منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الخبز المر

الخبز المر/ الأستاذ عثمان غفاري

1

الخبز المر

بقلم: الأستاذ عثمان غفاري

 

ما فتئ علماء الأمة وفضلاؤها منذ توقيع اتفاق “التطبيع المشؤوم” بين المتحكمين بالمغرب والصهاينة المحتلين لأرض فلسطين المباركة برعاية أمريكية أواخر عام 2020 يذكرون بأن الفهم الشرعي والمنطقي السليم يقود إلى رفض هذا الأمر جملة وتفصيلا ليس من منطلق نصرة الشعب الفلسطيني المظلوم فحسب، ولكن لحقائق تاريخية ودواع شرعية وأخرى استراتيجية وطنية، فمضار التطبيع لم تعد لازمة على أهل فلسطين المرابطين، بل صارت متعدية لكل الشعوب التي طبع حكامها المستبدون الفاسدون المفسدون.

إلا أن ظهور آراءٍ لمشايخ ورجال دين يبررونه ويقولون بجوازه، وتعالي أصوات بعض المتصهينين الذين غيروا البوصلة فصار العدو عندهم هم أبناء جلدتهم ممن يشاركونهم مواطنة الأرض والدين، والتزايد التصاعدي لشراكات واتفاقيات اقتصادية وثقافية تروم التأسيس لتطبيع شعبي وعدم الاقتصار على التطبيع الرسمي مستغلة ظروف البسطاء بسبب مخلفات البلاء والغلاء كان آخرها فتح مكاتب وساطة لتشغيل المغاربة بفلسطين المحتلة، يجعل من اللازم تفنيذ هذه الآراء، وبيان عدم مصداقيتها، والرد عليها، وتوضيح موقف الشرع منها لمن قد يلتبس عليه الأمر، وهنا لا بد من توضيح مجموعة من الحقائق التاريخية والبراهين الساطعة التي ترسخت وتأكدت مع مرور الأيام وهي:

أولا: فلسطين ملك الأمة

إنَّ أرض فلسطين وقفٌ على المسلمين، والحقُّ فيها لله عزَّوجلَّ، ففيها المسجد الأقصى أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم، ليس لأحدٍ كائناً من كان حق التنازل عنها أو المقايضة بها.

ثانيا: لا عهود للصهاينة اليهود

إن مطامع اليهود الصهاينة ليس لها حد، فهم لا يقيمون وزناً لميثاقٍ ولا لعهدٍ، قال الله تعالى: “الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ”، فما يسمونه زورا وبهتانا “بدولة إسرائيل” كيان عنصري غرس في الوطن العربي عنوة وبقوة السلاح على أرض مغتصبة وأعراض منتهكة ودماء مسفوكة، وصرخات المسجونين وآهات المبعدين المشردين، وأنه مهما حاول الصهاينة وإخوانهم المتصهينون تجميل صورة هذا الكيان وإضفاء الشرعية على لقيط مشوه عنصري،ستبقى بشاعته ماثلة أمام كل صاحب ضمير حي.

ثالثا: للتطبيع أهداف خبيثة

إن مصالح الصهاينة تقاطعت مع مصالح المتصهينين من حكامنا فأثمرت اتفاقيات التطبيع التي يسعى بنو صهيون من خلالها لإحداث تغيير نفسي وعقلي جذري عند المسلمين حتى يتحول البراء منهم والعداء لهم إلى ولاء وتعايش وصفاء، يأمنون عن طريقه من ضربات المجاهدين، ويعززون اقتصادهم المنهار؛ تمهيداً لإكمال الهيمنة على المنطقة بأسرها، في حين يسعى الخونة المتصهينون لتثبيت عروشهم وإدامة استبدادهم والتخلص من معارضيهم.

رابعا: آليات التحكم الصهيوني

إن الاتفاقيات السياسية كانت بوابة التَّطبِيع، في حين أن اتفاقيات النشاطات الاقتصادية، والثقافية، والإعلامية، والسياحية، والأمنية ونحوها بين الكيان الغاصب وغيرها من الدول العربية والمسلمة كانت هي وسائل تنفيذ مخططه ، فعن طريق هذه الوسائل يحاول الصهاينة اليهود أن يهودوا عقلية المسلم، وأن يفسدوا عقائدَه، وأن يجروه لخدمتهم عبر آلية التحكم في أرزاق الناس إغراء وإغواء بالترويج لعقود عمل جذابة ومغرية، وآلية التحكم في قناعاتهم بإنشاءِ الأكاديميات العلمية الصهيونية في بلاد الإسلام، ونشرِ كتبهم، وإقامة المؤتمرات، والسعي لتغيير مناهج التعليم، ونحو ذلك ممَّا شأنه زلزلة ثوابت المسلمين، وتخريب واستنزاف مقدرات الأمة.

خامسا: في الحاجة إلى الفهم لا التفهم

هناك بون شاسع بين ترك قتال اليهود لعدم القدرة، وهو أمر مشروع من باب العجز المسقط للتكليف وتقديره للمقاومين في الميدان فهم وحدهم المؤهلون لمعرفة شروط وضوابط تنزيل هذا الفقه على الواقع فأهل مكة أدرى بشعابها ، وبين التطبيع المفضي لإضفاء الشرعية على المحتلين والمقايضة على حقوق الفلسطينيين باعتماد التخويف تارة والتحريف تارة أخرى والإغراء والإغواء في أحايين أخرى باستغلال حاجات الناس في ظل مخلفات البلاء والغلاء.

سادسا: الحلول التجزيئية لا خير فيها

إن البديل عن الاقتصاد الجاهلي القائم على ظلم طبقة لطبقة وشمال لجنوب وبلاد مصنعة لبلاد متخلفة، والمبنيّ على التبذير وإفساد البيئة، وعلى الدعاية الكاذبة والغاوية وعلى الغش الفني المزوق، وعلى الربا والاحتكار وهيمنة رأس المال، والمخلف لجياع مفقرين ومعطلين، لن يكون هو إبرام عقود إكراه وإذعان لصالح الصهاينة وداعميهم ووكلائهم، عقود تستهدف الحرفيين وأصحاب المهن الحرة وكذا نوابغ الأمة بإغراءات مالية لاستدراجهم للعمل في الأراضي المحتلة لتوسيع وبناء وتجهيز المستوطنات، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.

سابعا: لا قياس مع وجود الفارق

إن استدعاء أدلة نقلية وشواهد واقعية زمن النبوة والخلافة الراشدة لمصالحة الرسول صلى الله عليه وسلم للمشركين واليهود (مثال صلح الحديبية)، والعمل والاشتغال عندهم أو معهم (جواز الإجارة بين المسلمين وغيرهم) يعد تلبيسا وتدليسا يتوخى إضفاء الشرعية على قرارات مرفوضة شرعا وعقلا وعرفا، فلا يستقيم البتة الاستدلال بهاته الشواهد والأدلة في هذه النازلة لأنه لا قياس مع وجود الفارق.

ثامنا: حرمة الاشتغال بالأراضي المحتلة

إن الأصل في العمل في الأراضي المحتلة الحرمة لما فيه من تقوية الاحتلال وإطالة أمده وإعانته في الجانب الاقتصادي ودعمه، وفيه من الأضرار ما لا يعلمه إلا الله كامتهان المسلم وإعانة المحتل على الإثم والعدوان والعمل في بعض الأعمال المحرمة، كما أنه يؤثر سلبا على سلوك العمال وأخلاقهم إن لم نقل استعمالهم في أنشطة التجسس على المقاومين، وإذا حرم العمل حرم أخذ الأجرة منه ومخالفة ذلك الحكم يعني الرضوخ والقبول بشرعية المحتل، والإسهام في إعطاء الشرعية للمغتصب، فهو غير جائز لهذه الأسباب، وقد جاء في قرار مجلس الإفتاء الأعلى رقم 1/360 *كما يحرم المتاجرة مع اليهود بما فيه تقوية لهم*

تاسعا: للاضطرار شروطه وضوابطه

إن فقه الاضطرار المبيح للوقوع في المحظور، لا يمكن إعماله في هذه النازلة إلا على الفلسطيني الثابت في أرضه المنافح عن عرضه حصرا لا يتجاوزه إلى غيره من الشعوب التي طبع حكامها مع الصهاينة، فإذا اضطر هذا الشخص وأمثاله للعمل للحاجة إلى ما يحفظ حياته ويبقي عليها خوفا من الهلاك فيجوز له العمل في هذا المجال لكسب القوت الضروري لكن بشروط منها:

  • ألا يجد مكاناً آخر يعمل فيه، ولا يمكنه الاتجار بأي صورة من الصور.
  • أن تعجز الدولة الفلسطينية عن إعانته في تأمين ضرورات الحياة.
  • ألا يتيسر له السفر للعمل في أي بلد آخر.. حيث سدت السبل في وجهه.
  • أن يعمل مع الاستمرار في بذل الجهد، في البحث عن البدائل المأذون فيها شرعاً.
  • ألا يكون عمله مخالفا للشرع.

عاشرا: التعبئة بعد التهيئة

بناء على ما تقدم وتقرر أهيب بكل مغربي معطل ومفقر أن يصبر على شظف العيش ويبحث عن بدائل عن هذا العمل المحرم وألا يختار المدنس على حساب المقدس مهما كانت التبعات، فمن ترك شيئاً لله، عوضه الله خيراً منه، فالله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، ولأن نموت من الجوع أهون علينا من أن نأكل خبزا مرا ملطخا بدماء إخواننا، كما أنني أدعو إلى تضافر الجهود الرسمية والشعبية للتحذير من هذا الخطر الداهم والعمل الجاد على تحرير المغاربة من عقبات الجاهلية والفتنة، فكل مؤسسة دعوية أو إعلامية أو تجارية…. تخالف هذا الحقيقة وتروج أو تبرر لهذا الخيار تعد من المتعاونين على الإثم والعدوان، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].

تعليق 1
  1. مريم يقول

    بوركت أناملك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.