منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(خطبة) فرصة العشر الأواخر مع سبع خطوات لإحياء ليلة القدر

(خطبة) فرصة العشر الأواخر مع سبع خطوات لإحياء ليلة القدر/ للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

0

(خطبة) فرصة العشر الأواخر مع سبع خطوات لإحياء ليلة القدر

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

الحمد لله الذي أكرمنا في رمضان بالعشر الأواخر، لنزداد فيها من إحياء الليالي وشد المآزر، وأشهد أن لا إله إلا الله المقدر لكل شيء ما يناسبه من المقادر، العليم بما يجري في هذا الكون من المظاهر والظواهر، الخبير بما فيه من الأسرار والنوادر، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي له في كل خير الأوائل والبوادر، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأكابر، وعلى التابعين لهم بإحسان ما دام في الدنيا من يجتنب النواهي ويمتثل الأوامر.

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

ها نحن على أبواب العشر الأواخر من رمضان؛ فجلُّه قد ذَهَب، والباقي فيه أفضل من الذَهَب؛ فقد أعدَّه الله تعالى ليطهر به القلوب من العيوب، وليحفظ به الجوارح والأعضاء من الذنوب، حتى يكون المسلم في شوق لطاعة علاّم الغيوب.

أسرعْـتَ يا خير الشهـورِ مهـرولا * هلاّ انتظـرتَ المذنبين ليـركبـوا؟

مــا أســــرع الأفــراحَ حـين تَمُرُّنا * كالبرق يلمع في السماء ويهرُب

وكثير من الناس حين يدخل رمضان في العشر الأواخر يقولون: ها هو رمضان قد انقضى، قد فات جله ومضى، فيتكاسلون عن العمل، ويتقاعسون عن تحقيق الآمال؛ وشهر رمضان هو أفضل الشهور، وأفضل عشراته العشر الأواخر؛ لأنها خواتم أعماله، وخير الأعمال خواتمها، وأفضل ليالي العشر الأواخر هي ليلة القدر، إذ هي ذكرى وأعظم بها من ذكرى! ذكرى نزول القرآن الكريم، يقول الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا}، ويقول سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}، وفي الحديث المتفق عليه يقول النبيﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»؛ فبإحيائها يكوِّن المسلم لنفسه عمرا كاملا من الطاعة والعبادة، فألف شهر يعادل ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر…؛ فرمضان شهر يأتي مرّة في كلّ سنة، لكن فضله خير من ألف سنة.
ولكن أية ليلة هي ليلة القدر من ليالي هذه العشر؟

اختلف العلماء في تحديدها؛ فمنهم من يقول: هي في السنة كلها، ومنهم من يقول: هي في رمضان، ومنهم من يقول: هي في العشر الأواخر، ومنهم من يقول: هي في الوتر من العشر، ومنهم من يقول: هي ليلة السابع والعشرين؛ ولكن الراجح أنها في الوتر من العشر؛ روى البخاري ومسلم أن النبيﷺ قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان»؛ فيمكن أن تكون ليلة الواحد والعشرين، أو الثالث والعشرين، أو الخامس والعشرين، أو السابع والعشرين، أو التاسع والعشرين؛ ولكن أرجى الليالي لبلوغها هي ليلة السابع والعشرين؛ لما روى الإمام مسلم أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: «مَن يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ القَدْرِ»، فيرد عليه الصحابي الجليل أُبَيُّ بن كعب رضي الله عنه بأدب فيقول: «يَغْفِرُ الله لأبي عَبْدِ الرّحْمَنِ (كنية ابن مسعود) لَقَدْ عَلِمَ أنّهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَأَنّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ ولَكِنّهُ أَرَادَ أَلاَّ يَتّكِلَ النّاسُ ثُمّ حَلَفَ لا يَسْتَثْنِي أَنّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ»؛ والصحابي لا يحلف إلا على الحق، ولما روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول اللهﷺ: «من كان متحريَّها، فليتحرها ليلة سبع وعشرين».
وأيضا يدل عليها هذا الشعور العام الجماعي عند المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وعبر قرونها الطويلة على أنَّها هذه الليلة، وإقبالهم على العبادة والاجتهاد فيها، وحاشا ان تجتمع أمة سيدنا محمَّدﷺ على ضلالة.

إذن -أخي المسلم- هيئ نفسك واستعد لإحياء هذه الليلة المباركة بسبع خطوات عملية؛ وهي:

● الخطوة الأولى: بحسن القصد وصدق النية؛ قال النبيﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»، وقال الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}؛ وهذه الخطوة هي الفيصل الـمِفْصَلي الذي تَعُبُر منها أعمالُنا ما بين ضفتي العبادات والعادات؛ فبها تتحول العادة إلى عبادة أو العكس؛ مثلا: حينما أبدأ الأكل بـ(بسم الله) وأتذكر أن الله تعالى قال: {‌كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ} فقد حولتُ أكلي وهو عادة إلى عبادة، وهكذا كل الأمور التي نقوم بها عادة من النوم والركوب واللباس وغيرها؛ ولكن حينما أدخل إلى الصلاة وأنا أفكر في كل شيء إلا الصلاة، وأسجد وأركع دون أن أتذكر أني في عبادة الله تعالى؛ فقد تحولت الصلاة عندي إلى مجرد عادة ألفتُها، وقل مثل ذلك في بقية العبادات؛ (فليقس ما لم يقل) ولا يتحقق ذلك إلا بالامتثال ولا يكفي مجرد التمثيل؛ وفرق كبير بين الامتثال والتمثيل؛ فهما متقاربان في المبنى ومفترقان في المعنى؛ فالامتثال أخلاق والتمثيل قد يكون من النفاق؛ ومن السهل أن يكون الإنسان مُمَثِّلا في التدين؛ ولكن من الصعب أن يكون مُمْتَـثِلا، فالتمثيل عقيم، والامتثال عميق.

● الخطوة الثانية: بتصفية الحسابات وتنقية الأجواء مع كل من وقعت معه في الهجر والشحناء والخصام، وذلك برد المظالم أو طلب المسامحة والعفو المتبادل فورا؛ فرارا من الوقوع في التلاحي وهو الخصام والنزاع؛ فقد روى البخاري ومسلم: أن رسول اللهﷺ خرج يخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين (أي: تخاصما) فقالﷺ: «إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم، التمسوها في السبع والتسع والخمس»؛ ونحن في زمن قد وثر بأحداثه المتسارعة الأعصاب، وحير بوقائعه المتصارعة الألباب؛ هذا خصام بين رجلين حال بين أمة الإسلام، وبين معرفة ليلة القدر من الليالي والأيام؛ فكيف بالخصام بين الأسر والعائلات؟! فكيف بالصراعات بين الجمعيات والجماعات؟! فكيف بالحروب والقتال بين الدول والحكومات؟!

● الخطوة الثالثة: هيئ نفسك للصلاة وقد كان النبيﷺ يقوم ليالي العشر حتى تورمت قدماه؛ لكن ليس بجسدك فقط؛ بل بالقوى الثلاث المكونة لك: الجسد والعقل والقلب؛ فالصلاة لها ثلاث مستويات:

• المستوى الأدنى الذي يحققه كل الناس: الصلاة بالجسد؛ قياما وركوعا وسجودا وجلوسا.

• المستوى الأوسط؛ الصلاة بالعقل تدبرا وتفكرا.

• المستوى الأعلى: الصلاة بالقلب خشوعا وخضوعا؛ {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}، {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}.

● الخطوة الرابعة: هيئ نفسك لتلاوة القرآن الكريم؛ وقد كان النبيﷺ يدارس القرآن مع جبريل في رمضان؛ سواء كانت تلاوة تعبد، أو تلاوة تعلم، أو تلاوة تعبد وتعلم معا؛ ويتحقق لك ذلك إذا كنت تقصد بالقراءة أن تعبد وأن تحفظ أو تحافظ على ما حفظت بـ(الأسوار) أو التعاهد، أو أن تفهم معاني القرآن الكريم، وكل قراءة لا بد أن يصاحبها التدبر، وأقل التدبر أن تعلم أنك تقرأ كلام الله وإن لم تفهم معناه؛ {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}؛ يقول النبيﷺ: «يقال لصاحب القرآن: اقرأْ وَارْقَ ورَتِّلْ كما كنت تُرتِّل في دار الدنيا؛ فإن منزلك عند آخر آية تقرأها».

● الخطوة الخامسة: أكثر فيها من الصلاة والسلام على الرسولﷺ فإن من صلى عليه واحدة صلى الله عليه عشرا؛ ليخرجك الله بها من الظلمات إلى النور؛ ألم يقل الرسولﷺ فيما روى الإمام مسلم: «مَنْ صلى علىَّ صلاةً صلى اللهُ عليه بها عشرًا»؟ وصلاة الله عز وجل على المسلم بها يخرجه الله تعالى من الظلمات إلى النور، قال الله تعالى في كتابه الكريم: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}.

فما أحوجنا إلى نور رباني نبصر به الطريق المستقيم، نور ينتشلنا من هذه الظلمات المتراكمة، ويخرجنا من ضيق سبل الشهوة والشيطان، إلى سعة طريق الرحمن، ومن ظلمات الجهل إلى نور اليقين، ومن ظلمات الفسق والمجون إلى نور الطاعة والإيمان، ومن ظلمات الظلم إلى نور العدل، ومن ظلمات الوساوس وسوء الظنون إلى نور السكينة والطمأنينة والاطمئنان، ومن أجواء نفسية متعبة حارة مغبرة، إلى أجواء مريحة منفتحة مخضرة!

● الخطوة السادسة: أكثر فيها من الدعاء، واعلم ان استجابة الدعاء مشروط بأمرين أساسين هما: أن يكون عملك طاهرا؛ لقول النبيﷺ «أطب مطعمك تكن مستجاب الدعاء»، وأن يكون قلبك حاضرا؛ لقول النبيﷺ «إن الله لا يستجيب الدعاء من قلب لاه غافل»؛ فطهر عملك بالحلال، وحضر قلبك بالجلال.

● الخطوة السابعة: عمم الدعاء؛ فإن الدعاء مهما كان أعم كان أقرب إلى الإجابة (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا)؛ فأسأل العفو لنفسك، ثم لأسرتك الصغيرة أهلك وأولادك، ثم لأسرتك المتوسطة بلدك ووطنك وسلطانك بدوام الأمن والأمان، واستمرار الاستقرار والازدهار، ثم لأسرتك الكبيرة هذه الأمة التي نال منها التلاحي والتخاصم فشتت شملها وفتت وحدتها وسلب منه قدسها ولوث قداستها.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد؛ فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ روى الإمام مسلم عن عائشة -رضي الله عنها-: «أن النبيﷺ كان يجتهد في العشر الاواخر ما لا يجتهد في غيره»؛ وفي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها-: قالت: «كان النبيﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله»، وروى أبو داود والنسائي عن أبي ذَرّ قال بأن النبيﷺ في العشر الأواخر: «…جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشِينا أن يَفُوتَنَا الفلاح. قيل: وما الفلاح؟ قال: السحور…».

فما أحلى الأشياء حين تشاركها مع أهلك وأحبابك! نستشعر ذلك مثلا في رحلة سياحية، أو في جولة تسوقية، أو في امتلاك أشياء ثمينة؛ إن لها لحلاوة لا تقاوم، وإن عليها لطلاوة لا تساوم؛ فالطلاوة هي الرونق والحسن والجمال؛ هذا في المشاركة في حلاوة وطلاوة المادة؛ فكيف بالمشاركة في حلاوة وطلاوة المودة!؟ وخصوصا حينما يكون لب هذه المودة العبادة، إنها حلاوة وطلاوة إحياء الليالي؛ لا يتذوقها إلا الخاشعون الذين يوقنون أن الصلاة هي اللقاء مع الله تعالى؛ يقول سبحانه: {وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ}.

ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.