منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحصاد المر

الحصاد المر/ د. سعيد حليم

0

الحصاد المر

د. سعيد حليم

عندما تقترب الامتحانات، يشمر الكثير من التلاميذ والطلبة على سواعدهم، للتفنن في طرق الغش والتدليس. وتقصد محلات النسخ، لتصغير الدروس، وجعلها في أوراق صغيرة الحجم، ويجتهد بعد ذلك الغشاشون بإخفائها بطرق يتواصون فيما بينهم بسلكها، واقتفاء أثرها.

ومن الغشاشين من يجتهد أكثر، فيقصد التكنلوجيا الحديثة؛ لزرع سماعات صغيرة الحجم داخل الأذن، ويتم ذلك في كثير من الحالات بمباركة الوالدين. وأنا أعلم أن الكثير من الأباء والأمهات يفعلون ذلك مكرهين، خصوصا إذا رزقوا بأبناء لا يصحلون لا في العير ولا في النفير.

لكن عندما يعين الوالدان الأبناء على الغش، هل يستحضرون مآلات ذلك على المدى المتوسط والبعيد؟

هل سيكون هولاء الآباء، قادرين بعد ذلك على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟

إن من اختار الغش في مساره الدراسي باعتباره وسيلة للنجاح والترقي؛ سيبقى حياته كلها غشاشا مدلسا، ومفسدا.

في العقود الماضية، كان الغشاشون يستتيرون، ولا يمكن أن يحدث الغشاش بفعله على مسمع من الأغيار.

الآن كثر عدد الغشاشين، وصار الجهر بالغش، والتفاخر بالوسائل المسلوكة في ذلك، على مرأى ومسمع من الجميع. بل صار الغش عند طائفة من التلاميذ والطلبة حقا مكسبا، وحقا مشروعا؛ بدعوى كثرة الدروس، وضيق وقت التحضير للامتحانات.

الغش محرم شرعا في جميع الحالات، ومجرم بالقانون، وليس هناك حالات يشرع فيها للغش. إن استشراء هذه الظاهرة في صفوف التلاميذ والطلبة؛ يؤشر على أزمة عميقة وكبيرة في القيم.

الكثير من الأسر تخلت عن دورها في التربية. وأصبح همهم أن يصل أبناءهم إلى الوظائف، بغص النظر عن الطريق المسلوك إلى ذلك. المهم النتيجة، أما الوسيلة، فلا بأس أن تكون حراما.

ومن وصل إلى الوظائف بالغش؛ فإنه سيكون وبالا على نفسه، ووبالا على المجتمع الذي يعيش فيه. هذا الصنف والعياذ بالله سيظل الحياة كلها بين غش، وتدريس، وفساد، وإفساد.

المدرسة كذلك تخلت عن دورها في التربية والقيم. أصبحت المدرسة في الغالب تقتصر على تلقين المعارف. وتركت الحبل على الغارب. صار الأمر مرسلا، بلا أزمة.

الكثير من وسائل الإعلام، لا تقوم بدور ترسيخ القيم، ونشر المثل العليا التي تحض على الاجتهاد، والصدق، والإخلاص. أصبحت القيم أمرا مرغوبا عنه، وصار تحقيق المصالح هو المقصود بالأصالة؛ سواء كانت هذه المصالح شرعية أم لا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.