منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في كتاب العواصم من القواصم “لأبي بكر ابن العربي المالكي الإشبيلي”

عبد الله البقالي

0

 

تمهيد موجز في التعريف بالكتاب

كتاب العواصم سفر متوسط الحجم يقع كاملا في نحو ثلاث مائة صفحة يشمل موضوعه نقاشات مع عدة طوائف عقدية وكلامية وفلسفية مع أطراف متنوعة من صوفية وفلاسفة وظاهرية وباطنية وإمامية وفقهاء، وهو مبني على نسق جدلي، وإذا أردنا التحديد أكثر فهو كتاب يلقن الموافق له كيف يجادل المخالفين، لذلك تجده ينصح ويوجه بأسلوب الخطاب، ويغلب في حديثه عن الخصوم أن يكني عنهم بضمير الغيبة، وستأتي الأمثلة على ذلك فيما يستقبل من المطالب.

وهو في كل ذلك كتاب أصيل مستقل متميز، لا في طريقة عرضه التي اتخذت شكلا مبتكرا تمثل في عرض الشبهة تحت عنوان القاصمة ثم بسط الحديث في بناء العاصمة، ولم يشتهر في متابعة ابن العربي على هذا النمط إلا ابن الوزير اليمني في كتابه (العواصم من القواصم في الذب عن سنة أبي القاسم)، ثم هو من الكتب المؤسسة لطريقة المتأخرين في مزج الكلام بالفلسفة حيث خصص حيزا كبيرا منه لمناقشة الفلاسفة ومقارعتهم، وأغلب الظن أنه متأثر في ذلك مما لا شك فيه بشيخه أبي حامد الذي لقبه في بعض حديثه عنه بــ”دانشمند”، ولربما استفاد كثيرا من كتابه (التهافت)، ولولا تناوله لغير ذلك من المباحث لصلح تصنيفه في جانب الكتب الرائدة في هذا الموضوع إلى جانب كتاب (التهافت) للغزالي وكتاب (تحفة المتكلمين) لابن الملاحمي، ثم هو بعد ذلك مما يصح اعتباره رائدا لنزعة تعميم علم الكلام التي استكملت نظريتها في العصر الحاضر، حيث أنه يتأهل للذب عن جميع شعب الدين أولا، ثم فروع الثقافة الإسلامية ثانيا، فنجده يسهب في دفع الشبه عن تاريخ صدر الإسلام، ويفتح القوس على بعض مذاهب الصوفية في المعرفة، ويمعن في الرد على الظاهرية، ويتناول بكلامه مسائل من علم القراءات، وفيه آراء مثيرة كما سيأتي بخصوص هذا الموضوع الأخير، يضاف إلى ذلك نزعة إصلاحية لا تخفى عن الناظرين كما نجد ذلك في حديثه عن الحالة التعليمية بالأندلس ونقده لبعض أحوال الإفتاء وتنصيصه على برنامجه التعليمي الذي كرر الكلام عليه في غير ما كتاب واشتهر عنه وعرف به حتى أن ابن خلدون عده منهجا خاصا في المقدمة.

أما عن مؤلفه ابن العربي فهو كما في سائر كتبه بشخصيته الحادة وخلفيته الفقهية والحديثية حاضر في كتابه بقوة، حاضر بآرائه، بلطائفه، بطرائقه، بنوادره، بفوائده، يجادل كما يجادل المتكلم، ويقرب ويلقن كما يفعل المعلم، وبذلك فكتاب العواصم فعلا من الكتب التي تترجم عن فكر صاحبها، وتعكس من نفسيته،خصوصا أنه كتبه في أواخر عمره بعض نضوج فكره واكتمال نبوغه كما يظهر من إحالاته المتكررة إلى شتى كتبه وقد صرح بتاريخ اشتغاله في تأليفه حيث قال في معرض دفاعه عن سيدنا عثمان: (اكتملت الآن خمس مائة عام كملا من يوم مقالي هذا لا ينقص منها يوم ولا يزيد يوم وهو مهل شعبان سنة ست وثلاثين وسبع مائة)[2]، وقد توفي القاضي سنة خمس مئة وثلاثة وأربعين وبهذا يكون قد ألف الكتاب في السنين السبعة الأخيرة من حياته.

المزيد من المشاركات
1 من 12

ولا يبعد أن يكون لظروف القاضي التي عايشها، حيث أنه عاصر ثلاثة دول:

دولة بني عباد في إشبيلية وغيرهم من ملوك الطوائف في الأندلس، ودولة المرابطين التي أجهزت على ملوك الطوائف وضمت الأندلس إلى ملكها، وقد تبوأ ابن العربي مكانة خاصة في دولة المرابطين حيث أنه كان سفير يوسف بن تاشفين مع أبيه إلى المشرق فسفر له إلى خليفة بغداد للرجوع بمرسوم الخلافة الذي يقر ابن تاشفين وليا على المغرب باسم العباسيين، كما أنه تولى القضاء في عهد ابنه علي بن يوسف وتمتع كغيره من قضاة المرابطين بالصلاحيات الواسعة التي خولها المرابطون لرؤوس قوادهم، فكان المشرف على بناء سور إشبيلية، ثم عاصر أخيرا أفول نجمهم وبزوغ شمس الموحدين الذين سافر إليهم في المغرب في وفد من الأندلس بقي محبوسا في مراكش نحو سنتين، وما إن شرعوا عائدين حتى عاجلت القاضي منيته في فاس وهو راجع إلى بلاده، وهناك مات ودفن وقد بقي قبره مهملا دهرا من الزمن حتى أعاد له الاعتبار السلطان إسماعيل بإيعاز من زوجته المعافرية التي تنتمي في أصل نسبها إلى نفس قبيلة القاضي ابن العربي، قلنا لربما كان لهذا التقلب، إضافة إلى التعالي الذي يفرضه النبوغ دور في تلك الحدة، إلى جانب وظيفة القضاء الواسع الصلاحية وما تستتبعه من مراسم الهيبة والتوقير، زيادة على ذلك ما جرى عليه من المحنة التي اضطرته إلى الرحيل عن بلده، على أنه قد خفف من فعل هذه العوامل طبيعة النعومة التي نشأ عليها في الأندلس والتي كان لها دور في تهذيبه إلى حد ما، فهذه نبذة عن الكتاب تضيء جوانب منه وتشوق إلى معرفة المزيد عنه والآن إلى التفصيل والتدليل.

المحور الأول: نظرة موجزة في مواضيع الكتاب.

ابتدأ كتاب العواصم باستعراض أربعة مواقف في نظرية المعرفة وتحليلها والرد عليها:

الموقف الأول: موقف منكرو الحس ولم يطل ابن العربي الوقوف عنده كثيرا لأنه كما قال ليس موقفا لأحد، وهو عنده الذي يسمى بالعربية هوسا وهذيانا وباليونانية سفسطة يعنونه خذلانا، ولكنه ركز فيه على نقد موقف الإمام الغزالي في قوله:( إن إثبات المحسوسات لا يأتي بالحجة والاستدلال وإنما هو بفضل من الله ونور منه)، وما صرح به في أول كتابه (المنقذ من الضلال) وأسهب الوقوف فيه.

الموقف الثاني: القول بالعلوم والاستدلال غير أنه يمكن الاستغناء عن الاستدلال بالفيض الإلهي كما هو مذهب الرواقيين وقول طائفة من الصوفية وقد نجم مبكرا في عبارة كثير من فضلائهم كالحارث المحاسبي وأبي القاسم القشيري وغيرهم.

الموقف الثالث: حصر المعرفة في الحواس وإنكار المبادئ العقلية ولم يطل فيه القاضي أيضا لأنه كما صرح ليس مذهبا لأحد إنما هو كلام يردده أولوا التشغيب والتشكيك، طبعا هذا إن صح في زمان القاضي فإنه لا يصح في زماننا حيث أن هذا المذهب هو السائد الرائج الآن.

الموقف الرابع: موقف الباطنية القائلين إن العلم لا يحصل إلا بالتعليم والتلقين من الإمام المعصوم، وقد أسهب الإمام عند هذا الموقف فأطال الاستقراء في بعض القصص ومناظراته معهم وذكر نبذة من أخبارهم وأخلاقهم ولربما أتى معنا شيء من ذلك في المطالب التالية، وبعد الانتهاء من استعراض هذه المواقف انتقل إلى مناقشة الفلاسفة موطئا لذلك بكلام طويل عن أهل الدس والدخيلة وعلى رأسهم في نظره البرامكة وهو يلصق بهم تهما كبيرة ويزعم أن لهم دورا خطيرا لربما كان أكبر بكثير من حجمهم ملفتا إلى رد شيخه أبي حامد الغزالي على الفلاسفة، وإجادته في ذلك، مبتدئا بتناول قولهم في التأثير الطبيعي وإنكارهم شمول العلم الإلهي، مستطردا ضمن ذلك الرد على العبارات الشهيرة الموهمة لإمام الحرمين في إنكار العلم بالجزئيات، فحلل كلامه تحليلا دقيقا وبين أنه إنما يقصد إلى نفي موجودات لا تنتهي وليس غرضه الكلام في العلم الإلهي، ثم أسهب بعدها في الحديث عن مسائل في الطبيعيات ومناقشتهم فيها مخالفا مذهب شيخه الذي نص في المقدمة الثانية من التهافت أن نقاش الفلاسفة في الطبيعيات ليس من مقتضيات الدفاع عن الدين، ومزج كثيرا من الطبيعيات بالإلهيات وقد استغرق رده على الفلاسفة أكثر من سبعين صفحة.

ثم انتقل بعد ذلك للرد على أصحاب التفسير الإشاري ونص مبدئيا على جواز الحمل التشبيهي في التفسير ونوعه إلى ثلاثة أنواع لكل منها حكمه الخاص: الحمل بالتشبيه في التوحيد، الحمل بالتشبيه في الأحكام، ثم الحمل بالتشبيه في الوعظ.

وشرع بعد ذلك في الرد على مذهب الظاهرية ونوعهم إلى نوعين:

  • المشبهة وهم الظاهرية في الأصول.
  •  ونفاة القياس وهم الظاهرية في الأحكام.

وأسهب في حديثه عن الأولين في مسألة الصفات المتشابهة تأويلا للنصوص الموهمة أو تهوينا للآثار الضعيفة مقررا أن المشبهة ليسوا أهل نظر، وناقش الظاهرية في الفقه مبتدئا بنقد مقولتهم الكبرى (لا حكم إلا لله)، وناقش ابن حزم في قوله بجواز تعلق قدرة الله بالمحال وأطال الوقوف في رد رأيه عن بعدم قضاء الفوائت عمدا وقوله في رد القرآن إلى علم الله.

ثم اتجه بعد ذلك إلى الحديث عن أحداث صدر الإسلام والفتنة بين الصحابة مبتدئا ببيعة أبي بكر والشبهات المثارة حول سيدنا عثمان، وفتنة علي ومعاوية والإرادات المثارة ضد معاوية، وبيعته ليزيد ولده وقتل يزيد للحسين رضي الله عنه، وغالب ردوده هنا قائمة على التضعيف والتأويل، والمناقضة فيها قليلة جدا.

ثم ختم بالحديث عن الأحرف السبعة، ومسائل تتعلق بعلم القراءات وجعل مسك الختام في انتقاد الحالة الفقهية والتعليمية بالأندلس مؤصلا لبعض أهم القواعد الفقهية للاجتهاد وبذلك انتهى الكتاب.

وقد تبين من خلال هذا العرض الموجز كيف أن ابن العربي فتح كتابه على عدة طوائف ومذاهب ابتداء من السوفسطائية فالصوفية فالباطنية فالفلاسفة فالمشبهة ثم الظاهرية والمتشيعة، وقد اشتمل كلامه في كل مبحث من هذه المباحث على أصول وفصول وفوائد وفرائد، وفي الوقت نفسه على مؤاخذات وإيرادات تؤخذ عليه رحمه الله وترد على أسلوبه وبعض آرائه وسيأتينا شيء منه بإذن الله تعالى في النقط الآتية.

المحور الثاني: المقومات الحجاجية للكتاب

كتاب العواصم كتاب حجاجي بالدرجة الأولى، وقد تقدم لنا أنه كتبه للموافق تلقينا له كيف يرد على المخالف، ومن ثم نجد الإمام أبا بكر ابن العربي نص فيه على كثير من القواعد الجدلية التي ينصح بها في أحيان كثيرة صراحة، إضافة إلى القواعد والأساليب التي تؤخذ من توظيفاته وتصرفاته، وهذا مسرد لأهم النقاط الحجاجية التي يعتمدها المؤلف مقرونة بأمثلة من شواهدها في الكتاب.

أولا: أسلوب المنع؛ من الأساليب التي يكثر ابن العربي التركيز عليها أسلوب المنع ويسميه في بعض المواقف بالمناقضة إلا أن الاسم الذي تقرر له أخيرا عند علماء الجدل والمناظرة هو المنع، وتعريفه عندهم: (مطالبة الخصم بالدليل من خلال تجويز دعواه)، أما المناقضة فهي عندهم: (إبطال الدعوى بترتيب المحال أو تخلف الدليل عن المدلول)، وواضح من تصرفات ابن العربي أنه يقصد الأول لا الثاني.

وهو يدعو إلى استعمال هذا الأسلوب ويوجه إلى طريقة اعتماده ليس في نقض الدعوى بالدعوى فقط بل في مناقضة النظرية بالنظرية، والمنظومة الفكرية بمنظومة فكرية أخرى، وهذا من طرائفه اللافتة، يقول في معرض رده عن الفلاسفة مخاطبا قراءه: (والذي تتخذونه دستورا معهم نكتة أبينها لكم، وهي أنهم متى ذكروا من الثواني تذكرون كذلك من الثواني)[3].

ويوصي في موضع آخر المنتضي لجدال المبتدعة أن ينتحي هذا المسلك فيجابههم بأسلوب المنع فلا يستدل عليهم بل يطالبهم بالدليل، فيقول: (فأنا أوصيكم بوصيتين إحداهما أن لا تستدلوا عليهم، والثانية: وأن تطالبهم بالدليل، فإن المبتدعة إذا استدللت عليه شغب عليك، وإذا دعوته إلى الاستدلال لم يجد إليه سبيلا)[4]

وقد ذكر في معرض الحديث عن الباطنية قصة طريفة لأبي بكر الإسماعيلي وكيف أنه كان يبغض علم الكلام حتى دخل يوما من الأيام إلى الري فوجد رجلين يتذاكران في علم الكلام فكره ذلك وقال في نفسه أول ما دخلت إلى هذا البلد سمعت ما أكره، فوقع في أذنه من كلامهما: إذا ناظرت باطنيا فاسأله لم؟ فإنه يفحم. فلما رشحه الباطنية ليناظرهم عن أهل الحديث عند السلطان بحضرة الأمير “وشمكير” مع علمهم أنه ليس من أهل الكلام فأظهره الله عليهم بهذه النكتة فصار بعد ذلك يحث على تعلم علم الكلام)[5].

وهذا كثير في كلام القاضي، فقد كان كثير التعويل عليه، وهذا لا يعني أنه لا يطرق الأساليب الأخرى كأسلوب المناقضة والمعارضة إلا أنه والحق كثير التعويل على المنع بصورة واضحة جلية.

ثانيا: تنصيصه على مداخل النقد على كل طائفة بخصوصها، فهو يرشد قراءه إلى الأسلوب الناجع الذي ينبغي أن يتخذوه مع كل طائفة من الطوائف بخصوصها، فقد تقدم كلامه بالأسلوب الناجع مع الباطنية، وأن يسألوا بلم؟، وقال بعد ذلك عن المشبهة مؤكدا أنهم ليسوا أهل نظر بل قصاراهم الحفظ: (حذاري أن تنشؤوا معهم دليلا، ولا تستأنفوا معهم من الكلام مقيلا ولا فتيلا، فليسوا لذلك أهلا… ولا تلتزم معهم مذهبا إلا بإبطال مذهبهم)[6].

فهو يوصي في مجادلتهم بالدخول من أسلوب المشكك الممانع لا أسلوب الذي يدافع عن مذهب بخصوصه، وكذلك يؤسس قاعدة في إفحام ابن حزم وهي سؤاله عن مسائل غير منصوص عليها، فإنه إن تحدث فيها ولا يسعه إلا ذلك، خالط أصل مذهبه في الالتزام بالنص)[7].

وفي موضع آخر يرشد إلى مناقشة الظاهرية  عامة إلى مبدأ آخر وهو التشقيق والتفصيل في أصل المادة اللغوية اشتقاقا ووضعا واستعمالا، قال وهو يستهل مناقشتهم في قضاء الفوائت بالعمد، مخاطبا قراء كتابه: (إني أعدكم بواحدة تكشف خفايا المسألة وتهتك سترها وترفع حجابها وهي أن تناقشوهم في الألفاظ حتى لا يتمكنوا من أن يخرجوا عنها إلى المعاني، فإنك تجدهم لا يتبعون لفظا)[8].

فهو يلفت إلى خلل منهجي في تعامل المدرسة الظاهرية مع النصوص وتعيينهم ذلك الذي يسمونه بالظاهر لأنهم لا يقلبون اللفظ على جميع وجوهه ولا يمعنون في تحليله ودرايته بل يقتصرون في تقصي الظاهر على أول لائح، وهو إذ ينبه إلى هذا المنهج في تشقيق الألفاظ كأنما يقصد من وراء ذلك إلى تشويش ذلك الذي يرونه ظاهرا إما بإثبات الاحتمال على الأقل وإما بإثبات ظهور نقيض قولهم وكل منهما نسف للظاهر المزعوم عندهم.

ومن ذكائه ودقيق ملاحظاته توجيهه في مناقشة المنجمين بالتركيز على ما يخالفون فيه مسلمات الشرع وهو الربط بين الحوادث الأرضية والسماوية، ونسبة التأثير بالطبع إلى النجوم، واستخلاص المغيبات من ذلك، ستجده يحذر من انزلاق المناظر للمنجمين إلى الحديث في الهندسة والهيئة وعلم الفلك، ويدخل هذا في شوائب مسألتنا هذه لأنه بهذا يلفت إلى قاعدة عامة في مناقشتهم، قال رحمه الله: ( ومتى ما تكلمت مع منجم لا تتكلم معه في وضع الأفلاك ليلا يرجع معك مهندسا فيقاتلك بغير سلاحك، ولكن سلم له الهيئة ودافعه عن تعليق الأفعال بها، فإنه لا حيلة له في إثباتها)[9].

وهذا مبدأ عظيم في مناقشة النظريات العلمية المخالفة، لمناقشتها في أفكارها التي تؤسسها على الحقائق التجريبية دون تلك الحقائق التجريبية، وعزل ما فيها من الصواب عما أضيف إليها من الخطأ، ومن عرف الفلسفات واحتك بالأفكار والنظريات أيقن إيقانا جازما أنه لا توجد نظرية مهما كانت موغلة في البطلان، إلا وفيها نصيب من الحق، وأنه كلما قوي نصيبها من الحق زادت صعوبتها عند الرد، ومن ثم سموا الشبهة في هذا بالشبهة لأنها تشبه الحجة وتختلط بها، فهذا مبدأ كلامي لا غنى عن إقامته والقيام به.

ثالثا: الاستفادة من المعطيات المختلفة عند مناقشة الأفكار التي تتصف بها، إذ أن كل برهان مهما كان موغلا في التجريدية والعقلانية لا بد أن يرجع في بعض جوانبه إلى معطيات تجريبية أو فنية، ضرورة أن الاستدلال لا بد أن يرجع إلى ضرورة عقلية أو حسية، فمن ثم كان لا بد من كل دليل من التأسس على أحد منابع اليقين الثلاثة كما ذكرها الإمام النسفي في عقائده وهي: الحس؛ العقل؛ الخبر المتواتر أو خبر المعصوم، والإمام ابن العربي في كتابه (العواصم) يلفت إلى تلك المعطيات العلمية التي يتأسس عليها الدليل ويجادل فيها وبها.

ومن أمثلة ذلك التدقيق في اللغويات وقد تقدم فيما يتعلق بالرد على الظاهرية، ومنه أيضا تدقيقه في معاني الاستواء في اللغة[10].

ومنها توريكه على علم الحديث فقد أورد ابن العربي أحاديث كثيرة منها ما يدور في هذه المجالات الفكرية وحكم بضعف كثير منها وإن كان حكمه ملخصا لا تظهر فيه شخصيته الحديثية ولا تبرز فيه صنعته ومهارته ومن هذه الأحاديث التي ضعفها:

  • حديث: الخلافة بعدي ثلاثون سنة[11]
  • حديث: الناس نيام فإذا ماتوا استيقظوا.
  • حديث: الحكمة ضالة المؤمن [12].
  • حديث: اطلبني عند الحوض[13].

هذا إضافة إلى تضعيفه لكثير من آثار الفتنة[14]

وتضعيفه أحاديث النهي عن الخوض في القدر عامة[15]

وقد نعى على المشبهة تمسكهم بالضعيف في الصفات، وأكثر من ذلك أن الإمام يتوسع في استدلاله على مسائله الكلامية بالقضايا الهندسية حيث يقول: (ولولا أنكم لم تتمرنوا بالهندسة لأريتكم من خطتهم في المرآة ما لا يخفى على من تعلق بشيء من الطريقة)[16].

ثم ذكر بعدها مناظرة له مع بعض نفاة الرؤيا استدل عليه فيها بأمور طبيعية عن الأشعة والانعكاس وغيرها من مسائل البصريات والهندسة[17].

وهو مثال من أمثلة حضور الطبيعيات والرياضيات عند علمائنا في أبحاثهم الكلامية مما يومئ إلى أنه ليس فيما يسمى بالكلام الجديد أمر منهجي حديث وإنما الجديد إن كان ثمة جديد في المعطيات التفصيلية لا غير.

رابعا: مجادلة كل طائفة فيما هو من خصوصياتها لا فيما تشارك غيرها فيه، فقد نعى على الأمير الباطني الذي تبعه ليجادله في قوله بزيادة الصفات على الذات وقال له: (كان من حق الأمير أن يقبل على مسائله المختصة به ولا يسألني أولا عن مسألة ليست له وإنما هي من مسائل المعتزلة)[18].

ونص في رده على الظاهرية أنه لا يجادلهم فيما ساعدهم عليه غيرهم كالمسائل التي وافقهم عليها الشافعي أو أبو حنيفة وإنما يجادلهم فيما ينفردون فيه حتى تظهر فضيحتهم[19].

ومن اعتنائه بهذا الأصل أعني مناقشته كل طائفة بما اختصت به أنه نبه في معرض حديثه عن إشكال أورده الفلاسفة بأن هذا السؤال ليس لهم بل أصله للمعتزلة[20]، وهذا مبدأ مهم جدا.

خامسا: التهكم: قد يبدو بادئ الرأي أن التهكم أسلوب غير أخلاقي في الجدال بيد أنه لا بأس به عند التحقيق بشرطين:

  • أن يكون راقيا
  • أن يكون فيمحله على أمر يستحق ذلك فأي رد على الأفكار المضحكة أفضل من الضحك عليها وبغض النظر عن كل هذا فإن التهكم أسلوب قوي بين أساليب الجدال في جميع مجالات الحياة في السياسة أو سائر فنون المعرفة وله حضور قوي جدا عند أبي بكر ابن العربي ولنستحضر هنا ما يقوله العلامة الأديب محمود شاكر: (التهكم أصعب الفنون الأدبية) ولنقتصر بعد هذا على مثال واحد من تهكم القاضي ابن العربي قال في مناقشته للفلاسفة في بعض الأفكار الطبيعية عن الدخان والأثير وغيرها مما لا نطيل بتفصيله هنا: (…ومن هذا الأسير الذي يصعد عليه، وربما حال بينه وبين الوثير، وإن قالوا فما الوثير؟ فقولوا: أبو الأثير خلطا بخلط وتظليلا بتظليل)[21]،وهو أيضا مثال لأسلوبه في المنع والمعارضة بالدعوى.

المحور الثالث: من آراء ابن العربي في العواصم

من المعالم التي تؤكد أهمية الكتاب، وتدل على إبداعه وتجديده ما اشتمل عليه من الآراء الجريئة والمواقف الجديدة المثيرة وقد اشتمل كتاب العواصم على غير قليل من هذه الآراء وهذه قائمة أهمها:

  • إنكاره لعلم الإشراق وتنصيصه أن المعرفة لا تكون إلا على استدلال، وقد تقدم أنه رد على المعرفة الإشراقية في موقف خاص من مواقف نظرية المعرفة التي ابتدأ الكتاب بها.
  • آراؤه في علم القراءات: فمن أكثر آراء ابن العربي إثارة وغرابة موقفه من علم القراءات وقوله:
  • بأن القراء أفنوا أعمارهم من غير حاجة إليهم[22].
  • وأن أقوى القراءات سندا قراءة عاصم، وأن قراءة أبي جعفر ثابتة صحيحة لا كلام فيها وأسانيد الباقين ليس فيها مشهور[23]، وهو تهوين لأسانيد القراءة السبعة.
  • وأن هذه اختياراتهم ولا تلزم هذه الاختيارات أحدا من الناس[24].
  • وأن ذكر الكسائي في السبع وحذف يعقوب أمر تم بقوة السلطان ليس إلا[25].
  • وأن كثيرا من هذه القراءات مجرد لغات لا يصح أكثرها رواية لأنها بحسبه لم يثبت منها عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء[26].
  • ونصحه بعدم المبالاة لهذه التكلفات لأنها زيادة في التشغيب خالية من الأجر بل ربما دخلت في الوزر[27].

وهذه مواقف لا تشكك في علم القراءات فقط بل تهدم أساسياته ولا تبقي على شيء منه.

  • انتقاده نظرية الفضائل الأربعة القائمة على التوسط في القوى النفسية الثلاث وهي من أشهر النظريات الفلسفية في علم الأخلاق: “العفة، الشجاعة، الحكمة والعدل” وقد ردها القاضي ردا مجملا[28]
  • إلفاته إلى بعض الحيثيات في أصل الفلسفة ومداخل الخلل عليها فمن ذلك:
  • والتي أصبحت أمورا مشهورة عندنا اليوم ويتم تردادها عند الباحثين بكثرة، فمن ذلك:
  • آفة المترجمين على الفلسفة[29].
  • رجوع كثير من كلامهم في السياسات والأخلاق وغيرها إلى كلام الأنبياء[30]، وهما أمران نبه إليهما الغزالي من قبل.
  • إلفاته إلى بعض الأمور الفلسفية والمنطقية الراجعة إلى اللغة والتي حملت دون مراعاة لذلك في العربية بتكلف، كما في رده على من فرق بين العلم والمعرفة وقوله عنه: (هذا اصطلاح بارد تلقفه الخليل أرسطالية وادعاه عربية ولا سبيل إليه بحال)[31]، ونجده في موضع آخر يقول: نحن أعلم بمقاصد رسولنا، وكلام نبينا، ولغة قومنا، منكم معشر اليونانية والمانوية[32]، كما حذر أيضا من البناء على مصطلح الفلاسفة دون معرفة حقيقتها[33].
  • رأيه في البرامكة وأنهم كانوا السبب الرئيسي في دس الزندقة والمجوسية على الإسلام وله في ذلك كلام طويل مهول مليء بالادعاءات.
  • رأيه في الحمل التشبيهي وهو نوع من التفسير الإشاري، وأنه يجوز في الوعظ بشروطه[34].
  • تصحيحه لخلافة معاوية وابنه يزيد وتصريحه بأن إمامتهما معا ثابتة شرعا منعقدة على الأمة، وأن الحسين قتل بسيف جده مع تأسفه على ذلك، ونظرا لاختلاف الباحثين بين مثبت لهذا الكلام وناف له عن ابن العربي فإننا سنورده بنصه في ذلك قطعا لكل رأي، قال ناعيا: (أردنا أن نطهر الأرض من خمر يزيد فأرقنا دم الحسين فجاءتنا مصيبة لا يجبرها سرور الدهر، وما خرج إليه أحد إلا بتأويل ولا قتلوه إلا بما سمعوه من جده المهيمن على الرسل)[35]، وهو موقف موغل في النصب كما لا يخفى.
  • تنصيصه بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه رؤية حقيقية بعين الرأس في الإسراء والمعراج.
  • نظريته التعليمية المعروفة عنه والتي كررها في كثير من كتبه ونوه بها ابن خلدون في المقدمة، ويرى فيها بأن أول ما يبدأ به الطفل في التعلم:
  • العربية والآداب مع علم الحساب
  • ثم في المرحلة الثانية: حفظ القرآن
  • ثم في المرحلة الثالثة حفظ أصول الحديث وقد قدرها بنحو ألفين حديث
  • ثم في المرحلة الرابعة الحرص على المشاركة في شتى الفنون ولا يجعل أمله بالإحاطة بفن واحد لأنه صعب نادر الحصول[36]

وقد فصل نظريته أكثر في أواخر كتابه قانون التأويل ونقلها عنه وأثنى عليها الإمام ابن خلدون.

  • ما ختم به من الآراء في قانون الفتوى:
  • كقوله: لا يقتصر على فتوى عالم واحد في الأمور العظيمة[37]
  • وقوله: إن من المقاصد التي ينبغي أن يراعيها المفتي مراعاته للحفاظ على الشعور الديني في نفس المستفتي حتى لا يضطره بإغلاق الحلال عليه إلى الجراءة والاستهتار على الحرام وقد ذكر في ذلك قصصا[38]
  • وتنصيصه أن من واجب العالم أن يلتمس المخارج للناس في مضايقهم[39]، ويخالفه في هذا الأخير الإمام الشاطبي.

ونختم هذه النقطة بالتنصيص على بعض ما يؤكد أشعرية القاضي وأنه يلتزم هذا المذهب على طريقة النظار يخالف ويوافق لا على طريقة التقليد المحض، ومن ذلك أنه اشتهر في رحلته إلى الشرق بأنه نظار على مذهب الأشعري كما واجهه بذلك الأمير الباطني الذي تقدم الإلفات إلى قضيته معه، ومن ذلك أنه أوصى قراء كتابه مرة قائلا: (والذي أوصيكم أن تقتصروا  في هذا على ما قاله أصحابنا الأشاعرة) وكثيرا ما يتحدث عنهم بعبارة (أصحابنا) إلى غير ذلك.

وينبه إلى أن ابن العربي على عادته لم ينسى التنويه بأهل المشرق والزراية على أهل الأندلس في العلوم والفنون عامة والفقه خاصة وزرايته أكثر على المغاربة، ووصل به الحد إلى التعريض عنهم بتهمة التجسيم كما تجده منصوصا في معرض حديثه عن تأويل الاستواء، وهو ديدن الإمام ابن العربي لم يفارقه حتى في أواخر عمره رحمه الله ونفعنا بعلمه، ومن هذه الأمور الملفتة عند الإمام ابن العربي تعليله بعض الأمور بالسياسة كما تقدم في ذكر الكسائي في القراءات السبع وكما سيأتي في اختيار الأندلسيين لمذهب مالك.

المحور الرابع: من نتف الكتاب وطريف فوائده

مما يزيد قيمة الكتاب اشتماله على كثير من الطرف العلمية وشوارد الفوائد مستطردة بين السطور خفية في ثنايا المسائل، وهذا إلفات إلى بعضها:

– شهادته للباطنية بالإنصاف وكرم اللقاء[40]

– أحناف العراق وخرسان كانوا في عمومهم معتزلة أو كرامية في عهد القاضي مما يدل على الامتداد الذي كان لا يزال للمعتزلة إلى حدود القرن الخامس[41]

– نقل عن أبي الحسن الأشعري أن معرفة الصانع ضرورية لا تحتاج إلى نظر[42]

– تبلغ آيات الاستدلال والحجاج في القرآن الكريم نحو ألف آية[43]

– الفلاسفة نزهوا في الصفات وشبهوا في الأفعال[44]

– تكون المعجزة من أفعال لا يقدر على جنسها إلا الله لأنها فعل الله لتصديق نبيه وقد صرح بأن إضافة هذا الشرط من إبداعاته[45]

– العدل في حق الله ما له أن يفعله وفي حقنا موافقة الأمر والنهي[46]

– الآخرة زمن الخوارق فلا يستعجب فيها شيء، والأصل في ألفاظها أن تحمل على ظاهرها[47]

– لا تثبت الصفة بأحاديث الآحاد[48]

– نكتة فقهية: هل يجوز للرجل أن يسلم نفسه أو يلزمه مدافعة عدوه، وإذا منع الغير من نصرته هل لذلك الغير أن ينصره أم لا؟[49]

– اختار الأمويون في الأندلس مذهب مالك لأنه كان يثني على أسلافهم ولأنه استشهد ببعضهم في كتابه الموطأ[50].

المحور الخامس: ملاحظات نقدية في الكتاب

كان كل ما تقدم إلى الآن لصالح الكتاب وميزة من مميزاته، وتتناول هذه النقطة المعايب التي يشتمل عليها الكتاب والمؤاخذات التي تؤاخذ عليه وهي ثلاثة أساسية:

  1. الإسهاب والاستطراد:

يميل القاضي أحيانا بل كثيرا من الأحيان إلى تطويل الكلام ومد العبارات والإسهاب بكلام إنشائي لا طائل تحته وهو كثير في الكتاب، قد يصل إلى صفحة.

  1. ضعف التبويب:

وذلك أنه رغم إبداعه بطريقة العواصم والقواصم فإنه غالبا ما ينتقل من طائفة إلى طائفة اقتضابا وهذا من العيوب الكبرى للكتاب إلا أنه عيب شكلي أكثر منه في المضمون.

  1. التشنيع:

وهو من كبار طبائع القاضي حضورا في الكتاب وفي سائر كتبه ولها أمثلة كثيرة جدا بعضها مضحك طريف وكان بودي ذكر بعضها لولا طول هذه الأوراق وضيق الوقت.

وختاما هذه خمس نقط تتصفح في هذا الكتاب وتسجل شيئا من فوائده وفرائده، نسأل الله القبول والتوفيق.


[1]–   ابن العربي، المعافري. العواصم من القواصم، تحقيق، مصطفى مراد، المكتبة التوفيقية، ط. 2، 2014م

[2]العواصم من القواصم، ص 256.

[3]العواصم من القواصم، ص 155.

[4]نفسه، ص 202.

[5] نفسه، ص52-53.

[6]نفسه، ص174.

[7]نفسه، ص 207-208.

[8]نفسه، ص 209.

[9]نفسه، ص 148.

[10]العواصم من القواصم، ص 147.

[11] نفسه، ص 264.

[12]نفسه، ص 156.

[13]نفسه، ص 197.

[14]نفسه، ص 200 وما بعدها

[15]نفسه، ص122.

[16] نفسه، ص 42.

[17]نفسه

[18]نفسه، ص 50.

[19]العواصم من القواصم، ص 206.

[20]نفسه، ص 154،

[21]نفسه، ص 131.

[22]نفسه، ص 294

[23] نفسه، ص 295.

[24] نفسه، ص293.

[25]نفسه، ص 292.

[26]نفسه، ص295.

[27]نفسه، ص292.

[28]نفسه، ص 156 إلى 158.

[29] نفسه، ص 149.

[30]نفسه، ص 148.

[31] نفسه، ص 137.

[32]نفسه، ص116.

[33]نفسه، ص120.

[34]نفسه، ص 163.

[35]نفسه، ص275.

[36]نفسه، ص300 و 301.

[37]نفسه، ص 304.

[38]نفسه، ص 303

[39]نفسه، ص302.

[40]نفسه ص50- 56.

[41] نفسه، ص 173.

[42]نفسه، ص87.

[43]نفسه، ص 100.

[44]نفسه، ص142.

[45]نفسه، ص 150.

[46]نفسه، ص 158.

[47]نفسه، ص 198-199.

[48]نفسه، ص 183.

[49]نفسه، ص 225- 242.

[50]نفسه، ص 296.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.