منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإحسان إلى الوالدين وذوي الرحم والصديق | شعب الإيمان | الشعبة (6)

عبد الصمد الخزروني

0

مقدمة

كثيرا ما سمعنا دروسا وخطبا عن بر الوالدين والإحسان إليهما، وهناك أيضا كُتب كُتبت في ذلك. لكن ما يلاحظ على هذا الحديث تقريبا هو التشابه في طريقة التعاطي مع الموضوع. قد يرجع هذا التشابه إلى كون الاستشهادات المعتمدة غالبا ما تكون من الكتاب والسنة. وهذا أمر طبيعي جدا. وقد يكون الإطار الذي يُوظف فيه هذا الموضوع والهدف الذي يرمي إليه هما سبب التشابه، لأنهما لا يخرجان عن سياق الخلاص الفردي. ويبقى سياق الخلاص الجماعي بالنسبة للموضوع وغيره من المواضيع الاجتماعية غائبا لغياب توظيف البعد الجماعي في الخطاب الإسلامي.

من بين العلماء الذين حاولوا تجديد هذا الخطاب الإسلامي ليكون خطابا منهاجيا الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، فقد تناول جميع المواضيع التي يعالجها الخطاب الإسلامي وحتى الكتابة بالمزاوجة بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي، وذلك أنه وضع لها إطارا جامعا منه ينطلق الخطاب وإليه يرجع. وهذا الإطار الجامع هو الصحبة والجماعة.

نقف في هذا الموضوع عند الشعبة السادسة من خصلة “الصحبة والجماعة” الواردة في كتاب المنهاج النبوي، والتي عنونها الإمام رحمه الله تعالى بـــــ “الإحسان إلى الوالدين وذوي الرحم والصديق[1]. حتى نرى كيف زاوج في تعاطيه للموضوع بين الخلاص الجماعي والخلاص الفردي موظفا لنفس الاستشهادات القرآنية والحديثية لكن برؤية منهاجية تجديدية متجددة ومستحضرة لفقه الواقع.

نصوص الاستشهاد

المزيد من المشاركات
1 من 43

في هذه الشعبة من شعب الإيمان استشهد الإمام بنفس الاستشهادات التي استشهد بها غيره في هذا الموضوع، وقد اكتفى فقط بذكر آية كريمة وهي قوله تعالى: [وَوَصَّيْنَا الْانسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وإن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً، وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون] (لقمان:14-15). واستشهد أيضا بحديث نبوي شريف وهو أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: “من أحق الناس بحسن الصحبة؟” قال: أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أدناك أدناك[2]. كما استشهد أيضا بقصة جريج الذي قدم صلاته على تلبية حاجة أمه. هذه القصة التي ذكرها الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.

هذه الاستشهادات لا نختلف في كونها تأمرنا وتحثنا على بر الوالدين والإحسان إليهما، وتنهانا عن عقوقهما، كما تأمرنا أيضا بالإحسان إلى ذوي القربى وإلى الصديق. لكن في أي إطار جامع وبأية رؤية للموضوع؟

في كتاب شعب الإيمان المجلد الأول نجد أن الإمام رحمه الله خصص لهذه الشعبة الإيمانية السادسة من الأحاديث النبوية ستة وثلاثين استشهادا، ورتب تحت الشعبة خمسة عناوين فرعية على الشكل التالي: برّ الوالدين، صلة الرحم، صلة القريب والصديق، العقوق وقطع الرحم من الكبائر، العصبية منتنة. وكل عنوان فرعي من هذه العناوين تؤطره أحاديث نبوية تناسبه.

الإطار الجامع

كيف تؤطر الصحبة والجماعة هذا الموضوع؟ بصيغة أخرى ماذا تمثل شعبة “الإحسان إلى الوالدين وذوي الرحم والصديق” لخصلة الصحبة والجماعة؟

إذا كانت الصحبة والجماعة تمثل الشجرة فإن هذه الشعبة تمثل فرعا من فروعها. فكما أن حياة الفرع لا تستقيم إلا بحياة الشجرة التي لها جذور في الأرض، فكذلك هذه الشعبة الإيمانية لا تستقيم في حياة المسلم إلا إذا ارتبط بخصلة الصحبة والجماعة التي لها جذور في أرض الإيمان والإحسان. إذا كانت الصحبة والجماعة شجرة مباركة أصلها ثابت فإن فرعها بكل تأكيد سيعلو في السماء، ويكون أول من يستفيد من ثمرته الدعوة الإسلامية. لأنها ستقدم للناس نموذجا حيّا للرحمة والبر والإحسان حتى يحذو الناس حذوه. يقول رحمه الله تعالى: “من المؤمنين من يفتقد عند توبته مرشدا يدله على الرفق. فإذا كان له أبوان وذو رحم سادرون في الغفلات، أو يعلم الله ما عندهم من موبقات، أعلن الابن والابنة الحرب على الوالدين والأقارب، وخسرت الدعوة فرصة لتبليغ الناس أن الإسلام رحمة وطهارة وسلم للعالمين[3].

فقه الواقع

مقالات أخرى للكاتب
1 من 13

استحضار فقه الواقع أيضا له أهمية في طريقة التعاطي مع مثل هذه المواضيع الاجتماعية، وهو ما لا يغفل عنه الإمام رحمه الله. فحين حدد التعامل مع الوالدين والأقرباء ومع الأصدقاء والناس أجمعين ربطه بواقع الفتنة الذي له تأثير قوي على تدين الناس بدينهم. فلا يمكن الحكم عليهم بشيء من الأحكام قبل التفكير في تجديد الدين في الأمة وتجديد الإيمان في قلوب أفرادها. وهذا التجديد لا بد له من مجدد فردا كان أو جماعة تكون صحبته مدرسة لتربية التائبين من الشباب حتى لا يكونوا مندفعين بحماسة زائدة نحو تكفير الناس والتعنيف عليهم، وعلى رأسهم الوالدين والأقربين والأصدقاء. يقول رحمه الله تعالى: “يرتكب التائب الذي لا مرشد له كبيرة عقوق الوالدين لمجرد أنه لا يجد عند أمه وأبيه ذلك الالتزام بالسنة كما يقرأه في الكتب. ألا إن مجتمعنا مفتون، ولا يمكن طلب الاستقامة من الناس، ومن نظام الأسرة والمجتمع المتأثر بالجاهلية المبني على قيمها، قبل أن نعيد بناء الإسلام”[4].

وحتى يؤكد الإمام رحمه الله تعالى على أهمية الإحسان إلى الوالدين وصحبتهما في الإسلام كيفما كانت حالة تَديّنهما مسلمين أو كافرين ربط مسؤولية توجيه الناشئة نحو التعامل الصحيح المبني على الرحمة والرفق والسّلم بالمربين الربانيين والدعاة الصادقين، وذلك من خلال حثهم على صحبة الاخيار ولزوم غرزهم ومجالسهم. وأول صحبة نافعة يحرص المربون من المؤمنين على رعايتها حتى تكون وعاء صالحا للحفاظ على سلامة الفطرة الأم الصالحة. يقول رحمه الله تعالى: “ينبغي للمربي المتبع -أرأيت أن الله عز وجل ما ترك لنا فرصة للحث على صحبة الأخبار إلا خاطبنا بها- أن يقود برفق حركة التجديد في الأسر، لتحبيب الإسلام للناس، وتفادي معصية الله تعالى بتعريض النشء للعقوق. ومتى كانت الأم صالحة فهي أول صحبة نافعة أمر الشارع صلى الله عليه وسلم برعايتها[5].

خاتمة

من خلال ما سبق يظهر لنا أنه من غير خصلة الصحبة والجماعة باعتبارها المحضن الدافئ والمدرسة الإيمانية الذي يمكن أن تأوي إليه الناشئة التائبة لا يمكن لهذه الناشئة أن تحسن تعاملها مع الناس، سواء مع الوالدين أو الأقربين أو الأصدقاء أو غيرهم لمجرد أنهم قرأوا كتبا أو سمعوا خطبا ودروسا. بل لا بد من صحبتهم للأخيار حتى يتلقوا التربية الإيمانية على أيديهم ويتعلمون منهم كيف يجمعون بين الرحمة والحكمة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل[6].


المصادر والمراجع

[1] – عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص:140.

[2][2] – رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.

[3] – نفس المرجع، ص:140.

[4] – نفس المرجع، ص:140.

[5] – نفس المرجع، ص:141.

[6] – رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.