منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاحتفاء الكبير بالمولد النبوي

رشيد الداكر / الاحتفاء الكبير بالمولد النبوي

0

الاحتفاء الكبير بالمولد النبوي

رشيد الداكر

 

تعيش البشرية في هذا الوجود منذ بزوغ فجره على وجه البسيطة… بين مساقين:  مساق الإيمان الذي يربط الإنسان بالله تعالى خالقا للكون، مدبرا ورازقا لما فيه، فيسعى لطاعته وتنفيذ أوآمره. ومساق اللاإيمان: الذي يربط الإنسان بغير الله تعالى، فيبعده عن مسار الإيمان: مسار الحياة المطمئنة، والهدوء النفسي والاستقرار الروحي. ويرمي به في أوحال اللامعنى للوجود، وفي مضمار القلق على المصير،  وفي خندق تفاهة الحياة…

إن النجاة من هذا الطريق المنحرف، لن يتحصل إلا بنور النبوة والوحي من الله تعالى، وذلك أن الإنسان لابد أن يكون تابعا لخالقه، والنبوة هي الطريق الوحيد لمعرفة مراد الله من الإنسان.

هذه النبوة: طريق الوصول إليها: محض تفضل من الله تعالى على من يشاء من البشر، فلا يمكن الوصول إليها بالرياضة الفكرية، ولا بالتمارين الروحية… وإنما هي عطية ربانية يضعها الله تعالى حيث يشاء: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [الأنعام: 124]

هذا الجعل الإلهي للرسالة قائم على العلم والحكمة، فالله أعلم حيث يجعل رسالته، ولذلك منحها أفضل الخلق وأكملهم، وأعلاهم خُلقا، وأحسنهم طريقا، ليس في شيء من أمورهم ما يُشان أو يُحتقر، بل الكل بلغ رتبة الكمال البشري: في العقل، والخلق، والمعاملة….

هذه الكوكبة المنيرة في الوجود البشري، شاء الله تعالى أن تقف عنذ ذروة سَنامها، ورأس مجدها، وأيقونة حركتها: محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فجعله الله خاتم الأنبياء والمرسلين { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } [الأحزاب: 40]

هذه المقدمة الكبرى إنما توصلنا إلى بحث عنوان هذا المقال (الاحتفاء الكبير بالمولد النبوي) والذي هدفه تأصيل هذا الاحتفاء، قواعده وضوابطه، ثم تجلياته ومظاهره. لعل القلوب تزيد محبة وتعظيما لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

القضية الأولى: التأصيل للاحتفاء بالمولد النبوي.

إن المسلم لا يبنى أي موقف شرعي دون أن يكون له ما يسنده من الدلائل الشرعية، ولذلك وجب النظر في مشروعية الاحتفاء بالمولد النبوي. وأحيطك علما أن القصد هنا هو الاحتفاء وليس الاحتفال، وأنت خبير أن بينهما ما بينهما من الفروق.

أولا: القرآن الكريم: قال الله تعالى {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} [الضحى: 6] وهذه آية يتيمة في الحديث عن حالة اليتم النبوي، ومعلوم لدى الجميع أنه صلى الله عليه وسلم قد ولد بعدما مات أبوه، فقد خرج للوجود والوالد قد فارق الحياة، فالحديث عن اليتم في الآية يمتد إلى يوم ولادته صلى الله عليه وسلم، وأمام هذا الحال الذي ولد عليه سيد البشر، فاقد لحنان الوالد: يجد الاهتمام والاحتفاء الرباني.

إن الله تعالى يقابل موت أب النبي صلى الله عليه وسلم، وتركه يتيما بلا مأوى، بإعداد مأوى رباني له. وهذا عين الاحتفاء والاهتمام من الله جل جلاله بنبيه صلى الله عليه وسلم في اللحظات الأولى من مولده.

وكل ما عظمه الله وقدره، وأعلى شأنه ورفعه. فإن المؤمن يعظمه ويقدره: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]

ويمكن الاستدلال على الاحتفاء بالمولد النبوي من القرآن الكريم: بعمومات كثيرة جدا من الآيات المتضمنة: لفضل الله ونعمته، ومن ذلك قول الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } [يونس: 58]

فإن المؤمن يقابل كل نعمة بالشكر القلبي، واللساني والعملي: لنعم الله تعالى، فَيُظْهرُ المؤمن من الفرح والسرور والتعظيم لهذه النعمة الربانية: في مولد خير البشرية صلى الله عليه وسلم.

ثانيا السنة: عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه: قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الاثنين؟ قال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت – أو أنزل علي فيه -»[1]

فقط ربط النبي صلى الله عليه وسلم السؤال عن صوم يوم الاثنين، بيوم مولده: باعتباره أعظمَ حدث في الوجود البشري: مما يتعلق بالخلق والإيجاد على وجه الأرض، وكذا بيوم مبعثه باعتباره أعظم حدث مما يتعلق بالهداية والإرشاد وهو نزول الوحي. وهذا فيه من الاحتفاء والاهتمام ما يشعر النفس: أن هذا المَوْلِد ليس حدثا عابرا لا قيمة له، بل له من القيمة والتعظيم بقدر ما في نفوسنا من التعظيم والهبة لمحمد صلى الله عليه وسلم.

ومن دلائل الاحتفاء بهذا المولد الشريف في السنة النبوية، ربط ولادته صلى الله عليه وسلم، بتنقل نسمته من طهر إلى طهر من لدن آدم عليه السلام إلى أبيه وأمه. فعن عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي»[2]، وفي لفظ مرسل: «إِنَّمَا خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ لَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ مِنْ لَدُنْ آدَمَ، لَمْ يُصِبْنِي سِفَاحُ الْجَاهِلِيَّةِ»[3]. وفي لفظ آخر عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم يلتق أبواي في سفاح، لم يزل الله عز وجل ينقلني من أصلاب طيبة إلى أرحام طاهرة، صافيا، مهذبا، لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما[4]»

 

إن هذا احتفاء خاص بفضيلة الطهر والنقاء والصفاء في الولادة، فالله تعالى حفظ النسب الشريف من أن يصيبه مما يصيب أهل الجاهلية من السفاح، والولادة غير الشرعية، بل تنقل من طهر إلى طهر كرامة من الله تعالى، وإتماما للكمال في شخصه صلى الله عليه وسلم.

هذا ونحيطم علما السادة القراء:أنه ورد في صحيح البخاري عن عروة بن الزبير، وهو يتحدث عن ثويبة مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم، قال  وثويبة مولاة لأبي لهب: كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة، قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة. فهذا الأثر وبرغم مما فيه من التخفيف عن أبي لهب من عذاب، بسبب عتقه لمرضعة النبي صلى الله عليه وسلم: ثويبة، فلا يصلح: دليلا لمشروعية الاحتفاء، وذلك لكونه خبرا مرسلا، وثانيا: أنه مجرد رؤيا منامية، ليس عليها إقرار النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ساقها البخاري في هذا الموضع للتعريف بثويبة لا لأجل ثبوث التخفيف.

ثالثا: عمل المسلمين: كان حدث المولد النبوي، من الأحداث التي لم تغب عن عن حياة المسلمين، وتجد هذا جليا في كتب السيرة النبوية: من الحديث عن وقائع ذلك اليوم وما صاحب ذلك من أحداث، بدء من حمل أمه به، وتاريخ مولده، وإرهصات مولده، ومكان ولادته وبركته، وأيات مولده[5]… بل بلغ هذا الاحتفاء أن خصه جماعة من العلماء بالتصنيف نذكر منها:

1) المورد الهني في المولد السني، تأليف الإمام الحافظ زين الدين الحسين بن عبدالرحيم العراقي (ت: 806هـ ) دراسة وتحقيق: عمر بن العربي أعميري، دار السلام، سنة 1431هـ

2) عرف التعريف بالمولد الشريف، تأليف الإمام الحافظ المقرئ أبي الخير محمد بن محمد بن محمد ابن الجزري (ت: 833هـ) طبع بعناية: محمد أبي الخير الملقي، عن دار الحديث الكتانية.

3) النعمة الكبرى على العالم في مولد سيد ولد آدم، تأليف الإمام العلامة أحمد ابن حجر الهيتمي، طبع في مطبعة الحقيقة بدون تحقيق مع كتب أخرى في المولد النبوي.

إن اهتمام علماء الإسلام بإفراد هذا الموضوع بالتأليف والتصنيف، دليل على مدى اهتمامهم، بهذا الحدث الكبير في الوجود البشري، الأمر الذي يستلزم من كل من مسلم الاهتمام والاحتفاء بحدث المولد النبوي الكبير، الذي هو بداية كل الأنوار والإشراقات الإيمانية التي جاءت بعده.

القضية الثانية: قواعد وضابط الاحتفاء بالمولد النبوي:

إن المولد النبوي الشريف: حدث له قيمته العظمى في نفسية المسلمين، وأمام هذا التعظيم والتبجيل والاحتفاء… وفي غياب العلم عن العديد من المسلمين، خرجوا بالأمر عن أصله وقواعده، على شكل احتفالات: قد يقع فيها من المنكر، والابتداع، ما يرفضه الشرع الحكيم. ولهذا كان لا بد من وضع ضوابط لهذا الاحتفاء. وسوف نجعلها في ثلاث ضوابط: تحمي بإذن الله الإنسان من الوقوع في الغواية والانحراف في باب المولد النبوي.

أولا: الامتناع عن إحداث أي عبادة في هذه المناسبة، ما لم يرد ذلك في الشرع.

ثانيا: تجنب الوقوع في المنكرات التي تخالف الشرع، مثل احتفالات الرقص المختلط بين الرجال والنساء، وما يقع في ذلك من ترك للصلوات…

ثالثا: مجانبة أفعال أهل الكتاب والوثنيين في احتفائهم بأنبيائهم، مثل ايقاظ الشموع، والتجمير لقصد التبرك.

القضية الثالثة:الاحتفاء بالمولد النبوي المظاهر والتجليات

إن الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف له مظاهر وتجليات ينبغي للمسلم الالتزام بها قلبا وقالبا نذكر منها:

أولا: التعظيم القلبي لهذا الحدث الكريم: فهو ليس حدثا عاديا عابرا، ولكنه ولادة طفل لم تعرف البشرية له مثيلا، هذا الطفل: على يديه أنزل الله تعالى أعظم كتابه وأفضل شرائعه، ولولا تلك الولادة المباركة: وما تفضل الله على صاحبها من النبوة لكنا في تيه وضلال لا يعلمه إلا الله تعالى.

ثانيا: استمرارية التعظيم والتبجيل لهذا الحدث: بحيث لا يقصر على يوم مولاده، يتذكر الإنسان الحدث، ثم يقطع الصلة به إلى العام القابل.

ثالثا:الفرح والسرور عند سماع أحداث هذه الولادة المباركة، شريطة أن يضبط ذلك بما تقدم في ضوابط الاحتفاء.

رابعا:مدارسة هذا الحدث والتعرف على جزئياته بدء من زواج الوالدين، مرورا بالحمل والولادة وما صاحب ذلك من أحداث، وكذا مدارسة الطفولة الأولى له صلى الله عليه وسلم: لتكون بوابة كبيرة لمدراسة السيرة كلها، فننتقل من تعظيم حدث الولادة إلى تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، مما يورث المحبة، والمحبة دافعة للعمل والسير إلى الله.

خامسا: الاهتمام باليتامى: ينبغي أن يكون من صميم اهتمامات المسلم في حياته، وذلك أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يتيما، وأن الذي كفله حقيقة وأواه هو الله تعالى، ثم بما سخر الله من كفالة جده وعمه من بعده، فعندما نهتم باليتم: نتذكر أولا: أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ولد يتم الأب، ثم فقد الأم بعد ذلك، وثانيا: نحقق من خلال هذا السلوك: أن نرافق الرسول صلى الله عليه وسلم في دخول الجنة، لما ثبت في الحديث الصحيح: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئا[6].

سادسا: استحضار نية الشكر لله تعالى في صوم يوم الاثنين، بهذه النعمة العظيمة وهي المولد النبوي الشريف كما تقدم عندما سئل صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الآثنين قال «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت – أو أنزل علي فيه -»[7]

سابعا: على المسلمين مجانبة ما تقع فيه البشرية اليوم من الولادة غير الشرعية: من الزنا والسفاح، والأنكحة الباطلة… حفاظا على سلامة ونقاء الوجود الإنساني واستمراره.

هذه إشارة سريعة، لهذا الموضوع الكبير الذي يسكن قلوبنا، ويستقر في نفوسنا، حبا لجانب من حياة رسول الله صلى الله عليه، ذكرت بها نفسي وأخوتي من المسلمين لعل إله العرش، يغفر ذنوبنا ويجعلنا صحبة حبيبنا في جنته ودار مقامته. {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ  إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88، 89]


 

[1]. صحيح مسلم رقم الحديث (1162)[1]

[2] المعجم الأوسط للطبراني، رقم الحديث (4728)[2]

[3] مصنف ابن أبي شيبة، رقم الحديث (31641)[3]

[4] دلائل النبوية لأبي نعيم الأصبهاني، تحقيق: محمد رواس قلعه جي، وعبد البر عباس، دار النفائس، بيروت، 1/57[4]

[5]  عرف التعريف بالمولد الشريف، تأليف الإمام الحافظ المقرئ أبي الخير محمد بن محمد بن محمد ابن الجزري، عناية: محمد أبي الخير الملقي، دار الحديث الكتانية. من صفحة: 17 إلى 23

[6]  صحيح البخاري رقم الحديث (5304)

 صحيح مسلم رقم الحديث (1162)[7]

المزيد من المشاركات
1 من 43
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.