منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نواقض الوضوء

نواقض الوضوء/ د. محمد جعواني

0

نواقض الوضوء

د. محمد جعواني

 

قال ابن عاشر ‑ رحمه الله ‑:

نواقضُ الوُضوء سِتّةَ عَشَـر   بَوْلٌ ورِيـحُ سلَسٌ إذا نَــدَر

وغائطٌ نومٌ ثقيلٌ مَـــذيُ  سُكْرٌ وإغمـاء جُنــونٌ وَديُ

لَمْسٌ قُبْلة وذا إن وُجِـدَت   لَذّةُ عادةٍ كَــذا إن قُصِـدَت

إلطافُ مَرْأةٍ كذا مَسُّ الذَّكَر   والشَكُّ في الحَدَث كُفْرُ مَنْ كَفَر

النّواقض جمع ناقض، والنّاقض هو المُبطِل، ونَقْضُ الوضوء معناه: إبطال حُكمه، أي: إبطال استباحة العبادة، وعودة حكم المنع.

ونواقض الوضوء أحداث، وأسباب، وما ليس بأحداث ولا أسباب، وهي:

أ‑ الأحداث:

جمع حدَث، و هو الخارج المعتاد، من المخرج المعتاد، على وجه العادة، والأحداث هي:

البول والغائط:

الغائط اسم للأرض المنخفضة، وهو مجاز من إطلاق اسم المحَلِّ على الحالِّ فيه. والبول والغائط ناقضان بالإجماع، ولحديث صَفْوان بن عسّال رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمرُنا إذا كنّا على سفرٍ أن لا نَنْزع خِفافَنا ثلاثة أيّام ولَيَاليهنّ إلاّ من جَنابة، ولكن من غائط وبول ونوم”[1].

الرّيح:

ودليله الإجماع والحديث الصّحيح ” لاَ يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا”[2].

المَذي والوَدي:

المذي ‑ بسكون الذال، أو كسرها مع التّثقيل أو التخفيف‑ ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة الصغرى .والدليل عليه الإجماع وحديث علي رضي الله عنه وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: “يغسل ذَكَرَهُ ويتوضّأ”[3]. ويُشْترَط فيه غسل الفرج كلّه مع النية، لأن الأمرَ فيه تَعبُّدي وهذا هو المشهور. أما غسل الأُنْثَيين مع الذَّكَر لرواية “واغسل مَذاكيرك” فمذهب الجمهور أنه لا يجب غسل الأنثيين، وأوجب الحنابلة غسلهما.

والودي هو ماء أبيض ثَخين يخرج عَقِبَ البول غالبا، وهو ناقض بالإجماع. فعَن ابنِ عَبَّاس رضي الله عنهما قَال: المَنِيُّ وَالمَذْيُ ، وَالوَدْيُ، فَالمَنِيُّ مِنْهُ الْغُسْلُ، وَمِن هَذَيْنِ الوُضُوءُ ، يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ[4].

السَّلَسُ النّادر:

السَلَسُ مرض يُؤدّي إلى استرسال الحدَث من بول، أو ريح، أو مذي وعدم القدرة على التّحكُّم في خروجه، وهو ناقض للوضوء إذا ندَر وقلَّ، أما إذا كَثَُر فلا ينقض الوضوء، لكن يُستحب منه الوضوء، لقول عمر رضي الله عنه:” إني لأَجِدُ المذي ينحدُر منّي مِثْل الجمان أو اللّؤلؤ فلا أَلتَفِتُ إليه”[5]

ب‑ الأسباب:

جمع سبب، وهو ما يكون مَضِنّة لوقوع الحدث، كالنّوم مثلا، فالغالب وقوع الحدث فيه. والأسباب ثلاثة، وهي:

زوالُ العقل:

زَوَالُ العقل يكون إِمّا بالجُنون، أو بالسُّكْر، أو بالإغماء. والإجماع منعقد على انتقاض الوضوء بذلك.

النّوم:

النوم نوعان: نوم ثقيل يَنقض الوضوء، ونوم خفيف لا يَنقض. والفرق بينهما هو “غيابُ الإدراك ومن علامات غياب الإدراك: سَيَلان اللُّعاب من فم النّائم، أو وُقوع شيء من يدِه…ويعتبر النّوم الثّقيل طويلا كان أو قصيرا ناقضا للوضوء بالإجماع. أما النّوم الخفيف القصير فلا يعتبر ناقضا، ويُندب الوضوء منه إذا طال. ودليل الفقهاء في التّفريق بين النّوم الخفيف والثّقيل حديث قَتَادَةَ قال: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلاَ يتوضّؤون، قَالَ: قُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِن أَنَسٍ، قَالَ: إِي وَاللَّهِ[6]. وحديث عليّ كَرّم الله وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه” العين ِوكاءُ السَّهِ، فمن نام فليتوضّأ” [7] وقُيِّدَ النّوم هنا بالخفيف لأن الإجماع مُنعَقد على أن النوم الثقيل ناقض.

أما حديث: “ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ أَتَاهُ المُنَادِي فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلاَةِ فَصَلّى ولَمْ يَتَوَضَّأ[8] فهو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لقوله: “إنّ عَيْنَيَّ تنامان ولا ينام قلبي”[9].

اللَّمْس:

لَمْسُ بالغٍ لِمَنْ تُشتَهَى عادة مع القصد. وله صور أربعة، يعبّر عنها لفقهاء بقولهم: قَصَدَ ووَجَدَ، قصد ولم يجِد، وَجَدَ ولم يقصِد، لم يقصِد ولم يجِد.

فالصّور الثلاث الأولى ينتقض فيها الوضوء، والرابعة لا ينتقض.

واختلف الفقهاء في القُبْلَة[10] هل تَنقُض مُطلقا، أم مع حصول اللّذّة على أقوال. والمشهور في المذهب أنها تَنْقُض إن كانت بلذّة.

‑ مَسُّ الذّكَر:

والمسُّ المؤثِّرُ ما كان بباطن الكفّ أو باطن الأصابع أو بجَنْبهما من غير حائل، لحديث بٌسْرَة بنت صفوان رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا مسّ أحدكم ذَكَره فليتوضّأ”[11].

ومَسُّ المرأة فرْجَها ناقض للوضوء مطلقا في المشهور من المذهب، واشترط بعض فقهائنا حصول “الإلْطاف”[12] مع اللذّة. ودليل النَّقْض ما رواه عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدّه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” أيّما رجل مَسَّ فرْجَه فليتوضأ، وأيّما امرأة مَسَّت فرجَها فلتتوضأ”[13]

ج‑ ما ليس بسبب ولا حدث:

‑ الرِدة: وهي الكفر بعد الإيمان، واختلف الفقهاء في المرتَدِّ هل يُحْبَط عمله ومنه الوضوء بمجرّد رِدَّته أو يُشترَط أن يموت على الردّة ؟ والذين اشترطوا مَوتَه على الردة في حُبوط الأعمال استدلّوا بقوله تعالى: )وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُم عَن دِينِهِ فَيَمُت وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَت أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصحَابُ النَّارِ هُم فِيهَا خَالِدُونَ[14](.

وفي المذهب قولان، والمشهور أنه لا تشترط الوفاة على الردّة.

‑ الشكّ: المشكوك فيه يكون في ثلاثة أشياء، وهي:

­* الشكّ في الطّهر: فمن تيقّن أنه أحدث، وشكّ هل تطهر بعد ذلك أم لا ينتقض وضوؤه بالإجماع، لقاعدَتي “اليقين لا يزول بالشك” و” الذمّة إذا عَمَرت بيقين فلا تبرأ إلا بيقين”.

* الشك في الحدث: من تيقّن الطهارة، وشكّ هل أحدث أم لا فلا ينتقض وُضوؤه عند  الجمهور، واستدلّوا بحديث عَبَّادِ بنِ تَمِيم عَن عَمِّهِ: شُكِيَ إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيءَ في الصَّلاَةِ قَالَ: لاَ يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَو يَجِدَ رِيحًا”[15].

وقال فقهاؤنا المالكية بل ينتقض وضوؤه، وحمَلوا الحديث السابق على “المُسْتَنْكَح”[16] بدليل لفظ  “شُكِيَ” الدالّ على التّكَرُّر المُسبِّب للمشقّة والحرج. وفي المذهب قول ثانٍ غير مشهور وهو لابن رُشْد، ومفاده أن الشكّ الذي لا ينقض الوضوء هو الذي يحصل داخل الصلاة وليس خارجها، بدليل الحديث السابق” يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيءَ فِي الصَّلاَةِ”. وهذا قول سديدٌ وقويٌّ وفيه كثير من المرجِّحات. فالمستنكح إذًا لا ينصرف من الصّلاة حتّى يسمعَ صوتا أو يجد ريحًا.

* الشكّ في السابق منهما: وصورته تيَقُّنُ الطّهارة وتيَقُّن الحدَث معًا من غير معرفة السّابق منهما. وحُكْمُ هذه الصّورة انتقاض الوضوء أيضا للشك في الطهارة، والذمّة حينئذ لا تبرأ بمشكوك فيه.


[1] رواه الترمذي.

[2] رواه البخاري ومسلم.

[3] رواه البخاري ومسلم.

[4] رواه البيهقي.

[5] رواه مالك في الموطأ.

[6] رواه مسلم.

[7] رواه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي. قال الحافظ أحمد بن الصديق: حسّنه ابن الصّلاح والمنذري والنووي. انظر: أحمد بن الصديق، مسالك الدلالة في شرح متن الرسالة، ص5، دار الفكر.

[8] رواه البخاري ومسلم.

[9] رواه مالك والبخاري وأحمد واللفظ للبخاري.

[10] القُبلة تكون على الفم، أما على غير الفم فتعتبر من باب اللمس.

[11] رواه مالك في الموطأ.

[12] يقصد بالإلْطاف إدخال المرأة يدها بين شَفْرَيْ فرجَها.

[13] رواه مسلم.

[14] سورة البقرة، الآية:217

[15] رواه البخاري ومسلم.

[16] هو الذي يَعْتَريه الشكّ مِراراً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.