منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

استراحة بلا راحة (خاطرة)

محمد فاضيلي

0

ثم أستسلم للنوم..نومة خفيفة، تريح العقل والجسم، قبل أن يحين وقت العمل..
أمامي ما يقرب من ساعتين…
وما هي إلا لحظات حتى أسمع قربي صوتا رقيقا ينادي: بابا..اريد ماء..التفت يمينا..فإذا بصغيري يجلس على حافة السرير..يفرك عينيه بأصابعه الرقيقة..ثم ينظر إلي نظرات رغيبة..
ألتفت شمالا..زوجتي تغط في نوم عميق، بعد جهد الليل والنهار..بعد قليل ينبغي ان تستيقظ لتهييئ الأبناء إلى المدرسة..ثم تبدأ رحلة الكد والشقاء اليومية..لأنهض وأسقي الصغير قبل أن يوقظها من سابع نوم..
ثم ينطفئ الضوء..فأسمع صوته من جديد: بابا..ننعس معاك..دون نطق حرف العين..فاجيبه:لا.. لا..نم في مكانك..فالسرير لا يتسع لاكثر من شخصين..
يصمت قليلا ثم يعيد: بابا..نس ماك..فأجيبه وأنا بين اليقظة والنوم: لا..
يكرر الطلب..فأقول: أنت كثير الحركة والتقلب..ونومي خفيف..بل اخف من جناح بعوضة..يهرب لأقل حركة او صوت..
لا يفهم ما أقول..فيردد: نس ماك..فأقول: نم يا حبيبي نم..مثلك تنام الوردة مثل اخواتها في البستان..جملة تعلمناها في الزمن الجميل..زمن بوكماخ..
يصر على موقفه.. وأصر على موقفي..ويصر كلانا على موقفه..يردد: بابا..عافاك..خليني ننعس معاك..فيصيبني في القلب..يشتد غضبي..يكرر..عافاك ابابا..خليني ننعس معاك..كين برد..ويحذف العين والراء الأخيرة..فاقول في نفسي: ايها الشقي..تعرف نقطة ضعفي..وتعزف على الوتر الحساس..فأضمه إلى صدري..
وما هي إلا لحظات حتى ارحل..بل نرحل معا في رحلة عصية ما لها من قرار..
وتنصب علي الأحلام..أحلام لا طعم لها ولا معنى ولااتجاه ..أحلم وأحلم وأحلم..وأبحر في عوالم قصية ودنية..أسافر عبر الزمن المنسي..الآفل..المليء بالأشواق والأحزان..ألتقي بمن أعرف ومن لا أعرف..اجدني في ازمنة وفضاءات ليس لها حدود..اصارع واقاتل واحدث بلغات لا اتقن منها إلا القليل..أقرأ وأكتب وأبدع..وأحيانا أهذي بهمهمات ليس لها معنى..
شيء ما..يد ما..شخص ما..يمتد إلي وينزعني من عوالمي العاتية..ويجذبني من قعر سحيق أدخله على غير رغبة أو رضى..وأنا في غاية التعب وفي أسفل دركات الانكسار..
يد أمي الحانية تمتد إلي برفق ولين..
تجذبني رويدا رويدا..دون أن تنطق ببنت شفة..أسمع رنين الهاتف..يخرق الجدران..ويكسر جدار الصمت المرهق والرهيب..وينذر برحلة جديدة من الكبَد والشقاء..كهرباء شديدة تسري في جسدي كله وتجري فيه جري الدم في العروق..ألم في الرأس وفي الجسد..العرق يتصبب مني كقطرات المطر..اين كنت واين أصبحت..وماذا ينتظرني..إنه الثلاثاء الأسود..والأربعاء..والجمعة.. أشتغل في الصباح..ما هي إلا أيام معدودات..ثم أستريح..من فرض علي هذا التوقيت الجائر واللئيم…
إنها لقمة العيش..وإنه القدر..وإنها الحياة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.