منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الملامح الإصلاحية في «نصيحة» المشرفي

بلال بوزيان

0

بادئ بدء نستهل هذه المقالة بترجمة مقتضبة للشخصية التي نحن بصددها، فهو أبو عبد الله محمد بن مصطفى المشرفي، ولد بغريس غرب الجزائر سنة 1839م، هاجر إلى فاس في سنوات عمره الأولى وبها نشأ وتربى في أسرة علم وصلاح وتقوى، ويمثل المشرفي نموذجاً للشخصية المثقّفة في مغرب القرن 19م وبداية القرن 20م، فقد كان متعدد الاهتمامات الفكرية، ويعكس ذلك ما وصلنا من مؤلفاته وكتاباته المتنوعة الموضوعات: الفقه والتاريخ والأدب… ومن الأعمال التي شغلها نجد التّجارة بفاس والقضاء بمراكش كما درس بالقرويين. توفي رحمه الله بفاس سنة 1916م.
عموما هذه ترجمة مختصرة  للمشرفي لأن المقام لا يسمح بالإسهاب في ذلك، وللتوسع في ترجمته ينظر “حياة المشرفي في الحلل البهية([1]).

من خلال هذه الترجمة يظهر أن المشرفي عاش في فترة حرجة من تاريخ المغرب الحدي، _الفترة التاريخية الممتدة من سنة 1844 إلى 1956م _ التي عرفت بصدمة اللقاء مع الآخر المتقدم، وفي زمن الصدمة الحضارية التي تلقاها العالم الإسلامي عموما والمغرب خصوصاً، على إثر النّهضة الأوربية وزحفها الإستعماري _ معركة إسلي وحرب تطوان _ فكان لقاء الآخر واكتشاف تفوقه صدمة وحافزاً للوعي الإسلامي المغربي على طرح وصياغة أسئلة النّهضة، والبحث عن البدائل والإجابات للتجديد والإصلاح في مختلف المجالات.

فبرز المشرفي  في هذا الجو الحساس كواحد من  النّخب الفكرية التي أسهمت في إغناء الفكر المغربي بجملة من الإجتهادات الفكرية، ولم يقصر في دوره المنوط به  كفرد من العلماء الفاعلين في المجتمع وكمثقف لم يغفل دوره الرقابي والنقدي وإن كان بجلباب النصيحة، فكان بذلك رائداً من رواد الإصلاح  في القرن التاسع عشر وبداية العشرين إلى جانب ثلة من النّخب العالمة الذين كان لهم باع في الحركة الفكرية في فترة المغرب الحديث مثل: أحمد بن خالد الناصري وأبو شعيب الدكالي ومحمد بن عبد الكبير الكتاني ومحمد بن العربي العلوي والمختار السوسي ومحمد الحجوي الثعالبي وعبد الله كنون([2]) فهؤلاء الكرام وغيرهم أسهموا في خلق حراك فكري بالمغرب الأقصى قصد التّجديد والإصلاح وخلق نفس جديد في مختلف الميادين: الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية والإدارية، والسعي نحو بناء مغرب جديد مواكب لعجلة التقدم والتطور الحضاري في تلك الفترة.

وقد خلف محمد المشرفي تراثا فكريا مهما([3]يمكن الاعتماد عليه في تقديم دراسة شاملة لمظاهر الإصلاح والتجديد عنده، وهو مشروع عمل خاص يتطلب استفراغ وسع وبذل جهد كبير لإنضاجه وإخارجه، وهذا المقال لا يفي بذلك طبعا وليس مقالا لذاك المقام، إنما القصد والغرض هنا هو الوقوف عند بعض الملامح والإشارات الإصلاحية الواردة في رسالة المشرفي  القيمة المسماة (تحفة الإمام ونصيحة الإسلام فيما يتوقف عليه الخاص والعام)([4]) وهي رسالة وجّهها المشرفي إلى السلطان العلوي الحسن الأول (ت1894م)، قدم له فيها مجموعة من النّصائح كنبراس يستضيئ بها الخليفة في طريق إصلاح البلاد وأمور العباد، وهي نصائح نابعة من تفاعل المشرفي مع الواقع المعيش للنّاس وما عاينه بعين ملاحظة مراقبة لما يجري، فتحرك فيه ضمير العالم المثقّف ليقدّم النّصح للخليفة وينقل إليه بأمانة حال البلاد والعباد بطريقة لبقة رقيقة لا تستجلب صداماً مع السّلطة ولا تتملق لتتسلق.

فهذه الرّسالة _النّصيحة_ هي امتداد للجنس الأدبي السّياسي([5]وفرع من  الآداب السّلطانية المعروفة في التداول الفكري الإسلامي السّياسي، ومن الكتابات التي تركز على «تقديم مجموعة من التوجيهات السّياسية العملية التي تدل الخليفة أو الأمير على السبل وأحسن الطّرق لتدبير قضايا الدّولة ومسائلها، من قبيل مسائل الجيش والأصحاب أو البطانة والرعية ومعاملة المخالفين والأعداء ومسائل العدالة… وقد قدمت هذه التوجيهات في أغلب الأحيان في صورة نصائح»([6]) ،وفي نصيحة المشرفي التي بين أيدينا سنحاول الوقوف عند الملامح الإصلاحية الواردة فيها، وذلك باستقرائها وتتبعها في متن هذه الرسالة_النصيحة_ وتحليل مضامينها.

المزيد من المشاركات
1 من 50

وللإشارة فمفهوم الإصلاح هنا هو مجموع الأفكار التي بلورها المشرفي تفاعلا مع واقعه ومحيطه الوطني والدولي، ولا حديث هنا عن مقترح وثيقة مشروع متكامل، إنما هي ملامح متفرقة في سطور ومتن هذه الرسالة، فما هي هذه الملامح الإصلاحية؟ وهل نجح المشرفي في خوض غمار الإصلاح بجلباب النصيحة؟

الفرع الأول: ملامح الإصلاح السياسي

وتتمثل هذه الملامح في استهلال المشرفي رسالته بالحديث عن مبحث الإمامة باعتباره أهم المباحث في الفكر السياسي الإسلامي وأكثرها مثار للخلاف «وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان»([7]) وعرَّف المشرفي الإمامة فقال: هي «حمل الكافة على أحكام الشّريعة»([8]) فالغاية العظمى منها هي بسط شريعة الله في الأرض وضمان العدل بين النّاس، فبالإمامة يرفع الله التهارج ويكفّ المظالم ويُحمل النّاس على اتباع الشّريعة الغراء، «فينبغي للملك الاعتناء بالعدل ليبلغ به إلى النّعيم الأبدي ويجمع له من الدّنيا والدّين، قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾[النحل/90] والعادل هو من عدل بين العباد، وحذّر من الجور والفساد»([9])  ، ويستطرد  المشرفي في مدح العدل وما جاء فيه من الآيات والآثار وأنّه أساس الملك والعمران،  ليقف بعد ذلك عند حكم الإمامة فيقول: «ونصب الإمام بعد انقراض زمن النبؤة، واجب علينا سمعا عند معشر أهل السّنة وعامّة المعتزلة»([10]).

وله حديث طويل عن الإمامة وما يلحقها من فروع كشروطها ولوازمها وما تقوم به، وفي مناسبة وسياق كتابة هذه النّصيحة حسب الكاتب إنّما هو حال البلاد والعباد التّي لم تكن ترضي المشرفي العالم المثقف ولا يرتاح باله لها، لينهض لدوره في استنهاض الهمم ونصح الإمام بضرورة الإصلاح السّياسي وغيره، «إنّ الباعث الأصلي على ذلك_ كتابة الرسالة_ أمران آيلان إلى مقصد واحد، أحدهما: إغراء إمامنا حيث كان من ذوي الغيرة والحزم في السّياسة والعلم بالتماس ما يملكه من الوسائل الموصلة إلى حسن حال الأمة الإسلامية بمثل إرشادها إلى اتباع سنن الشّريعة النّبوية وكفها عن غيّها ومناكرها المتفاحشة بقوانين سياسية، وزواجر تحملها على سلوكها بسطوة قوية»([11]) فبهذا يرى المشرفي يمكن تحقيق التّنمية والعمران ويستقيم أمر الآهالي وتقوى شوكة الملك، وذلك بسنّ قوانين سياسية وأحكام زجرية ينضبط لها الجيمع وتكون قانونا يسمو على الجميع، ومرجيعة الاستمداد في صياغة هذه القوانين إنما هو الشرع الإسلامي، هذا في الغاية الأولى من رسالته.

أما الغاية الثانية فهي دعوة صريحة للانفتاح الحضاري والاستمداد من الغير بعيداً عن ثنائية المؤمن والكافر، الشرق والغرب، والتقوقع حول الذات ولو كانت خاملة مستهلكة غير منتجة ولا مشاركة في الصراع الحضاري، خصوصاً في الأمور الدّنيوية التي لا تمسّ أصول الدين «تحذيراً لمولانا الخليفة أيّده الله من التمادي في الإعراض عما يجد من سيرة الغير الموافقة لشرعنا ولا وجه لأنكار ذلك… فإنّ الأمر إذا كان صادراً من غيرنا وكان صواباً موافقاً لأدلّتنا، فلا وجه لأنكاره وإهماله، بل الواجب الحرص على استعماله، وكل متمسّك بديانة، وإن كان يرى غيره ضالاّ في ديانته، فذلك لا يمنعه من الاقتداء به فيما يستحسن في نفسه من أعماله المتعلقة بالمصالح الدنيوية كما تفعله الأمة الإفرنجية، فإنهم مازالوا يقتدون بغيرهم في كلّ ما يرونه حسنا من أعماله حتّى بلغوا في استقامة نظام دنياهم إلى ما هو مشاهد»([12]). فهي دعوة صريحة من المشرفي للانفتاح على الغير والاستفادة منه وخاصة في التقدم المادي الذي لا يتعارض مع ثوابت الدين، ومن ذلك التوسل بما بما ينفع في السياسية والإدارة وغيرهما.

وهكذا يمضي المشرفي مزاوجاً بين النّقد تارة والتّوجيه تارة أخرى لما يراه غير مناسب لسياسة الرّعية وضمان دوام النّظام والحكم، بمرونة ولباقة رشيدة يوجه كلماته معلبة في علبة النصيحة، فهذه الأخيرة كما قال رسول الله ﷺ»: الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» ([13])، وبين المدح والثناء يرسل توجيهات دقيقة ونقداً معقولاً، ومن ذلك قوله في الخليفة «وسهّل جانبه وأذنه للنّاس بالتّسوية، وإذ قالوا: أصل كل بلية، احتجاب الملك عن الرّعية فسقط عن مريد ملاقاته للشكاية أو غيرها مشقّة الاحتجاب»([14]) فيعالج بذلك مشكلة الاحتجاب ويستشهد على ذلك بسيرة السلف الصالح والصدر الأول وكيف كانوا يصلّون بالنّاس ويجلسون في الأماكن التي يصل إليها عموم النّاس فلا يجدون حرجاً في تبيلغ شكواهم.

عموما هذه أبرز ملامح الإصلاح السياسي التي جاءت في متن (النّصيحة) وحاول المشرفي من خلالها القيام بدوره المنوط به كعالم مسلم ومثقف، في نقد ما يراه مجانب للشرع والسّياسة الشّرعية تبعاً، فتحدث عن الإمامة وعظيم مسؤوليتها وفضلها لمن أحسن التدبير وسياسة البلاد، وبين لوازمها التي تقوم بها من البيعة والشورى والعدل… وشجع الانفتاح على الغير والاستفادة منه في المسائل الدنيوية، مما يؤكد حضور الوعي السياسي في فكر المشرفي وكذا اتساع أفق فكره ورؤيته الاستشرافية للمستقبل.

الفرع الثاني: ملامح الإصلاح العسكري

تعد مسألة الإصلاح العسكري من الأساسيات التي تحدّث المشرفي عنها في هذه الرسالة_النّصيحة_ وأسهب في ذلك حتى غلب عن باقي المجالات الأخرى التي تطرق إليها، فقد  ذكر أهمية المؤسسة العسكرية وشدد على ضرورة تنظيم جيش نظامي يحمي البلاد ويرابط على الثغور، ونتيجة لهذا الاهتمام بالعساكر انتهى المشرفي إلى صياغة قاعدة عامة في ذلك، يقول فيها:«أساس الإمارة كثرة العساكر والعماره»([15])  فبالجيش يستقيم حال البلاد والعباد وتنتهي الفتن وتحفظ هيبة السلطان وتقام الحدود كما يجب ويرتفع التهارج، وتقوم العمارة ويقصد بها العمران من مدنية وما يلحقها من تنمية في مختلف الميادين، وتبعا لهذا تثبت أركان الإمارة وتترسخ جذورها، وأي تراخ في الأخذ بهذين العاملين وتنزيلهما يعجل بذهاب هيبة الإمارة ونظامها وهو مما تأباه السياسة.

كما يحثّ المشرفي الخليفة على الانفتاح والاستفاد من الغير ومجاراة الجيران في التّقدم «وكيف يسوّغ للعاقل حرمان نفسه مما هو مستحسن في ذاته، ويستسهل الامتناع عما به قوام نفعه… ومما يحسن سوقه هنا قول بعض الأوربين في السّياسات الحربية: إن الممالك التي لا تنسج على منوال مجاوريها فيها يستحدثون من الشالات الحربية والتراتب العسكرية، يوشك أن تكون غنيمة لهم ولو بعد حين، وخصّ التراتيب الحربية لأنّها موضوع كتابه، وإلا فالواجب مجاراة الجار في كلّ مظنّة لتقدمه، سواء كان من الأمور العسكرية، أو من غيرها»([16]) وهذا في نظر المشرفي من الاستعداد الشرعي الواجب، قال الله تعالى:﴿َأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾[الانفال/60] وفي آية أخرى يرى المشرفي أنّها حجّة في اتّخاذ العسكر ﴿ٍ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ﴾[الصف/04] إذ المقاتل على وصف الآية الكريمة هو العسكر.

فالعسكر ذو أهمية كبيرة في نظر المشرفي فبه تحمى الثغور من الأعداء وبه يصان الدين ويحفظ ويذهب الكفر من الأرض، «وعليه فالواجب على مولانا الخليفة أيده الله أن يسعى في كلّ ما يوصله إلى القوة الكاملة من العساكر وآلاتها، وعمران البلد وحسن السّيرة في ولايتها»([17]).

وفي معرض حديثه عن العسكر وأهميته، يقف عند فكرة مضومنها أنّ الأصل في تأسيس الجيش النّظامي في بلاد الإفرنج كان فكرة مستقاة من فريضة الصّلاة عند المسلمين ووضعية أدائها بحراكتها وسكناتها وانضباط المصلين خلف الإمام! «وقيل إنّ المتسبب في اختراع العسكر على هذه الهيئة أحد الفرنساوين وقيل: ملكهم كان قد مرّ بالجامع الأعظم من مصر، ووجد المصلّين على تراتيبهم في الصّفوف يفعلون بفعل الإمام، ويقولون بقوله، فخطر بباله أنّ الجيش إذا كان على تلك الحالة، ويسمع قول كبيره، ولا يقدر على أن يعصيه، لا شك من نصرته…»!([18]) ويستند المشرفي على هذا الخبر الذي نُقل إليه وثبت عنده صحته بعد بحث كما قال، ولذلك رأى أنّه من اللاّئق بنا ونحن الأصل في هذا_إقامة العسكر_ أن تؤسّس جيوش نظامية عظيمة مضبوطة مقومة تحمي الثغور وتشيع الأمن والآمان بين النّاس، «وإذا كان الأمر لنا ونحن الأصل فيه ومن إشارة شريعتنا أُخذ، فلا وجه لإعراضنا عنه وإهمالنا له مع انتفاع غيرنا به، بل الواجب الحرص على استرجاعه واستعماله والتّمسك والاستعداد به»([19]).

هذا، ويشير إلى أهميبة جلب العسكر من الأهالي وفق قواعد وأسس مناسبة، لا تحدث خلالا في الاقتصاد _الزراعة والتجارة _ ولا تخل بالنّسل، بحث كان الأمر من قبل يمضي على غير المساواة المطلوبة في أخذ الشباب من أهاليهم، فمن المهمّ الاعتماد على المناوبة العسكرية فلا يبقى الجندي أكثر من خمس سنوات في الجندية، وصرف مستحقات الجنود، وتدريبهم وفق نظام زمني محدد، وأن يكون تنظيم هذه الكتائب العسكرية وفق تناسق  في القامة والهيئة واللباس لإضفاء لمسة الصرامة والجدية وضمان الانضباط التام، كم لم يفوّت المشرفي التنويه بمنهج التجنيد الإجباري عند النصارى للاقتداء به، وكيف أن كل من بلغ العشرين من الشباب إلاّ وشارك في الجندية لسنيتن، ليكون مستعداً عند الحاجة والضرورة([20]).

وعلى الجملة فهي هذه بعض ملامح  الإصلاح العسكري التي سطرها صاحب النّصيحة في نصيحته، وحاول بذلك بيان مايلزم في هذا المجال الحساس _ الإصلاح العسكري_ الذي هو أساس الإمارة، «وأمان الدين والوطن، فلا شيء أعلى همّة وقدراً منه»([21]) ومشعراً بذلك الإمام ومفعلا دوره في النّصح والتوجيه كعالم من علماء المسلمين.

الفرع الثالث: ملامح الإصلاح الدّيني

يمكن لمس ملامح هذا المظهر الإصلاحي الدّيني عند المشرفي من خلال ما سطّره في نصيحته، بعدما عاينه بمنطقة (الحياينة) التي تقع في الشمال الشرقي لمدينة فاس، من تصرفات لا تستقيم ومنهاج الشّريعة الإسلامية، بحيث عين بهذه المنطقة قاضيا فعرف  حياة النّاس هناك وحالهم، وكيف تغيب عنه التصرفات المنافية للشريعة، وهو عالم من علماء زمانه وفقيه ضليع في الفقه وأحكام الشريعة، وما تعيينه قاضيّاً إلا لحنكته وتمرسه ورسوخ قدمه في العلم، فيقول مبلّغا «ومما يتعين علينا نشره لمولانا الخليفة، ورفعه لحضرته العلية بالله بقصد الإخبار والنّصيحة، ما شهدناه من الاعوجاج والانحراف عن منهاج الشّريعة، بأرض الحياينة الفسيحة»([22]). ويمضي بعد هذا مردفاً  كلامه بعدِّ المناكر العضماء للحياينة، ويستهلها باستباحتهم سفك الدّماء وعدم التورّع عن ذلك، فقتل النّفس عندهم ما عليه ملامة، بل ويفتخرون بقتل الأرواح، ويذكر أيضا كيف أنّ المرأة تصبح ديّة تدفع من القاتل إلى أهل المقتول وفق شروط غريبة وعجيبة لا يقبلها الشّرع ولا مكارم الأخلاق، ويتحاكمون إلىى رجل يقال له (أزرق) ليحكم بينهم بغير ما أنزل الله المجتهد في أحكامه بعقله الخسيس، التّارك للشريعة النبوية، المقتدي بفتاوى إبليس، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة/44] وهذه مصيبة فلا تجد منهم من يحكّم شرع الله([23]).

ويستنكر المشرفي أفعالهم ويستغرب تقرير الولاة لهذا الانحراف عن الشّريعة الإسلامية في هذه البلاد «وأغرب من ذلك تقرير الولاة لهم على ذلك…فلم يبق للإنسان بعد طرح الشّريعة وأحكامها إلا الكفر والعياذ بالله»([24]) فقد كثرت فيهم المنكرات وشاعت، فالسرقة عندهم ليست حراماً، ومن تجلياتها شنّ الغارة على  المستضعفين وسلبهم مالهم وسبي نسائهم… وغير ذلك من الأمور التي سردها في نصيحته، ويعقب بعد ذلك قائلا أن أصل الدّاء هو ترك الشّريعة والغفلة من قاضي الجماعة ومن الحضرة العلية، فلا يسيقيم أمر مع نبذ الشّريعة واتبّاع الجاهلية.

هذا في معاملاتهم، أما اعتقاداتهم «فالجل منهم ينكر الحشر ويستحيل وقوعه، وكلهم مجسّمة، وبعضهم يقول في محمد ﷺ ما قالته النّصارى في المسيح: قالت النّصارى المسيح بن الله، والبعض منهم يعتقد اعتقاد الدّهرية… إلى غير ذلك من مسائل منكرة تؤذن بأنّهم مازالوا على سنن الجّاهلية، مستخفين لمن يعلّمهم دينهم، ويردهم إلى طريق الإسلام»([25]).

والحال هذه، فالمشرفي يرى أن يتدخل الإمام لتقويم هذا الخروج عن الشّريعة المحمدية حدّ التّيه لدى هؤلاء القوم،«واللاّئق أن يسعى مولانا الخليفة في كل ما يوصله إلى إرشاد هذه الأمّة إلى الطريق، والمحجّة العظمى، ويردّهم عن غيّهم، وسوء ظنّهم، وفضيع مناكرهم»([26]) . وبناء على تشخيص المشرفي لواقع الحال في هذه البلاد وميل أهلها عن طريق الحقّ وتحكيم شّرع الله، يقترح كدواء أن يؤسّس الإمام مدينة قريباً من أرض (الحياينة) حتى تستقيم أمورهم بما يكون في هذه المدينة من عسكر وقوة، فيقطع  بها طريق الباطل والفساد وتُكسر شوكة العناد والفتن، وتولية رجل رشيد أمين يحكّم شرع الله ويحفظ الدّين والدّنيا، فأساس الإمارة كثرة العساكر والعمارة.

وبناء على ما سبق، يتّضح كيف أنّ همّ الإصلاح الدّيني كان حاضراً بقوة في فكر المشرفي وخصوصاً في هذه النّصيحة، حيث أنه رصد في واقعه المعيش ما يدل على خروج النّاس عن جادّة الشّريعة الإسلامية وأحكامها وتعاليمها السّمحة، وكشف عن الخلل العقدي المتغلغل في أذهان النّاس المجانب للعقائد الإسلامية وأصولها، فكتب بذلك للإمام ناصحاً محذراً من مغبة العدول عن تحكيم الشّرع ونبذ أحكامه«وكيف يسوغ هذا ومولانا الخليفة من أهل بيت النبوءة والعرفان، عالم بقدر ذلك، قادر على تغييره وهو نومان، وما ذاك إلاّ من عدم اطّلاعه على هذا الأمر الشّنيع، والمنكر الفظيع، وكل عاقل ينكر ترك الشّريعة وطرحها، ويستغرب استحسان حكم غيرها»([27]).

الفرع الرابع: ملامح الإصلاح الإداري

وفي سياق الحديث عن ملامح الإصلاحات التي تضمنتها النّصيحة المشرفية نقف هذه المرة عند ما ورد من ملامح وإشارات مهمة لكيفية إصلاح الإدارة وتقويتها وكذا الرفع من فعاليتها في الإمارة، فبها تتعاضد باقي الإصلاحات والقطاعات الأخرى، ومن ذلك ما اقترحه المشرفي بعدما رأى من صور الظلم والشّطط في استعمال السّلطة والتماطل في تنفيذ الأحكام «فاللائق أن يجعل مولانا جواسيس بكل أرض تخبره بمثل هذا من سيرة الولاة وأحكامها وأمر الرعية واعتقادتها، فهو من السّياسة معدود .

ولابن الخطيب فيه :

اجعل لنفسك جاسوسا يفيدك ما ۞  يدور بين النّاس عيناه وأذناه

واحذر أن يجعل التعريف مكسبةً۞  وذا التحذر بالإغناء تكفاه »([28]).

فهو يرى أنه من الضروري أن يبثّ الإمام العيون ليستقوا له الأخبار وحال ولاته وأعمالهم  وحال عموم النّاس، حتى تتقوى فعالية من وُلِّي أمراً من أمور الإمارة وشأنا من شؤونها، وكيف لا وهو يستشعر المراقبة والمحاسبة تبعا لمسؤوليته، فبذلك ترتقي الإدارة وتتحسن أحوال البلاد والعباد.

وإلى جانب ما ذكر، يقترح المشرفي عقد مجلس شرعي لتحسين مستوى المؤسسة القضائية والرّفع من مكانتها، وذلك بالحرص على تطبيق الأحكام الجاري بها العمل وتطبيق القانون، لا سيما وأن الرّشوة وسرقة المال العام من الضرائب وغيرها مشاع جهاراً نهاراً، فالعبث بهذه الأموال العامّة من طرف الولاة ومن له سلطة يوظّفها ظاهر فاضح، ولذلك فمن الأفضل «أن يأمر سيدنا بعقد مجلس شرعي يوما في كل أسبوع، يعين فيه أهل العدل والدّين من العلماء، ثلاثة مع قاضي الجماعة بكل مصر لينظروا في مسائل الجنايات خاصة في ذلك اليوم المعين، والعمل على ما حكموا به في ذلك… وبه تزاد هبة الملك، وامتثال أمر الشّارع في إقامة الحدود، وقطع حبل الرشوة والميل إلى أهل الجاه والدنيا»([29])  ولا شك أنّ المشرفي كان له وعي كبير بأهمية مؤسّسة القضاء ودورها في بناء الدّول واستقرار الإمارة وضمان العمارة، فتجده كثيرا ما يتطرّق إلى العدل والقضاة من العلماء الموثوق في دينهم، كما أنه نبّه إلى ضرورة «زوال المكس، فهو من الضّرر اللاحق بالضعفاء مع حرمته، وعدم كبير الفائدة فيه، إذ لايصل منه لبيت المال إلا النزر القليل…»([30]).

فهذه باقتضاب  بعض ملامح الإصلاح الإدراي عند المشرفي الواردة في نصيحيته، وهي إشارات مهمة وإن كانت قليلة مقضبة، فهي تجسيد لما كان عليه الحال كنوع من التشخيص بقلم المشرفي، ثم تقديم البديل كاقتراح لتقويم ما يستلزم التقويم وبناء ما يتطلب البناء.

خاتمة

على سبيل الختم يمكن القول أن أبو عبد الله المشرفي نجح في بث مجموعة من الأفكار الإصلاحية في رسالته_ النّصيحة_ متقمّصا دور المصلح الذي قدم أفكاره في قالب النصيحة حتى لا يصطدم مع السّلطة بطريقة خشنة، فاختار هذا اللّون الأدبي السّياسي كقالب مناسب لما يريد إيصاله للخليفة، وهي نوع من المعارضة النّاعمة من طرف المشرفي، وكان ذكي في منهج نقده للأوضاع، فنجده في رسالته يجمع بين المدح والنّقد، فيمهد بالأول للثاني، مما مكنه من نقد ما رآه غير مناسب أو مناف للشّريعة الإسلامية، فيقدم بالتالي  أفكارا إصلاحية متعدّدة في شتّى المجالات:

  • الدينية:  ويتمثل في شقّين، العودة إلى تحكيم شرع الله وتطبيق أحكامه وشق يهتم بإصلاح العقيدة الإسلامية وتقويمها.
  • السياسية: إدراك أهيمة وفضل الإمامة وتحمل المسؤولية عن ذلك والسعي جاهدا لسياسة الرعية بما يتوافق مع شرع الله.
  • العسكرية : الإلحاح على ضرورة إقامة الجيش النظامي لحماية الثغور والإمارة والدين.
  •  والإدراية: إصلاح القضاء ومراقبة العمال والولاة وترتيب قطاع الضرائب.

وهذا الحس النقدي الإصلاحي لدى المشرفي راجع لفقهه للواقع ومستجداته، و فهمه لما يحيط بالمغرب آنذاك من حركة إصلاحية على مستوى العالم الإسلامي بشكل خاص، وكذلك للنّهضة الغربية المتصاعدة، دون أن نغفل طبعا الهبّة الإستعمارية الغربية التي أوشكت أن تحط رحالها بالمغرب، خصوصا بعد الهزّة الشّديدة التي أحدثتها الهزيمة في معركة إسلي وحرب تطوان، حيث ظهر جليا وظاهرا مدى ضعف القوة العسكرية بالبلاد وتقدم الجيوش النّظامية لدى القوة الغربية الإستعمارية، فكانت صدمة قوية عجلت بتوارد الأسئلة النهضوية و سؤال النهضة: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟

وهكذا، فالقرن التاسع عشر والعشرين كان مسرحاً لنقد الذّات وكشف العيوب والاعتراف بها أولا والعمل على إزالتها ثانيا، والعلاّمة المشرفي لم يكن خارج هذا الجو وبعيدا عن زخم هذه الحركة الإصلاحية، بل شارك بما استطاع إليه سبيل، بما عاينه من سوء الحال، فحرك قلمه يكتب ما يلزم كتابته، ومن ذلك ما ضمنه في رسالته النّصيحة من أفكار وأراء ومقتراحات تتغي النّهضة والتّجاوز نحو الأفضل والأحسن، فكان حقا نموذجا للعالم المسؤول أمام الله والناس، ومثقفا حاملا لهموم الشعب وحال البلاد والعباد.


قائمة المصادر والمراجع

  1. المشرفي محمد، تحفة الإمام ونصيحة الإسلام فيما يتوقف عليه الخاص والعام، تحقيق أمينة المنصوري، ط1، الرباط2020، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
  2. المشرفي محمد، الحلل البهية في ملوك الدولة العلوية، تحقيق إدريس بوهليلة، ط1، الرباط2005، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
  3. الشهرستاني محمد، الملل والنحل، تحقيق الفاضلي محمد، طبعة 2013 بيروت ، المكتبة العصرية.
  4. ابن الحجاج. مسلم ،الصحيح،تحقيق أبو قتيبة محمد،دار طيبة،ط1، 2006
  5. – البخاري ،إسماعيل ، صحيح البخاري،  دار ابن كثير ،بيروت ، ط1 ، 2002.
  6. محمد المنوني، مظاهر يقضظة المغرب الحديث، دار الغرب الإسلامي، لبنان، 1985م
  7. موسوعة رواد الإصلاح في المغرب خلال القرن العشرين، مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الإستراتيجية، ط2021.
  8. كافي أحمد، مشاريع الإصلاح السياسي بالمغرب في القرنين التاسع عشر والعشرين، دار الكلمة، الدار البيضاء،2013م.
  9. بلقزيز عبد الإله، الخطاب الإصلاحي المعاصر، دار المنتخب، بيروت، 1997م.
  10. الإصلاح والمجتمع المغربي في القرن التاسع عشر، منشورات كلية الآداب بالرباط 1986م.
  11. جبرون محمد، نشأة الفكر السياسي الإسلامي وتطوره، ط1، قطر2015، منتدى العلاقات العربية والدولية.

[1] ـ  المشرفي محمد، الحلل البهية في  ملوك الدولة العلوية، تحقيق إدريس بوهليلة، ص55 ، ط1،  الرباط2005، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية .

[2] ـ  انظر : مظاهر يقضظة المغرب الحديث لمحمد المنوني.  موسوعة رواد الإصلاح في المغرب خلال القرن العشرين، مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الإستراتيجية.  مشاريع الإصلاح السياسي بالمغرب في القرنين التاسع عشر والعشرين، كافي أحمد.  الخطاب الإصلاحي المعاصر، بلقزيز عبد الإله. الإصلاح والمجتمع المغربي في القرن التاسع عشر، منشورات كلية الآداب بالرباط 1986م.

 ـ المشرفي محمد، الحلل البهية، ص71.[3]

 ـ  المشرفي محمد، تحفة الإمام ونصيحة الإسلام فيما يتوقف عليه الخاص والعام، تحقيق أمينة المنصوري، ط1، الرباط2020، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. [4]

ـ  جبرون محمد، نشأة الفكر السياسي الإسلامي وتطوره، ص156، ط1، قطر2015، منتدى العلاقات العربية والدولية.[5]

 ـ نفس المرجع، ص 156.[6]

  ـ  الشهرستاني محمد،  الملل والنحل، تحقيق الفاضلي محمد، ص18، طبعة 2013 بيروت ، المكتبة العصرية.[7]

 ـ  المشرفي محمد، تحفة الإمام ونصيحة الإسلام، ص 127. [8]

  ـ  نفس المرجع، ص128.[9]

  ـ  نفس المرجع، ص129.[10]

  ـ  نفس المرجع، ص132.[11]

 ـ نفس المرجع، ص133.[12]

[13] ـ أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة برقم 55.

 ـ نفس المرجع، ص137.[14]

 ـ نفس المرجع، ص162.[15]

 ـ نفس المرجع، ص168[16]

 ـ نفس المرجع، ص169.[17]

 ـ نفس المرجع، ص173.[18]

  ـ نفس المرجع، ص174. [19]

  ـ نفس المرجع، ص 176/ 177. [20]

 ـ نفس المرجع، ص185. [21]

 ـ نفس المرجع، ص145.[22]

 ـ نفس المرجع، ص154/155.[23]

 ـ نفس المرجع، ص156/160[24]

  ـ نفس المرجع، ص160.[25]

 ـ نفس المرجع، ص161.[26]

 ـ نفس المرجع، ص156.[27]

 ـ نفس المرجع، ص158.[28]

 ـ نفس المرجع، ص158.[29]

 ـ نفس المرجع، ص158.[30]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.