منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سبتة المسلمـة… سبتة السليبــة…

محمد سكويلي

0

خريطة العالم الإسلامي تتعرض لعملية التقسيم والتجزيء مِن قِبَل  الغرب الإمبريالي، الذي لا يهدأ له بالٌ حتَّى يجثم على أنفاس الضعفاء، أليست فِلَسطين الحبيبة لب القضايا الإسلامية ومحور ارتكازها، أليستِ سوريا وليبيا ومن قبل العراق امتدادًا لها… ألم يتطاول أخطبوط الاستيطان الغربي لينهش أمعاء الأمة الإسلامية الحيوية؟ ألم يستولِ على أرْضِها وثرواتِها ويأكل الأخضر واليابس فيها ؟

الغرب الإسلامي مر بفترات طويلة من الصراع مع إسبانيا النصرانية، منذ سقوط آخر مملكة إسلاميَّة في الأندلس (غرناطة سنة1492م) وخروج المسلمين من الأندلس، وبقيتْ آثار هذا التاريخ المشترك تُلقي بظلالِها على العلاقات المُعاصرة بين الطرفين؛ إذْ لا تزالُ بعضُ القضايا الشائكة عالقةً بينَهُما، لا سيَّما مدينتا سبتة ومليلية اللَّتان تقعان في شَمال المغرب والجزر المحيطة به.

وتُعَدُّ مدينة سبتة إحدى مخلفات المجابهة بين العالم الإسلامي وأوربا الكاثوليكية في فترة الحروب الصليبية في القرن الخامس عشر الميلادي، والتي كان البحر المتوسط مسرحًا لَها، فمنذُ وقتٍ طويل ارتبط مصيرُها بِالمضيق البحريّ العام الذي يربط المتوسط بالمحيط الأطلسي، وقد دفعَتْ مدينة سبتة طوال مرحلة المواجهة بين أوربا والعالم الإسلامي من خلال الحملات الصليبية ثمنَ موقعِها الجغرافي الإستراتيجي، الذي جعلها بوابة العالم الإسلامي للزحف على أوربا، ومنفذ الصليبيين لإحكام السيطرة على أراضي الإسلام، ولعلَّ أوربا النَّصرانيَّة كانت تتطلَّع إلى احتِلال هذا الثَّغر الإسلامي، وتَحويله إلى قلعة ضدَّ تمدُّد أطراف العالم الإسلامي نحو القارة العجوز، وهي تستعيد ذِكْرى عبور الفاتح “طارق بن زياد” منه نحو الأندلس في عام 92هـ.

فمنذ استقلال المغرب عن فرنسا وإسبانيا وهي تُطالب بِمدينتَي سبتة ومليلية، وبعضِ الجزر الصغيرة قبالةَ الساحل الإفريقي؛ مثل بلازاس وسوبيرانيا وجزر الكناري؛ لكن للأسَف دون تَحقيق أيّ تقدُّم ملموس؛ إذ تُصرّ إسبانيا الصليبيَّة على احتِلال أجزاء مهمَّة واستراتيجية في المغرب!

المزيد من المشاركات
1 من 65

إذًا تَعتبر المملكةُ المغربية، ومنذ استقلالها، سبتةَ جزءًا لا يتجزَّأ من التراب المغربي، وترفض الاعتراف بشرعيَّة الحُكم الإسباني على مدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، و يدعمها في ذلك كلُّ دول الاتحاد الإفريقي، ويطالب المغربُ إسبانيا بالدخول في مفاوضات مباشرة معها؛ لأجل استرجاعهما، كما تعتبرهما إحدى أواخر معاقل الاستعمار في إفريقيا، غيرَ أنَّ المنطقة لم تصنِّفْها الأممُ المتحدة بعدُ ضمنَ المناطق المحتلة والواجب تحريرها.

مدينة سبتة المغربية السليبة هي نقطة وجزء من بلدان العالم الإسلامي المغتصبة التي عمر فيها الاحتلال البرتغالي ثم الإسباني إلى اليوم مدة لا يَقبَلها عقل. بل الغريب ما يمارسه الإعلامُ الإسباني من تضليل وترويج لأكاذيبَ باطلةٍ علميًّا وجغرافيًّا وتاريخيًّا وثقافيًّا؛ من أن الوجود الصليبي الإسباني بمدينة سبتة يعود إلى عصور غابرة، وأنَّها استولتْ عليها بالقوَّة، وهي وسيلة شرعية في تلك الفترة للاستيلاء على أراضي الغير! كما يُروِّجون أيضًا لرؤيةٍ مفادُها: أنَّ سبتة تمَّ احتلالُها في وقت لم تكن فيه المغرب دولةً ذات سيادة! أمَّا الحجَّة المفضوحة هو ادعاؤها أن الأمم المتحدة ودول الاتحاد الأوربي تعترف بأن سبتة ومليلية من الجزر الإسبانية!

وقد تمَّ الرَّدّ على هذه الطروحات الفاشلة من قِبَل المؤرِّخين والعلماء، ومن أبرزها:

– أنَّ الاحتلال العسكري لأرض الغير لم يَكُنْ في يوم من الأيام حُجَّة تخول حقَّ الاحتفاظ بما تم احتلاله، وإذا فرضنا جدلاً أن الاحتلال بالقوة حجة، فلماذا لم تعترفْ إسبانيا بمشروعيَّة تلك الحجةِ عندما يتعلَّق الأمر بجبل طارق المحتل بدوره بالقوة من إنجلترا منذ 1704م؟!

– أما الحجة الثانية فقد ردَّ عليها المؤرخُ المغربي محمد عزوز حكيم بقوله: “بأنه قول فيه افتراء على التاريخ، الذي يشهد أن المغرب دولة ذات سيادة وسلطان منذ أن أسَّس المولى إدريس الأول دولتَه سنة788م؛ أي قبل أن تُصبح إسبانيا دولةً معترفًا بها بين الدول بأكثر من سبعمائة سنة، بدليل أنها لم تصبح دولة قائمة الذات إلا في سنة 1492م؛ إذ كانت خاضعة لنفوذ دولة المرابطين والموحِّدين والمرينيين.

أمَّا على المستوى الجغرافي؛ فيكفي إلقاء نظرةٍ على الخريطة المغربيَّة، يتبيَّن بالملموس أنَّ سبتة تكون جزءًا من التّراب المغربي، شأنُها في ذلك شأن مليلية وبعض الجُزُر المحتلة من قِبَل الإسبان، فلِمَ السطو والترامي على سيادة الغير؟ في وقت تُرْفَع فيه شعاراتٌ رقْراقة في الغرب من تَحرير البلدان! ونشر ما يسمونه الديمقراطية!

– أمَّا الحجَّة الثالثة فهي باطلةٌ من أساسِها، بدليل ما قامتْ به الولايات المتحدة من غزوٍ ودمار ضدَّ العراق، بالرَّغم من رفض الأمم المتحدة، أيّ نفوذٍ لِهذه المؤسسة، أليستْ هي في الأصل مؤسسةً تَخدم مصالح الغرب؟ متى كانت في صفِّ الضعفاء؟!

مقالات أخرى للكاتب
1 من 26

أين تقع مدينة سبتة؟ وما مدى أهمية موقعها الجغرافي؟

تتموقع مدينة سبتة في المغرب، في أقصى شمال غرب إفريقيا، وهي مجاورة لإقليم الريف في المملكة المغربية، ومنها تبدأ سلسلة أطلس الريف التي تمتد قرب ساحل البحر المتوسط على شكل قوس. وتتمتع سهول الريف التي تقع فيها مدينة سبتة بمناخ متوسطي معتدل تزيد أمطاره على 600 ملم في السنة.

هي عبارة عن شبه جزيرة مطلَّة على حوض البحر الأبْيض المتوسّط، تحيطُ بِها مياه البحر الأبيض المتوسط من الجهات الثلاث الشمالية، والشرقية، والجنوبية.

تشغل مدينة سبتة جيباً من ساحل المملكة المغربية تقدر مساحته بنحو 20 كم² عند مدخل البحر المتوسط على مضيق جبل طارق الذي تبعد عنه نحو 26 كم جنوبا، لتكون بذلك أقرب ميناء إفريقي إلى أوروبا. وتمتد المدينة فوق أرض مرتفعة عند نهاية برزخ ضيق، أعلاها جبل سيدي موسى الذي يبلغ ارتفاعه 842 متر. وقد أقيمت سبتة مكان مستعمرة فينيقية، وعرفت قديماً باسم إبيلا، وكان ينظر إليها أسطورياً على أنها أحد أعمدة هرقل.

كيف قامت إسبانيا باحتلال مدينة سبتة ؟

وقعت مدينة سبتة تحت سيطرة القرطاجيين في القرن الرابع قبل الميلاد، ثم ضمتها الإمبراطورية الرومانية في عهد كاليغولا سنة 40 قبل الميلاد.

وفي عام 429 م سقطت المدينة تحت هيمنة قبائل الوندال، وبعد قرن ونيف عادت المدينة إلى نفوذ الإمبراطورية الرومانية الشرقية، قبل أن تسقط مرة أخرى فريسة لهجوم القوط، ثم بدأ العصر الإسلامي لسبتة مع تأسيس الدولة الأموية في الأندلس حيث دانت لحكم عبد الرحمن الناصر سنة 931م.

في عصور ملوك الطوائف، تعاقبت عليها حملات قوى عديدة من بلاد المغرب، فقد ضمتها إمارة بور غواطة الأمازيغية عام 1061، ودخلها يوسف بن تاشفين المرابطي عام 1084م، ثم وقعت تحت سيطرة الدولة الموحدية عام 1147م.

تعود بداية سقوط المدينتين تحت الاحتلال القشتالي الإسباني إلى تضعضع إمارة بني الأحمر في غرناطة في القرن الخامس عشر الميلادي، فانتهز زعماء قشتالة والبرتغال الفرصة للقضاء على الوجود الإسلامي في الأندلس، فيما سمي بحروب الاسترداد، وكانت غرناطة آخر القلاع التي سقطت عام 1492م.

  • الملكة إيزابيلا التي أوصت بسيطرة القشتاليين على السواحل الشمالية للمغرب

من المعروف تاريخيا أنه مع بداية سقوط القلاع الإسلامية في الأندلس، أطلق بابا الفاتيكان يد إسبانيا في الساحل المتوسطي للمغرب، والبرتغال في الساحل الأطلسي، وهكذا سقطت سبتة في يد البرتغاليين عام 1415م، وبقيت مليلية تقاوم جيوش الإسبان حتى سقطت عام 1497م، في إطار خطة عامة للإسبان والبرتغاليين لمحاصرة أقاليم الغرب الإسلامي واحتلال أراضيه، ومن ثم تحويلها إلى النصرانية عملا بوصية الملكة إزابيلا، والتي نصت على ضرورة قيام الكاثوليك بغزو بلاد المغرب وتحويل المسلمين المغاربة إلى الدين النصراني، ورفع علم الصليب المسيحي في المغرب بدلا من أعلام الهلال الإسلامي، وظلت سبتة تحت الاحتلال البرتغالي حتى عام 1580م، بعدما قامت إسبانيا بضم مملكة البرتغال.

هل حاول المغاربة استرجاع سبتة عسكريا؟

حاول المغاربة في القرون التالية استعادتها من قبضة الإسبان، وكانت أبرز هذه المحاولات بقيادة المولى إسماعيل في القرن السادس عشر الميلادي، حيث حوصرت مدينة سبتة لفترة طويلة، لكن دون جدوى، كما حاول المولى محمد بن عبد الله عام 1774م محاصرة مدينة مليلية، دون أن يتمكن هو الآخر من تحريرها.

  • المولى إسماعيل صاحب أبرز محاولة مغربية لاسترجاع مدينة سبتة المحتلة

وهكذا تواصل الكر والفر بين محاولات الاسترجاع المغربية وعمليات إحكام السيطرة الإسبانية التي تعززت أكثر منذ القرن الثامن عشر، وتوطدت مع الحماية الإسبانية على شمال المغرب.

ورغم ذلك فقد تواصلت المحاولات بشراسة في القرن العشرين من خلال مقاومة أبناء الريف المغربي للاحتلال الإسباني، وتقول بعض المصادر التاريخية إن الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي قائد ثورة الريف، كان في وضع عسكري وميداني يسمح له بدخول مدينة مليلية وتحريرها من الإسبان، واعتبر البعض إحجامه عن ذلك خطأ استراتيجيا.

ما هي وضعية المدينتين المحتلتين في الوقت الحالي؟

ترفض المملكة المغربية حالياً الاعتراف بشرعية الحكم الإسباني على مدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية وتعتبرها جزء لا يتجزأ من التراب المغربي، حيث يتمتع سكانها من أصل مغربي بحقوق كاملة داخل المغرب كمواطنين مغاربة، ويطالب المغرب إسبانيا بالدخول في مفاوضات مباشرة معها؛ لأجل استرجاعهما. كما تعتبرهما إحدى أواخر معاقل الاستعمار في إفريقيا، غير أن المنطقة لم تصنفها الأمم المتحدة ضمن المناطق المحتلة والواجب تحريرها.

  • منظر عام لمدينة سبتة

رغم مطالبات المغرب المتكررة في عهد الملك الحسن الثاني باسترجاع سبتة ومليلية في إطار تفاوضي، واصلت إسبانيا فرض الأمر الواقع الذي توج عام 1995 بمنح المدينتين حكما ذاتي اكإقليمين مستقلين تحت السيادة الإسبانية، وشكلت زيارات الملك الإسباني السابق خوان كارلوس إلى سبتة إشارات سياسية لتمسك مدريد بسيادتها على المدينتين، وقوبلت باستنكار مغربي رسمي وشعبي.

المعالم السياحيّة في مدينة سبتة

من أهمّ الأماكن السياحية، والتاريخيّة، والأثريّة، والدينيّة فيها: شاطئ كالاموكارو، ومسجد مولاي المهديّ، وقلعة ديسنارغادو، وكنيسة سان أنطونيو ديل تاخال، ومنارة بونتة ألمينة، وحصون القرون الوسطى، وحي وشاطئ بينثو، وأسوار ميرينيداس، والنصب التذكاريّ لهرقل، وحصن سان أمارو، وشاطئ سان أمارو، وحديقة سان أمارو، ونافورة هيلز. وأيضاً: حصن مونتي أتشو، وشاطئ سبتة، والنصب التذكاري للملازم رويث، والحديقة البحريّة، وبيت التنين، وكنيسة سانتا ماريا دي أفريكا، والحمامات العربيّة، وشاطئ ديل شوريجو، وأسوار باسيو دي لاس بالميراس، والأسوار الملكيّة، وكنيسة سان فرانسيسكو، وخندق سان فيليبي، ومتحف الأسوار الملكية. من أشهر متاحفها: المتحف البلديّ، والمتحف العسكريّ كاستيو ديل ديسناريغادو، والمتحف العسكريّ دي لا ليخيون، ومتحف ريفيين دي سان أغناسيو.

تبقى سبتة ومليلية والجزر التابعة لها جرحًا آخرَ غائرًا في جسد الأمة الإسلامية، يذكِّرنا دومًا بما ضاع بالأمس وما يضيع اليوم! ولن تستعيد الأمة مجدَها وسؤددها إلا بالوحدة الإسلامية، وبالعودة الصادقة إلى تحكيم شرع رب الأرض والسموات، ولله درُّ الملهَم عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: “كنا أذلَّ قوم، فأعزَّنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلَّنا الله“.

إِذَا الإِيمَانُ ضَاعَ فَلا  أَمَانٌ        وَلا دُنْيَا لِمَنْ لَمْ يُحْيِ دِينَا

وَمَنْ رَضِيَ الحَيَاةَ بِغَيْرِ دِينٍ        فَقَدْ جَعَلَ الفَنَاءَ  لَهَا  قَرِينَا

 واللهَ أسأل أن يَرُدَّ هذه الأمةَ الخيِّرة إلى دينها ردًّا جميلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال عمر عبدالله البخاري:

يـا سـبـتةَ الأمجادِ والأجداد!ِ

                                سـأعـود رغـم تـكالبِ الحسادِ

سـأعـود  لـيثاً ناشباً أظفارَه

                                فـي  كـل عـلـجٍ ظالم ٍمتمادي

سـأعود  أُوصِد كلَّ بابٍ للعِدا

                               وأثـور  فـيـكِ مـنـادياً لجهادِ

وأُبـيـدُ محتلاً طغـى في أرضنـا

                                وأُعـيـدُ  عـزاً ضـائعاً لبلادي

وأذبُّ عنكِ وعن حياضكِ دائماً

                                بـجـمـيع  أسلحتي وكلِّ عتادي

يـا سـبـتة! فيها وُلدْت مهمشاً

                                سـأعـود  فـيـهـا سيِّد الأسيادِ

سأعود  أنشرُ ديننَا في أرضها

                                فـي  كـلِّ رابـيـة بـها أو نادِ

كعياض  حين أقام فيها ناصحاً

                                ومـعـلـمـاً  لـلمَكرُماتِ ينادي

هـذا  لعَمري وَعْدُ حرٍّ لا يرى

                                تَـرْك  الـسـليبةِ في يَدِ الأوغادِ

يـا  سبتة! سأردُّها رغم العِدا

                                والـشـامـتـين  وكلِّ ذي أحقادِ

يا  سبتتي! يا مهجتي وحبيبتي!

                                يـا  سـبـتـتـي يا فلذة الأكبادِ!

لن أُخلِف الوعدَ الذي أعطيتُه

                                فـتـمـهَّـلـي  يا سبتة الأمجادِ!

فالحرُّ  يدحر من يراه محارباً

                                للديـن أو للأرض والأولادِ؛

ولـذاك أدعـو ربـنا وإلهنا

                                لـيـمـدَّنـي مـن عـندِه بسدادِ

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.