منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(خطبة) التبرع بالدم صدقة جارية وميسرة

(خطبة ) التبرع بالدم صدقة جارية وميسرة/ للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

0

(خطبة ) التبرع بالدم صدقة جارية وميسرة
للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

 

الحمد لله الذي خلق لنا دماء تجري في عروقنا، وشرع لنا صدقة جارية تزيد ونحن في القبور من حسناتنا، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة نتقي بها شُحَّ أنفسنا، ونعوذ بها من سيئات أعمالنا، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة لنا، وقدوة في مساعدة غيرنا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين بلغوا الدين إلينا، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى نهاية دنيانا.
أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
إن الله عز وجل خلق الناس متفاوتين في المواهب والملكات، متباينين في الجهود والطاقات؛ فمنهم قوي وضعيف، وغني وفقير، وصحيح ومريض، وقادر وعاجز؛ والله عز وجل أمر بتقريب هذا التفاوت عن طريق التراحم والتكافل والتعاون، وبأنواع من الصدقات والتبرعات، وأجر الإحسان عند الله عظيم، وثوابه كبير وجسيم، يكفي أن نعلم أن الصدقة برهان، وأن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
والفقراء أنواع، والصدقة أيضا تتنوع بتنوع هؤلاء الفقراء؛ فمن بيننا فقراء هم أغنياء المال والدنيا، قد يملكون أموالا طائلة وأملاكا مترامية، ورغم ذلك فهم فقراء، يحتاجون منا لمادة لا تستورد من الخارج، ولا تصنع في المصانع، يحتاجون لمادة نملكها لكن لا نصنعها بأيدينا، نحملها دائما معنا، لا تباع في الدكاكين، ولا تعرض في الأسواق، لكننا لا نعيش بدونها، الصدقة بها سهل وميسر، وأجر التبرع بها لا يقدر بثمن، يملك الإنسان هذه المادة ولو لم يملك في الدنيا فلسا واحدا.
أتدرون ما هي هذه المادة؟ إنها الدماء التي تجري في عروقنا، إنها قطرات الدم التي تنساب عبر أنابيب الأعصاب في أجسامنا، إنها الدورة الدموية التي تدور في أعضائنا تبعا لدقات قلوبنا، إنها التبرع بالدم لمن كان في حاجة إليه من مرضى هم فقراء الدماء، يعانون من مرض فقر الدم، وقد امتلأت بهم المراكز الصحية، وغصت بهم الأسرة البيضاء في المستشفيات، وأغلبهم ثلاثة أنواع:
منهم ضحايا حوادث السير التي تقصف كل يوم مئات من الأجسام والأشباح، وتعصف كل يوم بمئات من النفوس والأرواح، وتنسف كل يوم مئات اللترات من الدماء، وأنتم تعلمون أن بلادنا من الدول المتقدمة فيما يسمى بحرب الطرق؛ فكم من أرواح أزهقت بها؟ وكم من دماء أهرقت بها؟
ومنهم النساء الحوامل أثناء الولادة، فقد تصاب المرأة بعد وضع حملها بنزيف دموي حاد فتحتاج لمؤمن يعوضها، ويفرج كربها.
ومنهم مرضى سرطان الدم؛ لأنه داء يفتك بالكريات الحمراء في الدم.

أيها الإخوة المؤمنون؛ إن الأطباء المكلفين بمراكز تحاقن الدم بالمستشفيات يستصرخون؛ بل إنهم يدقون ناقوس الخطر؛ فكم من أرواح يراقبونها حتى تغادر أجسادها، ولا يملكون لها غير الترقب والانتظار لأنها لم تجد مؤمنا يسعفها؟ وثقافة التبرع بالدم لا نحسنها ولا نحس بها، لقد غاب الإحساس بهذا النوع من الإحسان في مجتمعنا.
فكيف نبخل بمادة الله تبرع بها علينا؟ أفلا أخاف أن يمنع الله عني فضله حين بخلنا بفضل ما لم تعمل أيدينا؟ وكيف أبخل بمادة لو تصدقت بها سيخلفها الله تعالى في جسمي في ظرف ساعات وفي أجري في ظرف دقائق؟ والله تعالى يقول: {‌وَمَا ‌تُنفِقُواْ ‌مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ}.

إن التبرع بالدم إحسان يدخل ضمن قواعد التبرعات العامة:
• منها أن التبرع بالدم عيادة المريض، وعيادة المريض أمر مرغب فيه قالﷺ: «من عاد مريضا، لم يزل في خُرْفَةِ ‌الجنة حتى يرجع؛ قيل: يا رسول الله؛ وما ‌خرفة ‌الجنة؟ قال: جَنَاهَا» أي: نتاجها الذي يجنه المسلم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقالﷺ: «من عاد مريضا، أو زار أخا له في الله، ناداه مناد: أن طِبْتَ، وطاب ‌ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا» رواه الترمذي، وعيادة المريض لا تعني مجرد الزيارة فقط؛ بل هي الزيارة والزيادة، والزيادة هي مساعدة المريض في شيء هو في حاجة إليه؛ {لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ ‌وَزِيَادَةٞ}.
• ومنها أن التبرع بالدم صدقة جارية ما دام المريض يعيش بها، قال الرسولﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية…» رواه الترمذي وصححه، وكيف يكون شعورك وأنت ترى صدقتك الجارية من دمائك تجري بجسد غيرك؟ كيف تجد إحساسك وقد أنقدت إنسانا من الموت بدمائك التي تجري في عروقك؟
• ومنها أن التبرع بالدم قضاء للحاجات وتفريج للكربات روى البخاري وغيره أن النبيﷺ قال: «ومن كان ‌في ‌حاجة ‌أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة»؛ وكيف يكون شعورك وقد قضيت حاجة مسلم من دمائك، وفرجت بها كربة غيرك، وخففت بها معاناة أخيك؟
• ومنها أن التبرع بالدم تكافل إنساني يجعلك تنتسب للنبيﷺ الذي قال عن الأشعريين من الصحابة بسب ذلك: «هم مني وأنا منهم». رواه البخاري، وكيف يكون شعورك وأنت تعلم أنك نلت بدمك الانتساب للحبيب المصطفىﷺ؟ وهل يتمنى المسلم من هذه الدنيا غير ذلك؟

فإذا ذهب أهل الدثور بالأجور، وانفرد الأغنياء بصدقات الأموال؛ فإن الصدقات بالدماء فرضة للجميع لتحصيل الأجور؛ سواء كان المسلم غنيا من أهل الدثور، أو فقيرا ذا متربة يعيش بالقشور، فرصة لتفريج الكربات ونشر الفرح والسرور، فرصة لقضاء حاجات الناس، ودفع البؤس والبأس، فرصة لتحقيق خلق الإيثار؛ يقول الله تعالى: {‌وَيُوثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ}
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛
إن عملية التبرع بالدم ليست منفعة للمريض فقط؛ بل تكون أيضا منفعة للمتبرع نفسه، فهي نفع وانتفاع، لأن التبرع بالدم يجلب لصاحبه تحاليل إذا هو أراد إجراءها سوف يدفع فيها ثمنا غاليا، هي تقريبا عشر تحاليل طبية يحصل عليها مجانا؛ منها مرض الكبد (بي، وسي) ومرض السيدا، والمتبرع بتبرعه بشيء من دمه يأخذ نتائج هذه التحاليل؛ فقد يكتشف بها مرضا خطيرا بدأ ينتشر بجسمه وهو لا يدري، فيبادر بالمعالجة قبل استفحال أمره.

والآن قد يتساءل البعض: كيف أتبرع بدمي؟ وأين؟ ومتى؟
ما علينا إلا أن نتصل بمراكز تحاقن الدم لنفيد ونستفيد، لنفيد بالإسعاف مرضانا، ولنستفيد في الدنيا حقيقة ما لدنا، وفي الآخرة أجر ما قدمنا.
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.