد الله بنطاهر التناني السوسي

0

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه ورشده.
وبعد؛ فإن من المسائل التي يقع فيها الخلط عند النساء دم النفاس بعد الولادة؛ بحيث ينتظر بعضهن أربعين يوما وإن ذهب عنهن دم النفاس؛ وعندي في هذه المسألة جواب قديم قبل 20 سنة، وهذا نصه مع إضافات في الاستدلال والتوثيق:

كثير من النساء يعتقدن أن المرأة بعد الولادة تجلس أربعين يوما من غير صلاة ولا صيام ولو انقطع عنها دم النفاس، وهذا خطأ يترتب عليه أمران خطيران هما: ترك الصلاة، وهتك الصيام؛ وأربعون يوما إنما تعتبر أكثر النفاس -على قول- في حالة ما إذا استمر الدم ولم ينقطع، أما إذا انقطع فتجب عليها الصلاة والصيام؛ ولا حد لأقله بحيث يمكن للمرأة أن تلد في يومها فينقطع عنها الدم فتجب عليها الصلاة مباشرة.
وقد اختلف علماء المذهب في أكثر النفاس إذا لم ينقطع إلى ثلاثة أقوال:

القول الأول: المشهور أنه شهران؛ قال به الإمام مالك ثم رجع عنه(1)، وهو مذهب الشافعية(2).

القول الثاني: أربعون يوما؛ وهو مذهب الحنفية(3)؛ ودليله ما روى وأبو داود بسند حسن، والحاكم وصححه وأقره الذهبي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «كانت المرأة من نساء النبيﷺ(4) تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبيﷺ بقضاء صلاة النفاس»(5)، وفي رواية الترمذي وابن ماجه، قالت: «…فكنا نَطْلِي وجوهَنا بالورس من الكَلَفِ(6)»(7). وروى الدارقطني وضعفه، عن أنس رضي الله عنه قال: قالﷺ: «وَقْت النفاس أربعون يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك»(8).

القول الثالث: من غير تحديد؛ أي: أن أكثر النفاس يجب الرجوع فيه إلى الخبراء والأطباء والنساء اللواتي لهن الخبرة؛ وإلى هذ رجع الإمام مالك؛ إذ قال في البداية: فإن تمادى بها جلست شهرين، ثم رجع فقال: أكره أن أحُدَّ فيه حدا، تجلس قدر ما يراه النساء وأهل المعرفة في النفساء من غير سقم، ثم هي مستحاضة(9)؛ وبناء عليه فإن المرأة تأخذ بما تبين لها من خلال الاستشارة الطبية من كون الدم نفاسا فتترك الصلاة، أو نزيفا(10) فتجب عليها الصلاة وتعالج نفسها.

المزيد من المشاركات
1 من 123

قال ابن الماجشون: “إنها يُرْجَعُ فيها إلى الغالب من حال النساء كالحيض والاستحاضة، والغالب في تربصها شهران؛ فإن تمادى اغتسلتْ وتتوضأ لكل صلاة كالمستحاضة…، والذي قيل من تربصِ النفساء أربعين ليلة أمر لم يَقْوَ ولا عمل به عندنا”(11).

وقد اختصر ابن عبد البر ما سبق فقال: “وأما النفاس فلا حد لأقله، وأكثره ستون يوما عند مالك وجماعة من فقهاء الحجاز، ورُوي عن جماعة من الصحابة أن أكثر مدة النفاس أربعون يوما وهو قول الليث، وقد رُوي عن مالك في أكثر النفاس: أنه مردود إلى عرف النساء”(12).

الخلاصة: المشهور الذي كثر قائله هو شهران، والراجح الذي قوي دليله أربعون يوما، والذي يؤيده الواقع الرجوع في ذلك إلى الأطباء وأهل الخبرة من الرجال والنساء.
والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب


الهامــــــــش:
(1) مواهب الجليل للحطاب: (1/376).
(2) عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب البغدادي: (ص: 106)، والمقدمات لابن رشد الجد: (1/129)، وبداية المجتهد/ لابن رشد الحفيد: (1/58)، والذخيرة للقرافي: (1/393).
(3) نفس المرجع.
(4) قال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام (3/329 و330): “خبرها هذا ضعيف الإسناد ومنكر المتن، فإن أزواج النبيﷺ ما منهن من كانت نفساء أيام كونها معه إلا خديجة، وزَوْجِيَّتُها كانت قبل الهِجرة؛ فإذن لا معنى لقولها: «قد كانت المرأة من نساء النبيﷺ تقعد في النفاس أربعين يوما»؛ إلا أن تريد بنسائه غير أزواجه؛ من بنات وقريبات وسريته مارية”. قلت: ليس من الضروري أن يكن من زوجات النبيﷺ فقد يكن من بناته وبنات أعمامه أو عماته، وما دام الأمر يحتمل فلا يصح أن يجعل سببا في ضعف الحديث وقد صححه الحاكم والذهبي وغيرهما.
(5) سنن أبي داود: الطهارة: باب ما جاء في وقت النفساء: (ح312)، والمستدرك للحاكم: (1/282): (ح622).
(6 الوَرْس بوزن فَلْس: نبات أصفر يصبغ به الوجه، والكَلَف بفتح الكاف واللام: كدرة بين السوداء والحمرة تعلو الوجه. الصحاح للجوهري: (3/988) و(4/1423)، وتحفة الأحوذي للمباركفوري: (1/363).
(7) سنن الترمذي: أبواب الطهارة: باب ما جاء في كم تمكث النفساء: (ح139)، وسنن ابن ماجه: كتاب الطهارة: باب النفساء كم تجلس: (ح648).
(8) سنن الدارقطني: (1/408): (ح852).
(9) المدونة لسحنون: (1/154)، وتهذيب المدونة للبرادعي: (1/222)، والجامع لابن يونس: (1/385).
(10) يستنكر البعض استعمال كلمة “نزيف” وهي واردة في اللغة كما في الصحاح للجوهري: (4/1431) على سبيل المثال، وهي هنا وصف لمحذوف تقديره دما نزيفا إذا كثر، وقولهم نزيف دموي مثله سائل منوي أي: مني سائل ودم نزيف هذا ما ظهر لي. والله اعلم.
(11) النوادر والزيادات لابن أبي زيد: (1/138 و139).

(12) الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر: (1/186).

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.